قال إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور ياسر الدوسري -في خطبة الجمعة-: سورة من سور القرآن، اشتملت على أعظم مقاصد الإسلام، وأجل غاياته العظام، فشهدت بصدق رسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وردَّت على شُبهات أهل الكفر والضلال، وأقامت دلائل البعث والنشور بالحجة والبرهان، وكشفت عن مشاهد الموت والحساب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، إنها سورة "ق" التي نقفُ اليوم مع آياتِها، واستنباط دلالاتها، والتمعن في مقاصدها، ونبحر في معانيها. وأضاف: استهل الله جل وعلا هذه السورة بحرف مِن الحروف المقطعة، التي تحمل مِن الدلالات والإشارات ما الله أعلم بمبلغِه، ومُراده ومَقصده، ثمَّ أقسم بالقرآن المجيد، ثمَّ أتبع ذلك ببيانِ عَجبِ المشركين من بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتكذيبهم بالبعث والنشور، ثم الجواب عن عجبهم". وأوضح أن ما جاء في مطلع السورة يقرع المشركين على إنكارهم البعث وتكذيبهم للحق، بأسلوبٍ مُحكم متين، وبيان متقن رصين، ثم جاءت البراهين على إثبات البعث، وأنَّهُ ليسَ بأعظم من ابتداء خَلْقِ السماوات وما فيها، وخَلق الأرض وما عليها، وقد بثّ الله في الكون من الآيات البينات ما لو تأملوه لارتدعُوا عن جدالهم، ورجعوا عن ضلالهم، وفي ذلك عبرة لمن يتذكر أو يخشى. وبيّن أن إحياء الأرض بعد موتها دليل على إحياء الإنسان بعد موته، إنها حُجة باهرة، وبينة ظاهرة، ولكنَّ هؤلاء اتّبعوا سنن مَن كان قبلَهُم؛ فكفروا بآيات الله ظلمًا، وكانوا عن الانتفاع بالقرآن المجيد عميًا وصمًا، مؤكداً على أن الله وكَّلَ للإنسان ملكين يكتبان، وعن أعماله لا يغفلان، قال تعالى: "مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" إنها مراقبة دائمة في الخلوات والجلوات، وفي الحركات والسكنات، ولكن كثيرًا من العصاة عن ذلك لاهون، وعن عواقبه ساهون. وأشار إلى أن من أعظم مشاهد يوم القيامة، نارًا تكاد تميّزُ مِنَ الغيظ الشديد، وتسأل ربها المزيد، قال عزَّ وجلَّ: "يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ"، منوهاً على مشهدٍ عظيم لتكريم عباد الله المتقين، وما أعده الله لهم مِن النعيم المقيم، فتُقرّب لهم الجنة وتُدنى منهم؛ لينظروا إليها ويزدادوا شوقًا قبل دخولها، قال سبحانه: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٌ". واختتم قائلًا: "تنتقل السورةُ مِن الاستدلال إلى التهديد، فتذكّر بعاقبة المكذبين من الأمم السابقة، والقرون السالفة، قال عزَّ وجلَّ: "وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ".