بالعودة للحديث عن مهرجان الرياض للمسرح والذي نظمته هيئة المسرح والفنون الأدائية بوزارة الثقافة آخر العام المنصرم، قال الرئيس التنفيذي للهيئة الأديب الدكتور محمد حسن علوان في حفل ختام المهرجان: إن المهرجان في دورته الثالثة لم يكن مجرد مناسبة عابرة بل كان مساحة حقيقية لالتقاء المبدعين، مضيفاً أن المهرجان تجلت فيه الأفكار في أبهى صورها وتحول الشغف إلى إنجاز يحتفى به. كما أكد في الكلمة أن المهرجان قدم تجارب مهمة وأعمالاً أثبتت أن التميز يولد من الجرأة على المألوف، أتفق مع الدكتور علوان حيث لمس المسرحيون في دورات المهرجان الثلاث ذلك، ورأوا أن مشاريع هيئة المسرح تسير في طريق تراكمي التحقق، وأن إستراتيجياتها تنتقل من حيزها الورقي إلى حيزها الواقعي، والمسرحيون رأوا حصاداً مهماً يضع لَبِنَةً كبيرة في بناء المسرح السعودي، فثبات المهرجان وموعده وضخه بكل هذه الأموال هو بحد ذاته مكسب عظيم للحراك المسرحي، ففي السابق كان وجود مهرجان مسرحي أمنية من أمنيات المسرحيين السعوديين الكبرى، وبلا شك أن الهيئة قامت بجهودها لتحقيق هذه الأمنية وفق الإطار التنظيمي بالطريقة اللائقة، والمسرحيون السعوديون المتنافسون في النسخ الثلاث للمهرجان قدموا ما لديهم كل حسب رؤيته الفنية وخبرته، وبما أن المهرجان سابقاً ولاحقاً فرصة للتنافس، فلابد أن يعي المسرحي بأن المستوى الفني منوط به، وبالتالي فإن القوة الفنية على مستوى العروض هي مسؤولية الفنان نفسه، والضعف أو التراجع إن وجدا هما أيضاً مسؤولية الفنان المسرحي نفسه، فأنا أرى أنه لم يعد مقبولاً في ظل وجود الدعم المالي والظروف الملائمة المهيأة أن تعيش بعض العروض في زمن مسرح التجريب والتغريب والمشاعر والأحاسيس المتوجعة، بل يتوجب علينا كمسرحيين أن نستثمر الظروف الممتازة لنصنع مسرحاً اجتماعياً من بيئتنا، يكون مدهشاً جاذباً للجمهور لا منفراً له، فالجمهور يخرج من العرض المسرحي الذي يستعرض فيه المخرج ومعه الممثلون وكافة العناصر الفنية عضلاتهم عليه ويشعر بتعالي الخشبة على الصالة !! فالمسرح ليس حلبة مصارعة لتنافس العضلات الفكرية والأدائية والفنية بل إنه مجال التنوير، لذلك أرى أنه بات لزاماً على كل مسرحي أن يعي ما يقول ويستوعب ما يطرح، ويدرك أن المسرح إذا لم ينبن على التنافس الاجتماعي الراقي والعطاء البيئي المحترم فقد قيمته وفقد نكهته وضاعت بوصلته، فمن ارتضى الدخول في لعبة المنافسة كان واجباً عليه قبول معايير التنافس وشروط لعبته، مازلت أقول إن المسرح يواجه صعوبة في الحضور المجتمعي الجماهيري، وهذا يحملنا كمسرحيين مسؤولية أن نصنع في ذاكرة الناس صورة مشرقة للمسرح الاجتماعي المنطلق من بيئتنا المحلية، وأن نبني لغة مشتركة مع الناس قوامها الود وديدنها الإبداع، حتى نمكن المسرح من الانتشار والتأثير اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، ويتوجب علينا كمسرحيين أن نستثمر الظروف الممتازة لنصنع واقعاً مسرحياً اجتماعياً مدهشاً يواكب المرحلة ويوازي الدعم.