للمقامات الشرقية والعربية سحرها الخاص والمحسوس، وأثر هذا الحس في تكوين وصياغة الوجدان العربي؛ بحسب ما أقرته علوم النفس والتلقي.. ولذا كان الاهتمام بجمع المقامات وتحليلها ورصدها في مشروع سعودي كبير عقد في الرياض في مؤتمر الموسيقى العربية، وأُطلقت فيه عملية توثيق التراث الموسيقي في العالم العربي، بهدف إنشاء مرجع موحد للمقامات والإيقاعات في منظومة رقمية.. في الأيام المنصرمة انعقد في العاصمة السعودية الرياض مؤتمر الموسيقى العربية، والذي أطلقت فيه عملية توثيق التراث الموسيقي في العالم العربي، بهدف إنشاء مرجع موحد للمقامات والإيقاعات في منظومة رقمية، ليمتد ويشمل المقامات الشرقية في إيران، وكما ورد في هذا المؤتمر أن الهدف منه تعزيز شمولية العمل، وإثراء المحتوى الموسيقي العربي والشرقي، وكما ورد في هذه التصريحات أن هذا المشروع يعتمد على منهجية بحثية تشمل التسجيل، التدوين، التحليل، والمسح الميداني، بهدف إنشاء قاعدة بيانات موثوقة للباحثين في العالم العربي. ومما لا شك فيه أن هذا جهد كبير تقوم به وزارة الثقافة بقيادة معالي وزير الثقافة سمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان لتحقيق رؤية ولي العهد -حفظه الله-.. كل هذا البذل لم يأتِ سوى من معرفة جمة بأهمية الموسيقى العربية وفنونها، وحفظها جراء طغيان العديد من المدخلات عليها ومحاولة تشويهها، برغم ما تحمله من أهمية قصوى في تشكيل الوجدان وصناعة الذهن والإدراك وتغذية الإحساس والمشاعر وهو صنع يهتم بصياغة الحس الشفيف وخاصة الفرد العربي منه، كيف لا وقد نشأت منشأ الإنسان نفسه. والاهتمام بالمقامات العربية التي تخاطب الحس العربي وتلمسه لمسا أمر في غاية الأهمية كما ذكرنا ذلك التأثير بها، وبها يشعر باللذة. يقول العلامة ابن خلدون، "سبب اللذة عند الغناء: أن اللذة هي إدراك ملائم -وهو المحسوس- إنما تدرك منه كيفيته، فإذا كانت مناسبة للمدرك وملائمة كانت اللذة، وإذا كانت منافية له متنافرة كانت مؤلمة"، وبطبيعة الحال كانت المقامات العربية والشرقية هي ما تناسب الإيقاع النفسي الداخلي للإنسان العربي نفسه لأنها جعلت منه مقاماتها. ذلك لأن الموسيقى نشأت مع الإنسان وأن أول من عزف الموسيقى هو لامك بن متوشائيل بن عيراد بن أخنوخ بن قاين بن آدم عليه السلام كما ذكر في تاريخ الموسيقى. وفي الأساطير المصرية والنقوش الآشورية القديمة يبدو لنا هذا الإرث الإنساني العظيم. وفي كتاب محيط الفنون يقول عن نشأة العود، إنه "دخل عبدالله خرداذبة على الخليفة المعتمد، وكان شغوفا بالطرب، فسأله الخليفة: أخبرني عن أول من اتخذ العود؟ قال ابن خرداذبة: قد قيل في ذلك يا أمير المؤمنين أقاويل كثيرة. أول من اتخذ العزف لامك بن متوشائيل، وذلك كان له ابن أخيه يحبه حبا شديدا، فمات، فعلقه بشجرة حتى بقي منه فخذه والساق والقدم والأصابع، فأخذ خشبا رفقه وألصقه، وجعل صدر العود كالفخذ، وعنقه كالساق، ورأسه كالقدم، والملاوي كالأصابع، والأوتار كالعروق، ثم ضرب وناح عليه فنقر العود". وفي أساطير مصر القديمة "كان توت، رب اليراع واللحن، حيث يبدأ الخلق بالتصفيق وبضحكات سبع ثم ضحكات ست، وعندما تسمع الأرض هذه الموسيقى واللحن والضحكات تزوم ثم تميد فيتفجر منها الماء، ثم تضحك الروح وتبكي إذ ترى رائعة الأنهار، حينها يصفر توت وينحني نحو الأرض ليخلق التنين مصدر المعرفة وعندما يرى توت التنين ينبس نبسة، فيخرج مخلوق شاكي السلاح، يلقي الرعب في قلب توت، فيرنو نحو الأرض ويترنم بلحن مؤلف من ثلاث نغمات".. كما ورد في كتاب محيط الفنون. وفي الأساطير الهندية -بكتاب الساندوجيا- أن فن الغناء والموسيقى "سامان" والسامان جوهر الوزن الشعري والمقامات والوزن الشعري هو جوهر الكلام، والكلام جوهر الإنسان. وإذا ما عدنا إلى الوجدان العربي، فسنجد تلك الأنغام الفطرية التي ينشدها الرعاة، حيث يتخذ الرعاة نوعا مما يصفر به.. فكانت أغنامهم إذا تفرقت صفروا فاجتمعت. وقد سبق الفرس في هذا النوع حيث كان الموالي من الفرس عند العرب يستخدمون الصنوج والعيدان، إلا أن حداء الإبل عند العرب كان قبل ذلك وهو نوع من الغناء المنغم. فقد كان مضر بن نزار بن معد سقط عن بعير في بعض أسفاره فانكسرت يده. فجعل يقول: يا يداه، يا يداه! وكان من أحسن الناس صوتا، فاستوقفت الإبل، وطاب لها السير. فاتخذه العرب حداء برجز الشعر، وجعلوا كلامه أول الحداء فمن قول الحادين: يا هاديا.. يا هاديا.. ويا يداه.. ويا يداه. وعن أول من غنى من العرب، فقد ذكر الإمام العالم جمال الدين محمد بن محمد بن نباته المصري في كتابه "مسرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون" أن النضر بن الحارث بن كلدة هو أول من غنى من العرب على العود بألحان الفرس وذلك حين وفد على كسرى بالحيرة، فتعلم ضرب العود والغناء، ثم قدم إلى مكة فعلم أهلها. ولقد كان فخر العرب وشرفهم هو شعرهم ودواوينهم التي تحتوي على أعلى فنون المقامات الشعرية والتي صاغها الخليل بن أحمد الفراهيدي في ستة عشر مقاما والتي لا يتسع المقال لشرحها، وإنما هي كما عرفتها المعاجم "نغمات تترتب بتراتيب مختلفة سواء قرنت بالكلام أم لم تقرن، وتسمى بأسماء مخصوصة وهي جمع مقام، وهو ما ركب من نغمات، وإن عدة هذه المقامات ثمانية عشر مقاما حسبما قرره هذا علماء هذا الفن، وهي مجموعة في قول (صنع بسحرك) أي أن الصاد هي الصبا، والنون نهاوند، والعين عجم، والباء بياتي، والسين سيكا، والحاء حجاز، والراء راست، والكاف كرد.. وهي تنقسم إلى أصول وفروع". ولهذه النغمات والمقامات الشرقية والعربية سحرها الخاص والمحسوس، وأثر هذا الحس -كما ذكرنا- في تكوين وصياغة الوجدان العربي بحسب ما أقرته علوم النفس والتلقي. ولذا كان الاهتمام بجمع المقامات وتحليلها ورصدها في هذا المشروع السعودي الكبير، والتي تضمنت التوصيات الصادرة في ختام المؤتمر "اعتماد منظومات رقمية حديثة تشمل: "مكتبات إلكترونية مفتوحة للمحتوى الموسيقي، منصات تعليمية تفاعلية تشرح المقامات والإيقاعات والآلات العربية، تطبيقات للهاتف المحمول تتيح الوصول إلى المحتوى المكتوب والسمعي والمرئي بجودة عالية، أرشيف موسيقي يجمع التسجيلات التاريخية المهددة بالاندثار".. فكل الشكر لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ولوزير الثقافة سمو الأمير بندر بن فرحان، على ما يبذلانه من جهد في رعاية الفنون والثقافة لرفع الوعي العام والوجدان الجمعي.