منذ عام 2016، ومع تأسيس كلية الأمير محمد بن سلمان لريادة الأعمال، كان السؤال الذي يشغلني: من رائد الأعمال الحقيقي؟ ومع الوقت، أدركت أن رائد الأعمال هو الشخص الذي يرى الحاجة قبل الآخرين، ويبتكر فكرة قابلة للتطبيق، ويحوّلها إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية، ويتحمّل المخاطر بثبات وإصرار. هؤلاء هم الذين جعلوا الحياة أكثر سهولة وتطورًا، وغيّروا ملامح العالم بابتكاراتهم، دون انتظار وظيفة أو دعم جاهز، بل بصناعة الفرص من الصفر وتحويل الأفكار إلى واقع. ومع عملي في الصحافة المتخصصة بريادة الأعمال، بدأت أرى عن قرب كيف تبني المملكة منظومة متكاملة لتمكين المبدعين، من خلال جهود منشآت، وهيئة الملكية الفكرية، وحاضنات الأعمال، والبرامج التي ربطت رواد الأعمال السعوديين بالخبرات العالمية. هذه المنظومة لم تعد مجرد داعم للمشاريع الصغيرة، بل أصبحت مرحلة مفصلية لصناعة قادة المستقبل في قطاعات التقنية والاقتصاد والمعرفة. وتأتي القفزة الأخيرة التي حققتها الرياض في تقرير "منظومة الشركات الناشئة العالمية 2025" لتؤكد حجم هذا التحول؛ إذ تقدمت العاصمة 60 مركزًا خلال ثلاث سنوات ضمن قائمة أفضل 100 بيئة أعمال ناشئة صاعدة عالميًا، لتحل في المرتبة 23. هذا التقدم يعكس نمو المملكة في رأس المال الجريء، وتطور البنية التحتية الريادية، وارتفاع مستويات الابتكار في التقنيات الحديثة، إضافة إلى تعزيز البيئة التشريعية التي جعلت السوق السعودي جاذبًا للمستثمرين والمواهب. كما سجلت المملكة ثاني أعلى أداء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وثالث أعلى قيمة تمويل مقابل الأثر، الأمر الذي يعكس ثقة عالمية متزايدة بقدرتها على إنتاج شركات تنافس في الأسواق الدولية. وعند النظر في التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم، نجد أن المياه تأتي في مقدمة الضروريات، فيما كانت دول تتخوف من أزمات عابرة للحدود. وفي تلك اللحظة، كانت المملكة تتحرك بثبات، حتى تصدرت دول العالم في إنتاج المياه المحلاة بنسبة تقارب خمس الإنتاج العالمي، لتحافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة على ريادتها كأكبر منتج للمياه المحلاة. إنها رسالة واضحة بأن التنمية الحقيقية تبدأ من ضمان أساسيات الحياة. وفي ميدان التقنية، حيث تتسارع التحولات الرقمية، أصبح الأمن السيبراني ركيزة لا غنى عنها لاستمرار النمو الاقتصادي والاجتماعي. وقد أدركت المملكة هذا مبكرًا، فاستثمرت في تطوير قدراتها الوطنية حتى تصدرت العالم عامين متتاليين في مؤشرات الأمن السيبراني، مما عزز مكانتها كنموذج موثوق في بناء بيئة رقمية آمنة وفاعلة. لقد اعتاد العالم على خطط تبقى على الورق، لكن ما نعيشه اليوم مختلف، فهناك قائد يؤمن أن التنمية الحقيقية تُبنى بالإنسان، وأن التجربة مهما كانت محفوفة بالمخاطر هي الطريق لصناعة النجاح، قائد جعل من الفكرة شرارة للتغيير، ومن الشباب وقودًا للنمو، ومن المخاطرة الواعية سلوكًا اقتصاديًا صحّيًا. لقد مهد الأمير محمد بن سلمان الطريق لجيل جديد من المبادرين، جيل لا ينتظر الفرصة بل يصنعها. واليوم، تُكتب مرحلة جديدة في تاريخ المملكة، تُبنى فيها الرياض كمركز عالمي للابتكار، ويستعد فيها شباب الوطن ليكونوا من صناع التغيير في العالم. عبدالله القطان