في العقود الأولى من القرن العشرين، ظهرت نظرية التأثير المباشر والتي تُعرف اليوم باسم (نظرية الرصاصة السحرية)، قالت هذه النظرية إن الوسيلة الإعلامية قادرة على اختراق وعي الجمهور مباشرة، وإن الرسالة تعمل كقذيفة تستقر في ذهن المتلقي فتؤثر في آرائه وسلوكه دون مقاومة. واستند الباحثون في هذا المجال إلى انتشار الدعاية الجماهيرية وتوسع الصحافة والسينما والإذاعة آنذاك، مما أعطى انطباعاً بأن الجمهور كتلة سلبية يسهل توجيههم والتلاعب بأفكارهم. ولكن في منتصف القرن العشرين، جاءت الأبحاث التجريبية لتنقض هذا التصور، فقد أظهرت دراسات بول لازارسفيلد وزملائه أن الجمهور ليس متلقياً سلبياً، وأن التأثير الإعلامي ضعيف لأنه يعمل غالباً عبر وسطاء اجتماعيين يطلق عليهم اسم (قادة الرأي). من هنا ظهرت نظرية التأثير المحدود ونموذج (تدفق المعلومات على مرحلتين)، وأكدت هذه النظرية أن الرسالة تنتقل أولاً إلى قادة الرأي ثم تنتشر من خلال الشبكات الاجتماعية الصغيرة، وأن تأثير الوسيلة مشروط بالعوامل النفسية والاجتماعية والثقافية للمتلقي، والتي تعمل على الحد من التأثير المباشر لوسائل الإعلام. ومع دخول العصر الرقمي، برزت ظاهرتان متعاكستان ظاهرياً، لكنهما تعملان في آن واحد داخل البيئة الإعلامية الجديدة، الظاهرة الأولى هي تعزيز نموذج (تدفق المعلومات على مرحلتين)، إذ بات (المؤثرون) في شبكات التواصل الاجتماعي يقومون بالدور ذاته الذي كان يؤديه (قادة الرأي) في الدراسات الكلاسيكية، فهم يتلقون الرسائل أولاً ثم يعيدون صياغتها وتفسيرها ونشرها إلى جمهورهم الخاص داخل الشبكات الاجتماعية، مما يعكس استمرار وظيفة الوسيط البشري وتأثيره. أما الظاهرة الثانية المعاكسة فهي (تدفق المعلومات بخطوة واحدة) من المرسل إلى المستخدم الفردي مباشرة عبر الخوارزميات، والتخصيص الفوري للمحتوى، حيث تصل الرسائل مصممة وفق بيانات المتلقي، وتصل إلى إدراكه بسرعة قبل المرور بأي وسطاء، هذا التدفق المباشر يعيد إلى السطح منطق (الرصاصة السحرية)، لكن بصيغة رقمية تعتمد على قوة المنصات وسرعة الانتشار. وهناك عدة أمثلة نلاحظها في البيئة الرقمية تعزز وجود هذه الظاهرة. المثال الأول هو الإعلانات السياسية الموجهة اعتماداً على التحليل الدقيق للبيانات السلوكية، ففي الحملات الانتخابية الحديثة تستطيع الجهات السياسية استهداف شرائح صغيرة جداً برسائل مصممة خصيصاً لها، بحيث تصل الرسالة مباشرة إلى المتلقي عبر خوارزميات المنصات دون المرور بقادة رأي أو نقاش عام. هذا الأسلوب ظهر بحدة، على سبيل المثال، في قضية كامبريدج اناليتيكا التي ظهر فيها استخدام برمجيات للاستهداف الفردي المباشر بغرض تعديل المواقف والقرارات الانتخابية. والمثال الثاني هو المحتوى الفيروسي الذي ينتشر بطريقة انفجارية ويحقق تأثيراً سريعاً قبل أن تتاح للجمهور فرصة للتحقق أو النقاش، مثل بعض الشائعات والأخبار الكاذبة التي تنتشر خلال دقائق على نطاق واسع بحيث تؤثر في الرأي العام مباشرة، فالانتشار الفيروسي يحوّل الرسالة إلى ما يشبه قذيفة رقمية تصيب الوعي الجمعي بصدمة معرفية قبل أن تتكون آليات مقاومة أو تدقيق. والمثال الثالث هو التأثير اللحظي في منصات البث المباشر، فالمحتوى الذي يظهر للمستخدم في منصات مثل تيك توك وسناب تشات وغيرها يعمل وفق آلية صادمة ومباشرة، تعتمد على الإيقاع السريع والتفاعل اللحظي. هذا النوع من المحتوى يعيد إنتاج منطق الرصاصة السحرية عبر تقديم رسائل قصيرة ذات تأثير نفسي سريع، تصل إلى المتلقي بحدة قبل ان تتاح له فرصة للتفكير أو المقارنة. هذه الأمثلة تكشف أن البيئة الرقمية قد أعادت إنتاج تأثير إعلامي مباشر يشبه مفهوم الرصاصة السحرية لكن بأدوات تكنولوجية جديدة. عودة نظرية الرصاصة السحرية