المسألة تحتاج لذكاء عاطفي يفهم فيه الشخص مشاعره وطريقة إدارتها والتخلص من سميتها، علاوة على استيعابه التام لمشاعر الآخرين وأسلوب التعامل معها، ومجموعة كبيرة من أصحاب الوظائف والمناصب الجيدة، لم يصلوا لمواقعهم بفضل عبقريتهم، وإنما لقدرتهم على إدارة علاقاتهم الاجتماعية، وتفهم مشاعر من حولهم.. توصل استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب الأميركية عام 2019 إلى أن ثلاثاً من الدول العربية تعتبر من بين الأكثر توتراً وحزناً في العالم، وتحديداً العراق بنسبة 51 %، ولبنان ب48 %، وتونس ب46 %، والاستطلاع شمل 145 دولة، وشارك فيه أكثر من 175 ألف شخص بالغ، والمشاعر السلبية لا تنحصر تأثيراتها على الأشخاص، ويمكن أن تنتقل إلى الشوارع، وبحسب مؤشر السلام العالمي فقد زادت أحداث الشغب والاضطرابات والإضرابات بنسبة 244 %، ما بين عامي 2012 و2022، وكشف تقرير عالمي صدر عن المشاعر في فترة سابقة إلى أن الضغوط والحزن والغضب ومعها القلق والآلام الجسدية تمثل معاناة يومية مستمرة للناس منذ 2006، وأنها تشير إلى ارتفاع في معدل التعاسة العالمي، ومن الشواهد وصول التظاهرات في 2020 إلى 150 ألف تظاهرة حول العالم، وارتفاع الاحتجاجات العالمية بنسبة 200 % في أقل من عشرة أعوام، وكلها أمور تلعب فيها المشاعر السلبية دوراً أساسياً. بالإضافة لما سبق، كشفت واحدة من الدراسات المتخصصة أن خمس دقائق من مشاعر الغضب قد تعطل الجهاز المناعي عند الإنسان لمدة تزيد على ست ساعات، ما يعني زيادة احتمال إصابة الأشخاص بالأمراض والالتهابات، بما فيها الإصابة بالسرطان، لأسباب انفعالية كالصدمة العاطفية، التي تؤثر على النوم العميق وإنتاج الميلاتونين في الجسم، وهو ضروري لمنع نمو الخلايا السرطانية، وأساسي في ضبط الجهاز المناعي، بجانب أن الضغط النفسي يربك عمل المناعة بسبب ارتفاع مستويات هرمون الاجهاد الكورتيزول. الذرات المكثفة التي تخرج من زفير الشخص الغاضب تحتوي على مواد سامة وخطيرة، لو تم جعها لمدة ساعة واحدة فإنها ستكون كافية لقتل 80 حيوانًا من حيوانات التجارب المعملية، وإحساس البغض أو الكره يرفع من إفراز هرمون الأدرينالين الذي يحدث تأثيرات سلبية، مثل: تسارع دقات القلب وارتفاع الضغط، وإضعاف المناعة، واضطرابات النوم، وزيادة الالتهابات، واستنزاف حيوية الجسم، وقد يؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان، وهو ما تم إثباته بالدليل العلمي، وأكده الأطباء في مستشفى مايو كلينك الأميركي، وأوضح الطبيب مايكل بيري، قبل اعتزاله وتحوله إلى أسطورة في وول ستريت، بأن فقدان القدرة على مسامحة من يستحق تمثل في حد ذاتها ظاهرة مرضية تؤثر سلباً على صحة صاحبها، وألحق به التوتر ومساهمته في تفاقم 80 % من الأمراض الخطيرة، وقال إن 70 % من زيارة المرضى للأطباء يكون التوتر سبباً فيها أو من بين أسبابها الرئيسة. في 2014 قامت دراسة مشتركة ما بين جامعتي كنتاكي وبريتش كولومبيا بمراجعة 300 بحث تناول علاقة التوتر بالصحة، وانتهت إلى أن التوتر المزمن والضغوط النفسية لمدة طويلة تدمران الجهاز المناعي، ما يجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات والأمراض، وأزيد عليها مشكلات المشاعر الاجتماعية، ومن الأمثلة: قيام الحكومة الدنماركية قبل ثلاثة أعوام بتعديل إجراءات الطلاق في الدنمارك، بعدما وجدت أن معدلاته لديها تعتبر من بين الأعلى في العالم، لأنها كانت تتم عن طريق موقع إلكتروني، وبالضغط على مجموعة من الأزرار، وبما يشبه خدمات أبشر السعودية، ولا يختلف في سهولته عن تفعيل عقوبات السندات التنفيذية في ناجز، وإذا تم الضغط يصبح الطلاق واقعاً وسارياً وقانونياً، والتعديل كان بالانتظار لمدة ثلاثة أشهر قبل قبول الطلب وتنفيذه، وخلالها يخضع الزوجان لجلسات تأهيل واستشارات أسرية، وبما يكفل إعادة الوفاق إلى العائلة مجدداً إن أمكن. الشيء الآخر هو وجود ولايات كثيرة في أميركا تطبق ما يعرف بقانون الهدوء النفسي لشراء السلاح، والمعنى أن الشخص إذا أراد شراء سلاح فإنه ملزم بالانتظار لمدة ثلاثة أيام قبل استلامه، والإجراء السابق جاء لخفض معدلات القتل والعنف التي كانت تحدث بفعل سهولة الحصول على الأسلحة، ولأن الأشخاص وقت شرائه يكونون في حالة انفعال وغضب غالباً، والانتظار قد يفيد في تهدئة النفوس ووقوع جرائم أقل. ما قيل لا يعني بالتأكيد عدم التنفيس، أو ممارسة التفريغ النفسي الانفعالي، لمن نثق برجاحة عقولهم، وبأحكامهم المحايدة في مشكلات العمل والعائلة، فقد أكدت دراسة نشرتها كلية هارفارد للصحة في 2022، أن مخاطر الوفاة المبكرة ترتفع بنسبة 37 % عند الأشخاص الذين لا يحاولون التعبير عن مشاعرهم، وأن 47 % ممن يفشلون في التعبير عنها يموتون في العادة بسبب أمراض القلب، وربما عانوا من أمراض سيكوسوماتية أو نفسجسمانية بالعربية، والمسألة تحتاج لذكاء عاطفي يفهم فيه الشخص مشاعره وطريقة إدارتها والتخلص من سميتها، علاوة على استيعابه التام لمشاعر الآخرين وأسلوب التعامل معها، ومجموعة كبيرة من أصحاب الوظائف والمناصب الجيدة، لم يصلوا لمواقعهم بفضل عبقريتهم، وإنما لقدرتهم على إدارة علاقاتهم الاجتماعية، وتفهم مشاعر من حولهم، ويؤكد المختصون أن أفضل معيار للتنبؤ بإمكانية حصول شخص على منصب قيادي لا يكون بمؤهلاته وقدراته وإنما بمستواه في الذكاء العاطفي.