منذ تأسيس هذا الكيان الشامخ المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- تشكَّلت ملامح مدرسة سياسية خاصة، مدرسة لم تستنسخ نماذج الآخرين، ولم تنغلق على ذاتها، بل سارت بوعيٍ عميق وفق المعايير السياسية الدولية، مع الحفاظ على بصمتها السعودية المتفردة التي جمعت بين الحكمة، وطول النفس، والالتزام الأخلاقي في إدارة الشأنين الداخلي والخارجي. هذه المدرسة السياسية السعودية لم تعمل في نطاق أن السياسة فن الممكن، حتى وإن كان الممكن على حساب الدول الجارة والصديقة، بل كان نطاقها دائماً السياسة فن الواجب الأخلاقي. ومن هنا نفهم موقف دولتنا القوي تجاه أي تهديد لدول الجوار، أو انتهاك لسيادتها. كذلك هذه المدرسة السياسية لم تُبنَ على ردود الأفعال أو المغامرات، بل على منهج التدرج واستنفاد كل أدوات الصبر، وكل محاولات الإصلاح الممكنة، قبل الانتقال إلى ما يمكن تسميته مجازًا "الكيّ السياسي". فالمملكة لا تلجأ إلى الحسم العسكري إلا عندما تستنفد الحوار، والوساطة، والنصح، والدعم الهادئ، وهو سلوك نادر في عالم يميل إلى الحلول السريعة ولو كانت مدمرة. ومن أبرز سمات المدرسة السياسية السعودية التزامها العميق بالحفاظ على وحدة الدول العربية وسلامة أراضيها. فمنذ عهد المؤسس وحتى اليوم، أدّت المملكة دور "صمام الأمان" في وجه مشاريع التفتيت والانقسام، في زمنٍ لم تتردّد فيه بعض الدول عن التضحية بجيرانها أو محيطها الإقليمي خدمةً لمصالح ضيّقة أو آنية. لقد أدركت المملكة مبكرًا أن استقرار الإقليم جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني، وأن انهيار الدول من حولها لا يمكن أن يكون مكسبًا استراتيجيًا لأي طرف. وتتجلّى البصمة السعودية كذلك في البعد الإنساني للسياسة. فعندما تندلع الصراعات، لا تنظر المملكة إلى الإنسان باعتباره رقمًا في معادلة سياسية، بل روح تجب حمايتها. ولعلّ من أصدق الشواهد على ذلك حرصها على إجلاء المدنيين من مناطق النزاع دون تمييز، بل وتوسيع مفهوم الحماية ليشمل كل ما فيه حياة، في موقف أخلاقي يعكس رؤية حضارية ترى أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل بالقدرة على حماية الضعفاء وتقليل كلفة الألم الإنساني. كما تتميّز المدرسة السياسية السعودية بالتوازن الدقيق بين الثبات والمرونة؛ ثبات في المبادئ السيادية، ومرونة في الأدوات والوسائل. فهي دولة تحترم القانون الدولي، وتعمل ضمن أطره، لكنها في الوقت ذاته لا تتنازل عن مصالحها العليا، ولا تقبل أن تُفرض عليها الوصاية أو الإملاءات. وهذا التوازن هو ما أكسبها مصداقية سياسية عالية، وجعلها شريكًا موثوقًا في ملفات إقليمية ودولية معقّدة. ولا يمكن إغفال البعد الديني والحضاري في هذه المدرسة؛ فخدمة الحرمين الشريفين ليست لقبًا تشريفيًا، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية انعكست على سلوك المملكة السياسي، الذي اتسم غالبًا بالتهدئة، ونبذ الفوضى، وتغليب منطق الإصلاح على منطق الهدم. كما أن رعاية ولي العهد -حفظه الله- لمسارات التحديث والتنمية، مع الحفاظ على ثوابت الدولة، تمثّل امتدادًا طبيعيًا لهذه المدرسة. إننا أمام تجربة سياسية متراكمة، لم تُكتب في الكتب بقدر ما كُتبت في الممارسة اليومية، وفي إدارة الأزمات، وفي القدرة على الجمع بين القوة والمسؤولية، وبين المصالح الوطنية والواجبات الأخلاقية. وفي عالمٍ تتغيّر فيه التحالفات بسرعة، وتغلب فيه النزعة البراغماتية القاسية، تبدو المدرسة السياسية السعودية نموذجًا يستحق التأمل والدراسة. أليست هذه المدرسة السياسية السعودية، بما تحمله من حكمة، وبصمات إنسانية، وحس عربي جامع، جديرة أن تُدرس بوصفها نموذجًا سياسيًا فريدًا؟ إن شكر السعودية ليس مجاملة، بل قراءة منصفة لتجربة أثبتت أن السياسة يمكن أن تكون قوية دون أن تكون متوحشة، وحازمة دون أن تفقد بعدها الإنساني. حفظ الله المملكة، وقيادتها، وشعبها الكريم، وجعل ما تقدمه من خير وأمان في ميزان حسناتها.