"كل ردة فعل منك نابعة عن غريزتك ولكنها ليست الحقيقة..." كرِس جامي. يسعى الغالب من البشر لإثبات الذات وفق جدليات واسعة تنبع من إيمانه المطلق ب"المنطق" -ولو لم يعرف ما المنطق- فالمنطق هو الذي يزوده بمعطيات تمنحه المرونة في الإثبات والنفي وفي ترجيح الصحيح من الباطل والجد من الهزل ولكنه لا يستطيع أن يتقمّص "المنطق" طويلاً لأن هناك ما يدحض منطقه من داخله ألا وهو "الطبع"، والطبيعة الإنسانية أو ما يطلق عليها أحياناً ب"الغريزة" أشبه بالبركان الهامد الذي ينتظر أي فجوة ليثور منها ليزاح بذلك دور "المنطق" ويحل محله "الطبع" إنه أشبه "بالتعاقب الثانوي" الذي يحيط بها علماء الأحياء. ولعل ما سأورده في هذا المقال يثبت بأن "الطبع" يغلب ألف "منطق" في حياة أغلب دعاته. وهناك قصة جميلة في الأدب الهندي وفحواها: أن عقرباً أرادت أن تعبر النهر ولكنها لا تجيد السباحة فرأت ضفدعاً ينوي العبور فقالت له: احملني على ظهرك للضفة الأخرى وسأكون لك شاكرة. أجاب الضفدع: لكنك قد تلدغيني وأموت بسمّك. فردت العقرب: ولكن "المنطق" يقول إني لو لدغتك سنموت معاً في النهر، فارتاح الضفدع لكلامها وحملها على ظهره وفي منتصف النهر لدغت العقربُ الضفدع وشعر الضفدع بأن السم يسري في جسده فصاح في العقرب ألم تقولي إن "المنطق" يمنعك من اللدغ، فردت العقرب "نعم ولكن الطبع غلاب" وماتا معاً. هذه القصة وإن كانت رمزية لكن فحواها يدل أن للطبع غلبة على كل منطق. وفي حياتنا اليومية نجد الصراع يشتد بين الناس حول قضية ما فنجد أن الغالب يتبع "الطبع" لا ال"المنطق" فحينما تقول لأحدهم إن ليس من المنطق أن تقطع آلاف الأميال لأداء واجب العزاء وسيكفيك الاتصال، سيرد عليك "طبعاً" ولكن "سيشره عليك الناس". حينما يتحدث أحدهم "منطقياً" أن الإسلام لا يفرق بين البشر وفق ألوانهم وأعراقهم وما إلى ذلك ومن ثم حينما يتميز عليه أو يدير عمله شخص ليس من جلدته فهنا سيتحدث في مجلسه الخاص ب"الطبع" لا ب"المنطق" الديني. حينما تريد الحضور لفرح أحدهم فإن "المنطق" يقول إنه دعاك لتفرح معه وتشرفه بحضورك ولكن إن لم تدفع "الرفد" ف"الطبع" يقول إنك "طفيلي" تقتات على موائد الغير. حينما يتحدثون "منطقياً" أن إكرام الضيف أمر محمود ويأتي الضيف للمنزل ويتناول ما قُدم له ويغادر نجد "المُضيف" -غالباً- وقد لعن الضيف في ظهره لأنه أشغله عن أموره وفي المقابل نجد الضيف وقد تجرّد من "منطقه" ليلعن المضيف على سوء الضيافة. حينما نقول "منطقياً" إن مخرجات التعليم لابد أن تلامس واقع الحياة ولابد أن ننال ذلك بوجود أستاذ مميز في أدائه وفي شرحه نجد أن صاحب المنطق يتنفّس ب"الطبع" ليقول أين الملخصّات؟ يقول "المنطق" إن الغش أمر مذموم يضر بالكثير ولكن "الطبع" يملي عليك أنه أسهل طريقة للكسب، يقول لك "المنطق" إن النفاق يجعلك تلهث وراء السراب لإرضاء من لا يستحق أن تضيّع عمرك لأجله ولكن "الطبع" ينقض عليك سريعا ليذكرك بأن النفاق هو مجرد مجاملة طفيفة وإن قتلت فيك قيمك ومبادئك، تعلم وفق "المنطق" أن البعد عن الناس -أحياناً- يكون أفضل من مخالطتهم التي قد تلوّث عقلك وتسمم حياتك ولكن "الطبع" الذي يجري في عقولهم سيجعلهم يوصمونك بأنك "مريض نفسي أو متغطرس لا يعجبه شيء". أخيراً: لا تقس "المنطق" الذي يدعيه البعض في مجالسهم العامة وفيما يكتبون وفيما يروجون له وإنما تفقّدهم في خلواتهم وجلساتهم الخاصة، جرب "منطقهم" حينما تختلف معهم، حينما تتميز عنهم، حينما تبتعد عن شرهم، حينما لا تسير على هواهم وستعلم أيهما الأقوى "المنطق" أم "الطبع".