أثبت الرهان على السياسة السعودية نجاعته؛ سياسةٌ واقعيةٌ متزنةٌ تُحقق المكاسب لمن اختار الاصطفاف معها، وتفتح أبواب التعاون لكل من في المنطقة كي يضع يده بيد المملكة نحو النمو والنجاح، هذه المدرسة الدبلوماسية تتجلى في قدرة الرياض على إدارة مصالحها بثبات عبر مختلف الإدارات الأميركية، حيث حافظت على شراكةٍ استراتيجيةٍ تقوم على المصالح المشتركة، وتُوظَّف اليوم في مرحلةٍ جديدة لتعظيم عوائد التنمية ونقل المعرفة، مع إعلان العمل على زيادة فرص الشراكة الاقتصادية بين المملكة والولاياتالمتحدة لتبلغ تريليون دولار، يقود القطاع الخاص السعودي نصيبها الأكبر؛ بما يعود أثره المباشر على المواطن والاقتصاد الوطني. لقد جعلت رؤية 2030 من العلاقة مع الولاياتالمتحدة رافعةً لتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية، عبر استثماراتٍ نوعيةٍ في القطاعات الواعدة، وفي مقدمة هذه القطاعات يأتي الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي: شراكاتٌ تؤسس لمراكز بياناتٍ فائقة السعة من المملكة إلى العالم، وتطوير نماذج لغويةٍ كبرى باللغة العربية تخدم أكثر من 400 مليون عربي، وبرامج تدريبٍ مشتركةٍ تبني رأس المال البشري وتفتح آلاف الوظائف النوعية للشباب والشابات، وهكذا تُحوِّل الرياض علاقتها بواشنطن إلى قناةٍ منظمةٍ لنقل التقنية، لا إلى استيرادٍ استهلاكي، وتُحوِّل الاستثمار الخارجي إلى قيمةٍ مضافةٍ داخلية عبر التوطين والمعرفة. وفي الطاقة والتعدين، يدعم التعاون الثنائي الاستخدامات السلمية للطاقة النووية بما يخفض كلفة الطاقة على المدى الطويل، ويُنشئ مساراتٍ مهنية عالية التأهيل للمهندسين والفنيين السعوديين، كما يُكرِّس العمل المشترك لتأمين سلاسل الإمداد للمعادن الحرجة وصناعة المغانط الدائمة، كي يصبح التعدين ركناً ثالثاً للاقتصاد الوطني، وتنتقل المملكة من وفرة الموارد إلى تصنيعٍ ومعالجةٍ تضيف قيمةً وتفتح أسواقاً وفرصَ تصديرٍ جديدة. أما في النقل الجوي واللوجستيات، فتُسهم الاتفاقيات في توسيع الربط الدولي وتعزيز الشحن الجوي، دعماً لهدف المملكة في التحول إلى مركزٍ لوجستي يخدم الاقتصاد العالمي، هذا المسار يجذب شركاتٍ عالمية إلى السوق السعودي، ويحفز سلاسل خدماتٍ وصناعاتٍ مساندة، ما يعني وظائفَ أكثر، ومهاراتٍ أعلى، وتنافُسيةً أشمل للمدن والمناطق. ويتعزز ذلك كله بشراكاتٍ ماليةٍ وتنظيميةٍ تُعمِّق التكامل بين هيئات الأسواق وتُيسِّر التمويل للمشاريع المشتركة، وبالتعاون الأمني والدفاعي الذي يسرّع توطين الصناعات العسكرية ويُسهم في بلوغ مستهدف تصنيع 50 % من الاحتياجات محلياً؛ حمايةً للمنجزات وتحفيزاً للصناعات الوطنية ذات الأثر الاقتصادي الواسع. إن جوهر السياسة السعودية هو تحويل الشراكات الدولية إلى مكاسب ملموسة للمواطن: فرص عملٍ نوعية، ودعمٌ للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبيئةُ ابتكارٍ تُراكم المعرفة وتُنتج التقنية داخل المملكة، ومع الدور القيادي للقطاع الخاص في الاتفاقيات والبرامج، تتقدم السعودية إلى موقعٍ يستقطب الاستثمارات ويُعيد تدوير عوائدها في الداخل، فيرتفع إسهام القطاعات غير النفطية ويتحسّن مستوى جودة الحياة، وهي تدعو جيرانها وشركاءها في المنطقة إلى التعاون تحت مظلة المصالح المتبادلة، فمع المملكة، يصبح الاستثمار في المستقبل قراراً عملياً، وتتجسد الشراكة مع الولاياتالمتحدة في تنميةٍ مستدامةٍ ومعرفةٍ مُوطَّنة وصناعاتِ غدٍ تُصنع اليوم.