يمرّ الطفل في سنواته الأولى بمرحلة حساسة تتشكل فيها مخاوفه وتتكوّن خبراته الأولى تجاه العالم الخارجي، ومن بين أكثر المواقف التي تُثير قلق الأطفال زيارة طبيب الأسنان، حيث يجد الطفل نفسه في بيئة جديدة مليئة بالأصوات والأدوات غير المألوفة، ما يجعله يشعر بعدم الأمان. ومن منظور اجتماعي وأسري، فإن فهم هذه المخاوف والتعامل معها بطريقة صحيحة يعدّ جزءًا مهمًا من دعم الطفل نفسيًا وانفعاليًا. يقول الأخصائي الاجتماعي أحمد البلوي عن طبيعة الخوف عند الأطفال يُعدّ الخوف لدى الطفل استجابة طبيعية لموقف لا يفهمه بالكامل. فالطفل يعتمد على ما يراه ويشعر به، وغالبًا ما يفسّر الأشياء الجديدة بناءً على مخيلته لا على الواقع وهنا يأتي دور الأسرة في توجيه إدراكه وتخفيف توتره قبل حدوث الموقف. وعن خوف الطفل من طبيب الأسنان قال من خلال العمل مع الأسر والأطفال، نلاحظ أن هذا الخوف غالبًا ينشأ من غياب التهيئة المسبقة تتمثل في دخول الطفل للعيادة دون معرفة ما سيحدث له أو تجربة سابقة غير مريحة كالألم أو أسلوب التعامل السابق تركت أثرًا يصعب على الطفل نسيانه. ايضاً انتقال الخوف من الوالدين والذي يظهر بوضوح عندما يلاحظ الطفل قلق أحدهما لافتاً أن ضعف قدرة الطفل على التعبير من خلال شعوره بالخوف لأنه لا يستطيع وصفه بالكلام. وتابع البلوي يعبّر الطفل عن الخوف بعدة طرق، مثل: البكاء والصراخ والتردد أو رفض دخول العيادة والالتصاق بالوالدين وزيادة الحركة أو الارتباك وتسارع ضربات القلب أو تعرق اليدين مؤكداً أن هذه السلوكيات ليست تمردًا، بل وسيلة للتعبير عن حاجته للأمان. وعن أثر الخوف على الطفل والأسرة قال إذا استمر الخوف دون احتواء، قد يؤدي إلى تجنب الطفل العلاج وما ينتج عنه من مشكلات صحية وشعور بالضعف أو فقدان السيطرة وتوتر الأسرة أثناء مواعيد العلاج وانتقال هذا الخوف لمواقف طبية أخرى. ولفت إلى دور الأسرة في دعم الطفل بقوله يحتاج الطفل إلى ثلاث رسائل أساسية: "أنا معك - أنت قادر - أنت بأمان"، ويمكن تحقيق ذلك من خلال التهيئة قبل الزيارة واحترام مشاعر الطفل والتعزيز الإيجابي والهدوء الأسري ونموذج الوالدين وأشار البلوي إلى دور الطبيب في احتواء الطفل وأن تعاونه مع الأسرة عامل مهم في نجاح التجربة عبرأساليب التهيئة مثل: قل - أرِ - افعل توضيح الأدوات بلغة بسيطة نبرة صوت هادئة إضافة إلى توظيف وسائل الإلهاء واختتم بقوله إن خوف الأطفال من طبيب الأسنان ليس مشكلة في الطفل، بل رسالة تقول: "أحتاج من يفهمني ويطمئنني". وعندما تتعاون الأسرة مع الطبيب وتُمنح للطفل مساحة آمنة للتعبير، تتحول التجربة من حالة خوف إلى فرصة لبناء الثقة والشجاعة. من جهة أخرى تحدثت المدير الطبي في (مجمع لطب الأسنان) الدكتورة سبا محمد ناجي عن الاستراتيجيات الفعالة لخفض الخوف وقالت تلعب الأسرة دورا محوريا في تهيئة الطفل قبل زيارة عيادة الأسنان؛ فبينما يمكن أن تكون تجربة إيجابية وممتعة قد تتحول - في غياب التهيئة الصحيحة - إلى مصدر خوف قد يستمر لسنوات. وفيما يلى مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي تساعد على طمأنة الطفل وإعداده للزيارة بطريقة صحية وسليمة: أولا: تعزيز الصورة الإيجابية لطبيب الأسنان مإذ أنه من المهم تعريف الطفل بأن طبيب الأسنان شخص يساعده في الحفاظ على ابتسامة جميلة وصحية، مما يجعله أكثر تقبلا للزيارة. ثانيا: استخدام لغة مشجعة وخالية من الكلمات المخيفة يُفضل تجنب كلمات مثل "ألم" أو "خوف" أو "إبرة". يمكن استبدالها بعبارات لطيفة مثل: "الطبيب سيقوم بفحص أسنانك والتأكد من أنها نظيفة وتلمع"، أو "سيعد أسنانك" كما يستحسن شرح غرفة الفحص والأدوات بأسلوب مبسط وودي. ثالثا: التهيئة باللعب في المنزل يمكن للوالدين لعب دور "طبيب الأسنان" باستخدام مرآة صغيرة لفحص أسنان الطفل مما يجعل التجربة مألوفة ويقلل من التوتر رابعاً: اختيار الوقت المناسب للزيارة وننصح بتحديد موعد يكون فيه الطفل مرتاحًا، وغير جائع أو متعب، مع تجنب أوقات النوم لان اختيار التوقيت الصحيح ينعكس مباشرة على تقبل الطفل للتجربة. خامساً: منح الطفل فرصة للتواصل مع الطبيب إذ أنه من المفيد السماح للطبيب أو المساعد بالتحدث مع الطفل وشرح الإجراءات بطريقة مدروسة تناسب عمره، إضافة إلى تشجيع الطفل على طرح الأسئلة والحصول على إجابات تطمئنه. سادساً: البدء المبكر بالزيارات ويفضل اصطحاب الطفل لأول زيارة بعد ظهور السن الأول أو قبل بلوغه عامه الثاني. فالزيارات المبكرة والمنتظمة تساهم في بناء الثقة وتجنب الخوف مستقبلا. سابعاً: زيارة تعريفية قبل الموعد الرسمي لأن الزيارة التعريفية للعيادة تساعد في تعريف الطفل بالمكان والأدوات والطاقم الطبي، مما يقلل من خوفه ويعزز شعوره بالأمان. وأضافت الدكتورة سبا يلعب طبيب الأسنان دورًا مهما في جعل زيارة الطفل تجربة مريحة وآمنة. ويُعد أسلوب التواصل أحد أهم العوامل التي تساعد في تخفيف مخاوف الأطفال. ومن أبرز الأساليب الفعّالة في إدارة سلوك الطفل: أولاً: تقنية "تحدث - أظهر - أفعل" (Tell - Show - Do): يقوم الطبيب بشرح الإجراء، ثم إظهار الأدوات المستخدمة، وبعدها تنفيذ الخطوة المطلوبة، باستخدام لغة بسيطة وعروض توضيحية مناسبة لعمر الطفل. فالمجهول عادة ما يكون مخيفا، ومعرفة الطفل لما سيحدث يقلل القلق بشكل كبير. ويمكن أيضا السماح للطفل بلمس بعض الأدوات للتعرف عليها. ثانيا: "اسأل - أخبر - اسال Ask - Tell - Ask "يسأل الطبيب الطفل عما يعرفه، ثم يشرح له ما سيحدث، وبعدها يسأله مرة أخرى للتأكد من فهمه وطمأنته مؤكدة أن هذه الأساليب تساعد في تعريف الطفل بالإجراءات بطريقة تدريجية ومناسبة لعمره، مما يساهم بفعالية في تقليل الخوف. ثالثاً: التعزيز الإيجابي مثل: استخدام عبارات الثناء أو تقديم مكافآت بسيطة لتشجيع السلوك الجيد وتعزيز التجربة الإيجابية رابعاُ: التشتيت الاعتماد على الوسائل السمعية والبصرية مثل الأجهزة اللوحية أو الهواتف الذكية أو الواقع الافتراضي، مما يساعد في تحويل انتباه الطفل عن الإجراء. خامساً: التحكم بالصوت: استخدام نبرة صوت هادئة وواثقة يجذب انتباه الطفل ويسهم في تهدئته والتحكم في ردود فعله. سادساً وأخيراً التواصل غير اللفظي من خلال توظيف الإيماءات وتعبيرات الوجه والتواصل البصري لطمأنة الطفل وبناء علاقة آمنة معه. الأخصائي الاجتماعي أحمد البلوي