أدى اتساع المملكة وترامي أرجائها وتباعد أطرافها وتنوع تضاريسها وتعدد مناخاتها وتباين تربتها إضافة إلى ما رسمته من خطط تنموية متسارعة ورؤىً تطورية طموحة وما يمنحه ولاة أمرها -أيدهم الله- للمواطنين من منحٍ وأراضٍ وقروضٍ وتسهيلات فكل هذا أدى إلى تنامي وازدهار قطاع البناء والتشييد في المملكة وتسارع نموه وتطوره وما يحتاجه ذلك من مهندسين وفنيين ومهنيين وغيرهم، ولهذا تعددت طرق البناء وتشعبت أساليبه ونظمه مما جعل الحاجة ماسة لإعداد كود بناء سعودي موحد من شأنه تطوير قطاع البناء والتشييد وتوحيد نظم البناء والرقي بها في ظل الظروف والتطورات العلمية التقنية المستجدة محليًا وإقليميًا وعالميًا بما يتلاءم مع ظروف المملكة الجغرافية والمناخية والبيئية ويواكب ما تشهده من طفرة عمرانية غير مسبوقة. لذا أدت هذه العوامل نحو إقرار مرجعية كود البناء السعودي في 20 ربيع الآخر 1423ه (30 يونيو 2002م) وبدأ تطبيقه على مراحل تدريجية، وصولاً إلى التطبيق الشامل للمباني السكنية في 30 ذي الحجة 1445ه (1 يوليو 2024م) على المشاريع الجديدة، مع استمرار تحديثه كل خمس سنوات، وفقًا لقرار مجلس الوزراء والمركز الوطني لكود البناء السعودي. ومن هنا تأتي أهمية كود البناء السعودي للمواطنين والعاملين في قطاع البناء والتشييد والذي يجسّد مرحلة تاريخية من التحوّل نحو آفاق أكثر ازدهارا وإشراقًا تقودنا إليها الرؤية الطموحة للمملكة 2030. والكود لا يقتصر على سلامة المباني والمنشآت فحسب بل يشتمل أيضًا على مجموعة من القوانين والنظم الإدارية والفنية المتعلقة بالبناء والمبنية على القواعد العلمية والمعمارية والهندسية الحديثة وذلك لضمان الحد الأدنى المقبول من السلامة والصحة العامة والجودة والرفاهية والتكلفة وتحقيق الاستدامة لمشاريعنا الوطنية وترشيد الطاقة عند التنفيذ، إلى جانب أساليب الصيانة الدورية وغيرها من أمور حيوية، مع الأخذ في الاعتبار خواص المواد والظروف الطبيعية المحلية ومتطلبات الحماية من الحريق والأخطار الطبيعية كالزلازل والرياح وكافة الظروف الجغرافية والجوية والموسمية. لذا نجد أن الإطار العام الذي تم تحديده لكود البناء السعودي يضمن جميع اللوائح والمتطلبات الإدارية والقانونية والمعمارية والإنشائية والكهربائية والميكانيكية والصحية وترشيد المياه والطاقة والحماية من الحريق ولوائح المباني القائمة، بالإضافة إلى لوائح ومتطلبات أخرى. ولعل من أهداف الكود أن ينظم العلاقة بين جميع الأطراف المعنية بعملية البناء ويحدد المسؤوليات بطريقة واضحة جلية بحيث تقل الخلافات وتحسم المنازعات على أسس عادلة، ولعل المستفيد الأكبر من هذه العملية هو المواطن الذي يتخذ الكود كأساس لأعمال البناء التي يقوم بها وعندها سيكون مطمئنًا إلى أنه اعتمد المعايير الصحيحة من الناحية التنظيمية والفنية، كما سيكون مرجعًا قانونيًا ومرشدًا فنيًا لتنفيذ جميع المراحل بدءًا من مرحلة التصميم وصولاً لمرحلة التسليم النهائي مُقيّمًا الأسس ومُحددًا المتطلبات والاشتراطات التي تكفل سلامة المبنى ومواءمته مع الظروف التي يتعرض لها سواءً أكانت من التربة أم من المناخ أم بسبب الاستخدام. خبرات السابقين إن الاستفادة من خبرات دول سبقتنا في هذا المجال لأمر تفرضه وتحتمه الضرورة حيث إن منظومة كود البناء السعودي فنية ومتشعبة ودقيقة وقد أجريت فيها الكثير من الدراسات والإنجازات والتعديلات من مختلف دول العالم شأنها شأن أيِّ موضوع مهم ذي طبيعة وطنية عامة، ولهذا يجب أن لا نكون بمعزل عن التطورات والمستجدات العالمية ولا يمكن بأيِّ حال من الأحوال أن نبدأ من نقطة الصفر بل لا بد لنا من الاستفادة من تلك الجهود العالمية ولقد تم بالفعل الرجوع لهيئات ومنظمات دولية للاستفادة من خبراتها وتجاربها والاستئناس بآرائها وتوجهاتها في هذا السبيل ولكن لا يعني أخذها كما هي دون دراسة وتمحيص بل لا بد من تطويعها وتحديثها لتلائم ظروفنا البيئية وقيمنا الاجتماعية وبلورتها في صيغ وملاءات تناسبنا، وهذا هو مسؤولية المركز الوطني لكود البناء السعودي التي أوكل له هذه المهمة فأخذ على عاتقه مسؤولية إعداد هذا الكود وما يتفرع منه من لجان متخصصة وليقف على مجريات التطورات العالمية وما يستدعيه ذلك من الاطلاع على ما يمكن من دراسات ووثائق وكودات عربية وأجنبية. ونجد أن كود البناء السعودي له علاقة بكافة نواحي تصميم وتنفيذ المباني التي تتبنى وتعتمد المواصفات القياسية عند تحديد المواد المستخدمة من أجل الوصول إلى الحد الملائم من السلامة والصحة العامة والتكاليف، لذا فإن الكود يغطي مجالات واسعة فنية وإدارية وهندسية وعلمية تشمل كافة النواحي المعمارية والمدنية والإنشائية والميكانيكية والكهربائية والصحية وأنظمة الحماية من نشوب الحريق وترشيد الطاقة والمباني العائلية ومتطلبات الكفاءة الزلزالية للمباني والمنشآت في جميع مراحل البناء بدءًا من التصميم ثم الإشراف حتى التنفيذ، فكود البناء يحدد اشتراطات الأمان والسلامة والراحة والرفاهية وحماية الممتلكات بحيث يكون متجانسًا ومتوافقًا مع المناطق المناخية والجيولوجية المختلفة بالمملكة. ولعل أهمية الكود تكمن في أنه يشكل مرجعية قانونية لتنظيم المهام وتحديد المسؤوليات بين الجهات ذات العلاقة في عملية البناء فهو يحدد مسؤولية ودور كل من المالك والمصمم والمشرف والمنفذ، أما المواصفات فهي تختص بمواد البناء والتشييد، وهي تعالج المواد من حيث السلامة والجودة وتحدد شروط القبول والرفض لكافة المواد الإنشائية، وتحدد كذلك أسلوب الفحص والاختبار بما يتوافق مع المواصفات القياسية العالمية، وهناك المواصفات الفنية العامة للمبنى وهي تعالج كل ما يتعلق بالمنشأة أثناء مرحلة التنفيذ مثل خصائص المواد الإنشائية المستخدمة وطرق تنفيذها وفحصها وشروط أمان واتزان المنشأة وبخاصة في المناطق المعرضة للزلازل في المملكة. لقد تضمَّنت منظومة كود البناء السعودي عددًا من الملاحق تشمل متطلبات الكود للتربة والأساسات ولأحمال القوى وللأعمدة الخرسانية والحديدية وللبناء بالطوب والطابوق وللسقالات وللأعمال الكهربائية والميكانيكية والصحية وغاز الوقود ولترشيد الطاقة وللطاقة المتجددة وللحماية من الحريق وتحسين كفاءة المباني القائمة لمقاومة الزلازل والحماية من الصواعق، كذلك للمباني القائمة والمباني الخضراء والمباني التاريخية وأحواض السباحة والمنتجعات الصحية وملاحق أخرى، كما تم أيضًا توضيح وتفسير أجزاء وفصول منظومة الكود لتسهيل الفهم والاستيعاب لدى المعنيين والمهتمين لتطبيق كود البناء السعودي من (مهندسين، مشرفين، مقاولين، موردي مواد البناء.. إلخ). ومن الإنجازات التي تمت بعد إعداد منظومات الكود أن كان هناك تدريب وتأهيل للمختصين والمفتشين لفحص المباني وتفتيشها ومراجعة وتدقيق مخططاتها وتصميماتها الهندسية لرصد ومتابعة والتأكد من التزامها بالبنود والاشتراطات ومراعاتها للمتطلبات والأحكام المنصوص عليها في منظومة الكود. ولقد تمت ترجمة معظم مكونات منظومة الكود إلى اللغة العربية تمهيدًا لترجمة باقي الإصدارات تباعًا في مراحل قادمة، ولقد روعي في ترجمتها صياغة عربية فصيحة دقيقة سليمة قضت على الكثير من المسميات والمفاهيم العامية التي كانت سائدة ومستخدمة بين أوساط الفنيين والمقاولين والمنفذين واستبدلت بمسميات حديثة سلسة تتناسب مع السياقات والترجمات العربية المتعارف عليها. وأخيرًا فإن منظومة كود البناء السعودي بملاحقها وإصداراتها المتعددة تخضع للمراجعة والتحديث بعد كل خمس سنوات، كما أن الباب يظل مفتوحا لأية مراجعات أو ملاحظات أو أراء يتقدم بها العموم جاءت ممزوجة بين النموذج الوصفي والنموذج الأدائي في إعداد وصياغة بنود الكود، حيث يحقق النموذج الوصفي أهداف وأغراض ومرامي الكود من خلال التركيز على معايير معينة تحدد القيم الحرجة المقبولة سواءً أكانت القيم الدنيا أم القيم القصوى، بينما يحقق النموذج الأدائي ذات الغرض وذلك من خلال إيضاح الأهداف الرئيسة والجزئية المحققة لحلول مقبولة تعتبر بدائل يمكن المفاضلة بينها على أساس الأولويات التي يمكن اختيارها وتبنيها وتطبيقها والالتزام بها. وتجدر الإشارة هنا إلى ذكر الجهات ذات العلاقة بتطبيق منظومة الكود كل فيما يخصها، ومنها وزارة البلديات والإسكان حيث تتولى إصدار تراخيص البناء والهدم والترميم ومتابعة أعمال التفتيش والمراقبة والضبط وفرض الغرامات وعمل الاختبارات اللازمة قبل وأثناء وبعد تنفيذ عمليات البناء، إلى جانب إعداد وتدقيق التقارير المساحية اللازمة وفقًا لمتطلبات المخططات الإرشادية والتواصل لذلك مع المكاتب الهندسية والشركات والمؤسسات المرخصة والجهات المعتمدة بمزاولة أعمال البناء والسماح بإيصال الخدمات العامة. كذلك، يأتي دور وزارة الطاقة حيث تتولى من جانبها تأهيل المكاتب الهندسية والفنية والمقاولين لتنفيذ وتطبيق التمديدات والتركيبات الكهربائية مع مراعاة توفر عناصر السلامة وكفاءة الاستهلاك وترشيد الطاقة في الأعمال والتجهيزات الكهربائية. كذلك تتولى الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة وهي أحد المكونات الهامة في هذه المنظومة وضع المواصفات الفنية واللوائح المتعلقة بجودة ونوعية وسلامة واستدامة مواد البناء والتي يجب الالتزام بها في مواد ومنتجات البناء، وتكون مرجعاً أساسياً لكود البناء السعودي والإشراف على تطبيقها بالتعاون مع الجهات المعنية، لضمان مطابقة المباني للمتطلبات الصحية والبيئية والسلامة العامة وتوفير الإطار المرجعي للمركز السعودي لكود البناء والجهات المختصة بالرقابة والتفتيش، مما يعزز جودة البناء ومقاومته واستدامته، كذلك تحديث المواصفات القياسية المرجعية للكود وفق ما تصدره من مواصفات قياسية ولوائح فنية. وهناك أيضًا دور بارز وجوهري للمديرية العامة للدفاع المدني في التنسيق مع الجهات المختصة للتأكد من حصول المكاتب الهندسية والمقاولين على التأهيل اللازم فيما يتعلق بأنظمة الوقاية والحماية من الحريق والتفتيش في مجال سلامة المصاعد ومخارج الإخلاء من المباني عند حالات الطوارئ ونشوب الحرائق. وختامًا.. إن هذا الكود عمل ديناميكي يتسم بالتجدد والحيوية والتحديث ويواكب التطورات الحديثة التي تستجد تباعًا في قطاع البناء والتشييد وترسيخًا لمبدأ الشراكة والتعاون والتفاهم مع جميع ذوي العلاقة فقد أنشئ مركز إعلامي يتم من خلال موقعه الإلكتروني وقنواته التفاعلية المختلفة التواصل مع العموم وكافة الجهات لتقديم ورش عمل وندوات ومحاضرات تخصصية تهدف لزيادة ورفع الوعي العام بثقافة السلامة والاستدامة في المباني، إلى جانب استقبال آرائهم وملاحظاتهم ومرئياتهم واقتراحاتهم في بنود الكود ما من شأنها تعزيز وإثراء المعرفة بهذا العمل الوطني والذي سنشهد -بمشيئة الله- أثره الإيجابي على واقع قطاع البناء والتشييد في بلادنا العزيزة الغالية. * الأستاذ بجامعة الملك سعود