استنادًا لاستطلاع أجراه موقع «لينكدإن» هذا العام، لوحظ أن 40 % من جيلي زد والألفية في أميركا مستعدون لخفض رواتبهم مقابل الحصول على مرونة أكبر في العمل، من خلال نظامي العمل عن بعد أو العمل الهجين، وهذه النسبة لم تصل إليها الأجيال السابقة لهم، ويظهر أن الشباب من هذين الجيلين يفكرون في تغيير قواعد العمل التقليدية مستقبلًا.. المملكة تتصدر الدول العربية والشرق أوسطية في العمل عن بعد، وتشغل المرتبة 44 عالمياً، ويأتي ذلك بفعل تطورها في مجال الأمن السيبراني، ولمتانة اقتصادها، ووجود بنية تحتية لديها تدعم هذا النمط من العمل، بجانب العمل الهجين الذي يجمع بينه وبين العمل الحضوري أو المكتبي، وكل ما سبق أحدث قفزة في نسبة الأعمال التي يمكن أدائؤها عن بعد، في القطاعين العام والخاص، كالبرمجة والتسوق الرقمي والتصميم والكتابة والتحرير، ومعها خدمة العملاء والتدريس والمحاسبة والترجمة، وبعض المهن الحرفية مثل تصميم الأزياء، والمنشآت السعودية التي يعمل موظفوها عن بعد، تجاوزت سبعة آلاف و430 منشأة في 2024، ووصل عدد العاملين السعوديين فيها الى 185 ألف شخص، ونسبة النساء من هذا الرقم حوالي 89 %، وبما يزيد على 140 ألفا و570 موظفة، وللعلم فالدولة بدأت الأخذ بنمط العمل عن بعد قبل أزمة كورونا، وتحديدا عندما أصدرت الأنظمة والتشريعات الخاصة به في 2014، وبالتالي فالمسألة ليست جديدة. إلا أنه ومع حضور رؤية المملكة في 2016، واستهدافها لتطوير سوق العمل، وتوظيف الكفاءات السعودية في القطاعات المختلفة، واهتمامها بزيادة الدعم الحكومي للتحول الرقمي، قامت وزارة الموارد البشرية بالتوظيف والتدريب وتوثيق العقود عن بعد، وأطلقت منصتي العمل عن بعد والعمل المرن، ومبادرة العمل عن بعد، وجعلت العلاقة التعاقدية للعامل عن بعد، مقيدة بأحكام نظام العمل، وبالقرارات الوزارية، وباللوائح الداخلية لكل منشأة، ويدخل في السابق التسجيل الإلزامي له في التأمينات الاجتماعية، وكلها ضمانات تضع العمل عن بعد ضمن أولويات القيادة السعودية، ومن الأمثلة، شركة الاتصالات السعودية، أس تي سي، التي تعتبر أول شركة في منطقة الشرق الأوسط تأخذ بأسلوب العمل عن بعد، بحسب مجلة فوربس الأميركية، وقد صنفتها المجلة نفسها، بين أفضل خمسين شركة رقمية على مستوى العالم، ويقدر اقتصاد العمل عن بعد، وفق أرقام العام الجاري، بقرابة 800 مليار دولار سنوياً. زيادة على ذلك، يوجد نموذج عمل عن بعد تشكل في السبعينات الميلادية، او اعتبارا من 1972، وبدأه مهندس اسمه جاك نيليس، وقد أخذ شكله المتعارف عليه في التسعينات الميلادية، بمعرفة ستيفن روبرتز، ويعمل به في 75 دولة، الا أنه لم يحضر في مشهد العمل السعودي، يسمونه الديجتال نوماد او الرحالة الرقميين او التقنيين، وهناك 40 مليون شخص حول العالم يعملون بهذه الطريقة، ومعظم الدول تمنحهم تأشيرة تحمل التسمية السابقة، ولكن منحها مشروط بحصولهم على عقد عمل عن بعد مع شركة لمدة عام، وبرواتب تتراوح ما بين سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف ريال، أو بما لا يقل عن ألفي دولار أو يورو. بالإضافة الى تأمين طبي من الدولة التي يقيم فيها الموظف، والرحالة الرقمي لا يستقر في مكان أو يرتبط بمكتب، وهو يتنقل بين الأماكن والدول، وكل ما يحتاجه لإنجاز أعماله جهاز كمبيوتر محمول، لابتوب، وانترنت سريع، والمتوقع وصول أعدادهم في 2035 الى أكثر من مليار رحالة، واستقطاب هؤلاء مفيد، لأنهم سيعملون على خدمة الاقتصاد المحلي للدولة المتواجدين فيها، من خلال مصروفاتهم المختلفة، ولن يكلفونها شيئاً. استنادًا لاستطلاع أجراه موقع "لينكدإن" في هذا العام، لوحظ أن 40 % من جيلي زد والألفية في أميركا مستعدون لخفض رواتبهم مقابل الحصول على مرونة أكبر في العمل، من خلال نظامي العمل عن بعد أو العمل الهجين، وهذه النسبة لم تصل إليها الأجيال السابقة لهم، ويظهر أن الشباب من جيلي زد والألفية يفكرون في تغيير قواعد العمل التقليدية مستقبلاً، أو ربما لا، فقد وجدت دراسة نشرها معهد ماساتشوستس للتقنية بالشراكة مع جامعة كاليفورنيا في 2023، إن العمل عن بعد يؤدي الى تراجع الإنتاجية بنسبة 18 % وان الموظفين ممن يعملون من منازلهم أقل إنتاجية من موظفي المكاتب، ما لم يحصلوا على تأهيل قبلها في بيئة العمل الأصلية ويتعرفوا على ثقافة الشركة، وان النسبة ستكون متقاربة بينهما اذا حدث ذلك. لفت نظري في فترة مضت، حاضنة أعمال تدعم التوظيف عن بعد في قطاع غزة، اسمها: طاقات، وتم تأسيسها في أبريل 2024، طبقا لما أوردته شبكة سي إن إن، قبل أشهر، لانه وبسبب ظروف الحرب المستمرة منذ اكتوبر 2023، وبحسب أرقام البنك الدولي، يوجد ثمانية من كل عشرة أشخاص في غزة بلا عمل، وقد وفرت لهم الحاضنة وبمساعدة شركة الاتصالات الفلسطينية وجهات دعم خارجية، 700 فرصة عمل عن بعد، في الداخل والخارج، وفي وظائف تراوحت ما بين البرمجة والهندسة والتصميم وغيرها، وأتصور ان رواتبهم تودع في بنوك خارجية، لأنها ممنوعة من الصرف في الأراضي المحتلة، والمؤمل ان تستثمر المملكة في الكفاءات الفلسطينية القابلة للاستثمار، والتي اختارت العمل عن بعد حفظا لكرامتها، وتجنباً لتسول المحتل في زمن الحرب.