لا تزال مسألة «التفاهة» تُثير جدلًا واسعًا في المشهد الثقافي؛ لأنها تمسّ منطقة حسّاسة بين الذوق والقيمة، بين ما يُمتع الناس وما يُثريهم. ومع التحولات الكبرى في وسائل النشر والتعبير، لم تعد المسافة بين الكاتب والقارئ كما كانت، ولا المعيار الجمالي كما عهدناه. اليوم، كل شخص قادر على أن يكتب وينشر ويُصفّق له جمهورٌ واسع، لكنّ السؤال الأهم: هل يكفي وجود جمهور حتى لا يكون العمل تافهًا؟ يقول الدكتور عبدالله الغذّامي في لقاء «ثقافة التفاهة» الذي نظمته دار مضامين ضمن مبادرة الشريك الأدبي؛ إنّ «التفاهة ليست مفهومًا معرفيًا»، ويقترح استبدالها ب«الرداءة»، لأن الرداءة قابلة للقياس، بينما التفاهة حكمٌ انفعاليٌّ غائم. فكرةٌ تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُخفي إشكالًا عميقًا في جوهرها: فإذا لم يكن هناك ما يُسمّى بالتفاهة، فكيف نُفسّر اجتماع الناس على ما هو رديء؟ أهو تحوّل في الذائقة، أم سقوطٌ في المعيار؟ إنّ القول بأنّ كل ما يُمتع الناس يحمل قيمة ما، هو قولٌ محفوف بالمخاطر؛ لأنّه يُسقِط الفارق بين المتعة العابرة والمعنى الراسخ. فليس كل ما يُضحكنا أو يُسلّينا عملًا ذا قيمة، كما أنّ الإقبال الجماهيري لا يمنح الرداءة شرعية. فالفن ليس مرآةً للعدد، إنما اختبارٌ للعمق، والنجاح لا يُقاس بالانتشار وحده، وإنما بقدرة النص على البقاء بعد أن يزول ضجيجه. ولعلنا نرى اليوم أشكالًا عديدة من التفاهة تتزيّن برداء النجاح؛ من مقاطع بلا مضمون تُثير الضحك أو الجدل، إلى كتبٍ تُبنى على الصيت لا على النص، وكلها ظواهر تكشف كيف تحوّل التصفيق إلى مقياسٍ للمعنى. في المقابل، لا يمكن إنكار أن فهم ما يجذب الناس إلى الأعمال الجماهيرية أمر ضروري لفهم الذائقة العامة. لكنّ الفهم لا يعني التسليم، ولا يُغني عن النقد. فحين نُرجئ الحكم بحجة «تعدد الأذواق»، نفقد تدريجيًا شجاعتنا على تسمية الأشياء بأسمائها. التفاهة – في جوهرها – ليست نقصًا في الذوق فحسب، وإنما عرضٌ لخللٍ أعمق في الوعي الجمعي، حين يُستبدل الجمال بالشهرة، والمعرفة بالضجيج، والمعيار بالتصفيق. وهنا يبرز سؤالٌ آخر: من يملك الحق لأن يقول هذا العمل جيد أو رديء؟ هل هو الناقد الأكاديمي بمعاييره، أم القارئ الذي وجد فيه متعة، أم الزمن الذي سيختبر بقاءه؟ ربما تكمن قيمة هذا السؤال في أنه يعيدنا إلى جوهر العلاقة بين النقد والجمهور، فلكلٍّ دوره، غير أنّ الأزمة تبدأ حين يتخلّى كل طرف عن مسؤوليته: الناقد يلقي باللوم على الجمهور لتردي الذائقة، والجمهور يردّ بأن الناقد غائب لا يوجّهه ولا يُرشده. وبينهما تضيع «الخبرة الجمالية» التي لا تُبنى في فراغ، وإنما تتشكّل عبر حوارٍ مستمر بين المبدع والمتلقي والناقد والمؤسسة الثقافية معًا. فبناء الذائقة لا يتحقق بالمواعظ أو الإدانة، وإنما بالعرض المتدرج للنصوص الرفيعة، وبإتاحة النقد في فضاءٍ عام لا يحتكر الفهم ولا يُقصي الاختلاف. إنّ النقد لا ينبغي أن يكون سلطة تُشهِر السوط على الجمهور، ولا أن يتحوّل إلى مرآة تُصفّق لكل ما يعجب الناس، وإنما يصبح جسرًا بين القيمة والوعي. يبدو أن الغذّامي يسعى إلى تجريد النقد من سلطته التقليدية لصالح فهمٍ أكثر مرونة للذائقة، وهو مسعى نبيل من حيث المبدأ، لكنه يظل ناقصًا إن لم يتكئ على معيارٍ جماليٍ واضح يفرّق بين الإمتاع العابر والإبداع العميق. فالفهم لا يعفي من المسؤولية، والوعي بالتحوّل لا يعني تبريره. وفي هذا التوازن بين الفهم والحكم، بين المرونة والمعيار، يظلّ مستقبل النقد الثقافي مرهونًا بقدرته على ألاّ يكتفي بوصف المشهد، وإنما أن يسائل عمقه أيضًا. وفي نهاية المطاف، يبدو أن الدكتور عبدالله الغذّامي، وهو يحاول أن يمنح النقد مرونةً وفهمًا، قد تجاوز منطقة الفهم إلى منطقة التبرير. فإنكار وجود التفاهة لا يُلغيها، وإنما يمنحها غطاءً لغويًا جديدًا، ويُسقط عن الرداءة اسمها دون أن يُصلح جوهرها. وحين يتحوّل كل عملٍ يجد له جمهورًا إلى "نصٍّ ذي قيمة"، يصبح المعيار الجمالي بلا معنى، ويغدو الذوق الرديء مساويًا للذوق الرفيع في الحق بالتعبير عن نفسه. إن أخطر ما يمكن أن يفعله النقد، أن يتحوّل من سلطةٍ تُنقّي إلى خطابٍ يُبرّر، ومن ميزانٍ للجمال إلى مرآةٍ تعكس كل ما تراه الجماهير باسم الحرية وتعدّد الأذواق. فما الذي يتبقّى من الجمال حين يصبح التصفيق معيارًا؟