السعودية تنضم إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي GPAI    موائدُ المملكةِ تمتدُّ إلى مسجدِ الاستقلال وتجمعُ 3500 صائمٍ    ملعب الموطف بالداير… أكثر من نصف قرن من التاريخ يحتضن بطولة الحزم الرمضانية بحضور يتجاوز 20 ألف متفرج    إنزاغي يستبعد رباعي الهلال الأجنبي من مواجهة الاتحاد    ضبط 19101 مخالف لأنظمة الإقامة والعمل في مناطق المملكة    ولي العهد يهنئ رئيسة وزراء اليابان بمناسبة إعادة انتخابها    وصول الطائرة الإغاثية السعودية ال81 لإغاثة الشعب الفلسطيني في غزة    يوم التأسيس.. قصة وطن انطلقت ملامحه الأولى من الدرعية    رئيس وزراء باكستان: مستعدون للعمل مع ترامب حول خطة غزة    صيام مرضى القلب يحكمه استقرار الحالة الصحية من شخص لآخر    الطقس وتأثيره على النفس: لماذا يشتد اكتئاب الشتاء في هذا التوقيت؟        بين عبق التاريخ وألفة الحضور.. "المجديرة" بصبيا تُدشن مركازها الرمضاني الأول    سمو أمير منطقة القصيم: يوم التأسيس محطة تاريخية نستحضر فيها أمجاد الوطن وجذور وحدته الراسخة    مُحافظ وادي الدواسر يهنئ القيادة بمناسبة يوم التأسيس    سمو نائب أمير منطقة القصيم : يوم التأسيس نقطة تحول محورية في مسيرة الوطن، ويرسخ قيم الوحدة والفخر بالهوية الوطنية    القيادة القطرية تهنئ خادم الحرمين الشريفين بمناسبة ذكرى يوم التأسيس    الحملة الوطنية للعمل الخيري تتجاوز 646 مليون ريال في يومها الأول    ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية في ختام التعاملات ببورصة "وول ستريت"    ترمب يفرض رسومًا شاملة جديدة    رياح نشطة مثيرة للأتربة على معظم مناطق المملكة    الصيام آمن لمرضى الروماتويد مع الالتزام بالعلاج    ذكريات من الصفة    رئاسة الشؤون الدينية تعزز رسالتها الإيمانية والعلمية والتوجيهية في الحرمين الشريفين    معالي رئيس الشؤون الدينية وأئمة وخطباء المسجد النبوي في استقبال سمو ولي العهد لدى زيارته المسجد النبوي الشريف    نائب أمير تبوك يرفع الشكر للقيادة على الدعم السخي للحملة الوطنية للعمل الخيري في نسختها السادسة    أمير منطقة جازان يزور سوق الأولين الرمضاني    القادسية يتخطى الأخدود برباعية في دوري روشن للمحترفين    المملكة توزّع (2,000) سلة غذائية في غانا    «ناسا» تحدد 6 مارس المقبل كأقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر    يوم التأسيس... ثلاثة قرون من الأمان المتواصل    أمير الرياض يكرّم الفائزين في المسابقة المحلية على جائزة الملك سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره في دورتها ال 27    رمضان يعيد تشكيل المشهد الترفيهي في المملكة    تقني سراة عبيدة يطلق مبادرة تدوير الفريون مستهدفًا 300 مستفيد    التعاون يسقط أمام الفيحاء بثلاثية    كينونيس يزاحم بقوة على صدارة هدافي دوري روشن    خادم الحرمين وولي العهد يتبرعان بمبلغ 70 مليون ريال للحملة الوطنية للعمل الخيري    أمير الرياض يستقبل مدير فرع وزارة الموارد البشرية بالمنطقة    الصحة تؤكد سلامة أدوية الستاتين    جامعة أمِّ القرى تنظِّم برنامجًا ثقافيًّا احتفاءً بيوم التَّأسيس    محافظ الطائف يستقبل مدير الدفاع المدني ويطّلع على خطة شهر رمضان    اختتام مشروع "بصيرة" لعمليات المياه البيضاء بدعم مؤسسة فهد بن عبدالله العويضيه الخيرية    افتتاح فرع مركز «شمعة التوحد» في القطيف    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم"    خطيب المسجد النبوي: رمضان شهر القبول والسعود، هذا شهر العتق والجود    خطيب المسجد الحرام: الصيام شُرع ليتحلى المؤمن بالتقوى    ولي العهد يزور المسجد النبوي    بأمر الملك.. وزير الدفاع يقلد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبدالعزيز    ولي العهد يجتمع بالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في الرياض    رسميًا.. تحديد موعد مواجهتي الأهلي والدحيل بدور ال16 بأبطال آسيا للنخبة    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم" لدعم مسيرة الاحتضان    الجبير: السعودية ستقدم مليار دولار لتخفيف معاناة الفلسطينيين    صرف أكثر من 3 مليارات ريال معونة شهر رمضان لمستفيدي الضمان الاجتماعي    إصابة ثلاثة فلسطينيين بجروح خطيرة.. ألغام الاحتلال تقتل طفلين في الأغوار    طهران تتمسك بشروطها في جنيف.. واشنطن تؤكد منع إيران من السلاح النووي    وسط تباعد المواقف.. تعثر محادثات جنيف بين موسكو وكييف    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



‫ «يا دارة دوري فينا»
نشر في الرياض يوم 17 - 07 - 2025

تخرج الدائرة عن محيط كينونتها كشكل هندسي إلى أبعد من ذلك، ويُحسن الأطفال باختيارهم للدائرة عندما تبدأ مراحلهم الفنية تتجه نحو الاستعداد لتكوين مدركاتهم الشكلية الرمزية والتي تصبح في المرحلة التالية هي هويتهم الفنية الموسومة بها أعمالهم.
المتأمل في الدائرة يدرك بأنه بالرغم من كونها شكلا ثنائي الأبعاد لا يمتلك حجما؛ لكونها لا تمتد للبعد الثالث، إلا أنها تفوق غيرها ببعدها الرابع، هو بعدها الفلسفي الوجودي والأخلاقي.
الدائرة رمزية العدالة والمساواة الاجتماعية حيث تعرف الدائرة بأنها مجموعة من النقاط التي تقع على بعد ثابت ومتساوي من نقطة معينة في المنتصف تسمى «المركز»، وبهذا فكل نقطة تتمتع بنفس القدرة والصلاحية، بل وبالحق ذاته في الوصول والتواصل مع المركز، فأي نقطتين على دائرة تكون المسافة من كل منهما إلى المركز متساوية. إنها ديموقراطية الدائرة، ومن هنا جاء وصف الاجتماع على طاولة مستديرة بأنه ديمقراطي، ولاينطوي على المركزية أو أحادية الرأي.
النقاط جميعها على الدائرة لها حرية متساوية في الحركة والتنقل المنتظم، فالنقطة العلوية ممكن أن تتحول إلى سفلية والعكس، ومن هنا كانت الدائرة رمزية لتقلب الأحوال وتبدلها فيقال: دوائر الدهر، دارت عليه الدنيا، دارت الأيام، ومن أسماء السنة «الدايرة» بمعنى الحول. وتأتي الدائرة بهذه الصفة أيضاً كمثال لتبدد اليأس وصحوة الأمل واليقين بالعوض.
محيط الدائرة والذي يُكوِّن الدائرة أصلاً، هو خط منحنٍ متحور عن خط مستقيم، وبهذا تكون الدائرة صوت لقبول الآخر والتعايش، فالدائرة لا تقصي أحداً من نقاطها بل تحتوية بفرص متساوية. بل وكلما اتسع المحيط ازدادت إمكانية التعايش والاحتواء. هذا الانحناء والاحتواء جعل من الدائرة هي الشكل المؤنث الوحيد، إلى جانب رفيقتها النقطة والتي هي الأصل في بداية خلق كل شيء حتى الزمان والمكان، فلكل منهما نقطة انطلاق ونقطة نهاية تعلن بولادة نقطة انطلاق أخرى، رحم خصب يتوالد معه الخلق والتشكيل.
وهذا يسحبنا بلطف إجباراً إلى قيمة الأمومة فالدائرة تحمل فكرة الأمومة في تفاصيلها، هي أم ليست بوظيفة بيولوجية أو ثقافية اجتماعية، بل هي اعمق من ذلك لفهم أخلاقي لمعاني الرعاية والاحتواء والارتباط الوجودي، فعلى الدائرة كل نقطة ترتبط بها، وغياب أي نقطة هو فقد وجودي قد يكلف هذه الدائرة حياتها، الدائرة تحمل مسؤولية الأمومة تجاه كل نقطة.
الدائرة ليس لها إلا وجه واحد، كرمزية للشفافية والوضوح واكتمالا للرعاية والاحتواء، وجه الدائرة يشبه وجه الأم والذي على نهج الفرنسي «إيمانويل ليفيناس -1906-1995» يستدعي حضور وجه الأم بصفة خالصة كاملة كنوع من الاستجابة الأخلاقية، وكذلك هو الوجه الأوحد للدائرة وجه خالص كامل موجهه. وعلى خلاف كل الأشكال عندما تتحول الدائرة للتجسيم تفقد هذا الوجه كليا، لتتحول إلى كرة، الكرة تشبه الأرض والتي هي أم كذلك.
في المعادلات الرياضية عندما تصبح الدائرة أما، تتغير صورتها الذاتية، وتعيد صياغة هويتها بشكل جوهري اعمق، عند حساب «القوس» أو «القطر» أو»نصف القطر» فبالرغم من ارتباطهما الوجودي بالدائرة بمعنى لاوجود لهم بدونها إلا أن الدائرة هنا وكأنما تتوسع لتسفر عن ذوات أخرى تبدو وكأنها مستقلة عنها، وبهذا لا تتنكر الدائرة لذاتها بقدر ما تدخل في جوهر أعمق من خلال الاعتراف بذوات آخرية.
هناك علاقات آخرية من نوع آخر في مضمار الدائرة، قد تتسم أيضاً بحق حرية الاختيار مقابل المسؤولية، يمثلها «الوتر» في الدائرة فهو قطعة مستقيمة تصل بين أي نقطتين اختياريتين على الدائرة قد لا تمر بالمركز، «الوتر» في الدائرة هو نداء لعلاقات آخرية لا محدودة وغير مقيدة بالمركز، وكلما ابتعدت زادت قيمتها على الأقل الرياضية. أما «القطر» فهو «وتر» يجمع بين نقطتين بقطعة مستقيمة تمر عبر المركز وتصل بين تلك النقطتين على الدائرة. كذلك الحال في «نصف القطر» والذي يحدد علاقات آخرية بين نقطة المركز وكل نقطة على محيط الدائرة، وبذلك تجمع الدائرة بين المركزية واللامركزية بحرية مسؤولة.
من يرسم الدائرة يدرك بأنه أمام شكل مستمر لا بداية له ولا نهاية، وهنا يأتي التأملات الوجودية باستحالة العدمية والعبث، بل أن هناك خط ممتد للاتناهٍ، مما قد يبدد فكرة الخوف من الموت والفناء.
في الدائرة تحكي القوالب العقلية، التي تحدث عنها الألماني « إيمانويل كانط- 1724-1804) فالزمان والمكان كأدوات ذهنية فطرية منظمة للخبرات المحسوسة لتحولها إلى معرفة، وجعل إدراك التغيير مقبولا، تجد هذه القوالب العقلية مساحتها في الدائرة، فكلما زاد القرب من المركز قل المكان والزمان تبعا له، كما يحدث في دوران الكواكب في المجرات، أو الطواف حول الكعبة.
استخدام الفنان الروسي» كاندنسكي- 1866-1944" للدائرة دون غيرها لدراسة القيمة اللونية، وكأنما كان يحاكي فكرة أن القيم بمجملها يجب أن تنبع من المركز الذي يمثل الأصالة وأن تطبّق على الجميع (نقاط الدائرة) بعدالة، وكلما قربت القيم من المركز أصبحت ذات وهوية، وكلما بعدت أخذت سمة الانتشار والعالمية والآخرية، والجدير بذكره هو أنه رغم شهرة هذه اللوحة ل»كاندنسكي»، ودورها في سيرته الفنية، إلا أنها لم تكن لوحة بذاتها، بل كانت تجارب لدراسة الألوان بجانب بعضها وانسجامها وتنافرها وقيمها المختلفة للتحضير للوحاته القادمة.
من جانب آخر تشير الدائرة إلى معاودة الخبرات والتجارب، وتُتهم أحيانا برمزيتها على الروتين والملل، فيقال:»كسر دائرة الروتين»، وقد تعاطى هذا المفهوم فيلسوف العبثية «ألبير كامو-1913-1960» في أسطورة «سيزيف» حيث يستمر يدفع الصخرة إلى أعلى الجبل لتتدحرج وتعود ليعود لنفس العمل مجدداً بشكل دائم وإلى الأبد بلا نهاية، هذا الفعل يجسد الدائرة وكأنما هي رمزًا لعبثية الروتين. ومن هنا جاء دور عقارب الساعة في رسم حدود الزمكان والتي تسير وفق نظام دائري دقيق ومنتظم حتى وإن كانت الساعة مربعة أو مستطيلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.