في موازين القوى وصراعات النفوذ؛ لا تقاس العظمة بمجرد تكديس الواجهات أو الركض خلف السراب الاستعماري، بل تقاس بالثبات على المبادئ وحفظ «حق الجيرة» الذي هو في أعراف العرب أقدس من المواثيق المكتوبة. واليوم، ونحن نرقب المشهد الجيوسياسي في منطقتنا، تبرز أمامنا مفارقة لغوية وسياسية عميقة تختزل المسافة بين نهجين متباينيين؛ المحظوظين والمحظورين. تبرز المملكة العربية السعودية اليوم كطرف «محظوظ» يقينا، ليس بمجرد الصدفة، بل ببركة النية وصدق التوجه وعمق الجذور. إن حظ المملكة نابع من كونها «قبلة المسلمين» وحصن العرب، والقائد الذي لم يبع يوما حلفاءه ولم يطعن جيرانه في الظهر. لقد سارت البلاد المباركة برؤية طموحة جعلت العالم يخطب ودها، فأصبحت محظوظة بوفاء شعبها، وحكمة قادتها، وريادتها التي لا ينازعها فيها إلا واهم أو ناكر للفضل. وعلى الضفة الأخرى، تتبدى حالة «المحظورين»؛ أولئك الذين استبدلوا بساط الأخوة بأشواك المنافسة غير الشريفة، واختاروا طريقا لا يشبه شيم الجار، فغدوا «محظورين» من المصداقية، ومحاصرين بتبعات أفعالهم التي تجاوزت حدود اللياقة السياسية إلى مربع «خيانة حق الجيرة». إن الحظر هنا ليس منعا ماديا، بل هو «حظر أخلاقي» يسقط عن المتجاوز عباءة الثقة؛ فعندما تتحول الأدوار من التكامل إلى محاولات التقويض الممنهجة للمصالح، فإن هذا «الجار» يضع نفسه -تلقائيا- في قائمة المحظورين وجدانيا وتاريخيا. لقد أدركت الرياض أن السيادة ليست «ترانزيت» أو صفقات تدار بعقلية الاستحواذ على حساب الآخرين، بل هي مسؤولية أخلاقية. ولذا؛ يرى العالم اليوم السعودية تنطلق نحو القمة ك«محظوظة» بوضوح هدفها، بينما يغرق الطرف الآخر في وحل مناوراته التي جعلته «محظورا» من التأثير الحقيقي في وجدان الشعوب. إن «خيانة الجار» هي الضريبة الأعلى التي يدفعها هؤلاء؛ فالتاريخ لا يرحم من يظن أن القوة تكمن في محاولة تطويق الشقيق الأكبر أو العبث بملفات أمنه القومي. المملكة اليوم تمضي ب«فيتو سيادي» يقطع الطريق على كل من تسول له نفسه استغلال الجيرة للطعن في الظهر. وفي نهاية المطاف، يبقى الجار الصدوق هو السند، أما من جعل «خيانة الجيرة» نهجا، فقد حظر نفسه بنفسه من مستقبل لن يكتب إلا بمداد وفاء النبلاء. * بصيرة: الحظ يرافق الصادقين، والحظر يطوق الذين أفسدوا في الأرض ما أصلحه المخلصون!