يشهد العالم تحولًا جوهريًا في مصادر القوة والتنمية؛ فبعد أن كان النفط المورد الأبرز في تشكيل اقتصادات القرن العشرين، أصبحت المعرفة اليوم هي نفط القرن الحادي والعشرين. فالدول التي تنتج المعرفة وتحوّلها إلى قيمة اقتصادية قادرة على المنافسة، هي التي تمتلك القدرة على الاستمرار والنمو والتأثير. وفي هذا السياق، تمضي المملكة العربية السعودية بثقة نحو بناء اقتصاد معرفي يقوم على الاستثمار في الإنسان وتوطين الخبرات وبناء القدرات المحلية القادرة على الابتكار وصناعة الحلول. لقد وضعت رؤية المملكة 2030 الإنسان في قلب التنمية بوصفه المورد الأهم والأكثر استدامة. وقد انعكس هذا التوجه في مؤشرات واضحة؛ إذ حقق الطلاب السعوديون 27 جائزة في معرض "ريجينيرون الدولي للعلوم والهندسة (ISEF 2024) "، من بينها 18 جائزة كبرى و9 جوائز خاصة، ما يعكس نضج قدرات وطنية قادرة على المنافسة في محافل عالمية. كما أعلنت المملكة إدراج مناهج الذكاء الاصطناعي والبرمجة في التعليم العام ابتداءً من العام الدراسي 2025/2026 ليستفيد منها أكثر من ستة ملايين طالب، في خطوة تؤسس لجيل قادر على قيادة اقتصاد المستقبل. وعلى مستوى الاقتصاد، تُظهر البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2023 أن الاقتصاد الرقمي يسهم بما نسبته 15.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تعكس عمق التحول الرقمي في المملكة واتساع أثره في سلاسل القيمة والإنتاج والخدمات. كما تستهدف المملكة رفع هذه النسبة إلى نحو 19% بحلول عام 2030 وفق السياسة الوطنية للاقتصاد الرقمي، في إطار التحول نحو اقتصاد يقوم على المهارات والتقنية وإنتاج المعرفة. وعلى الصعيد العالمي، تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن القطاعات كثيفة المعرفة تشكل ما يقارب 50% من الاقتصاد العالمي، مما يؤكد أن الدول التي تستثمر في العقول والابتكار هي الأكثر قدرة على بناء مستقبل مستدام. وفي القطاعات الصناعية والطاقة، سجل برنامج المحتوى المحلي اكتفاء (iktva) لدى أرامكو السعودية وصول المحتوى المحلي إلى 67% في 2024، مع مساهمة تراكمية تُقدَّر بنحو 240 مليار دولار للاقتصاد الوطني وخلق 200 ألف وظيفة منذ 2015، فضلاً عن تمكين أكثر من 350 منشأة تصنيع داخل المملكة. وهي دلالات على أن توطين المعرفة قائم ويتحول تدريجيًا إلى قدرة وطنية إنتاجية. إن توطين المعرفة ليس هدفًا رقميًا ولا إجراءً تنظيميًا، بل هو مشروع وطني لبناء القدرة الذاتية على الابتكار والإنتاج وتحويل التحديات إلى فرص. وحين تتعاضد المدرسة والجامعة والمؤسسة والقطاع الصناعي، تتشكل المنظومة التي تجعل من المعرفة نفط هذا القرن؛ نفطًا لا ينضب، يزداد قيمة كلما استُخدم، ويُسهم في بناء اقتصاد مستدام يمتد أثره عبر الأجيال. وحين نثق بقدرات الإنسان السعودي ونمنحه المسار والفرصة والدعم، فإنه لا يؤدي العمل فحسب، بل يعيد تشكيله ويضع عليه بصمة وطنية قادرة على المنافسة. المعرفة لا تُستورد، بل تُزرع... ثم تُثمر. وهذا هو رهان المملكة القادم: اقتصاد يقوده العقل، وتدعمه المعرفة، وتحميه الاستدامة. * مستشار الاتصال المؤسسي خبير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية. ayedhaa @x: