في كتاب "وهم الحقيقة" يأخذنا ليان ستيوارت وجاك كوهين عالما الأحياء البريطانيان في رحلة إلى العقل الباحث عن المعرفة، يؤكد المؤلفان في كتابهما على قصور النهج الاختزالي في فهم العقل والوعي والواقع، وهو النهج الذي يفسر الظواهر عبر بيان عناصرها ومكوناتها وكيفية تلاؤمها وظيفياً وبنيوياً، وينتصران لنهج سياقي بيئي يضع في اعتباره السياق الثقافي واللغوي الذي لم يكن للعقل والوعي أن يتطورا من دونه. من خلال هذا المنظور يحكي المؤلفان قصة التطور البشري، ويؤكدان على أثر الطبيعة المعقدة للدماغ عبر إدراكنا للواقع، وأثر الثقافة البشرية في تكوين العقل نفسه، كما يناقشان مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على مجاراة الإدراك البشري. ويكشف كتاب وهم الحقيقة أن العقول والثقافة تطورا معاً وعلى نحو مشترك داخل سياق بيئي واسع و"إن عقولنا تطورت لزوماً في إطار حلقة لا انفصام لها تربطها بالثقافة واللغة. والعقل ليس مجرد استجابة من المخ الذي نعرفه في صورته المتطورة، ويحاول التعامل مع بيئة مركبة، بل هو عملية تطور مشتركة وهذا ما يجعلنا نسأل: هل الكون من حولنا صورة من نسج خيالنا، أم أن عقولنا صور من الواقع ومطابقة له؟" وتظل الحيرة التي تنتابنا: كيف ولماذا تطور ذكاء الإنسان وثقافته؟ كيف نشأ وتطور عند الإنسان العقل والفلسفة والثقافة؟ والإجابة عن هذه الأسئلة تحاول سبر أغوار المخ لتكشف حقيقة مبادئه وسر تكوينه، والتحليل الحيوي الكيميائي للمادة التي يتكون منها المخ، واكتشاف تطور الخلايا العصبية التي تعمل كسارات وطرقاً لنقل المعلومات الحسية، وتنظيمها في شبكات معقدة نسميها- المخ - ويبدو العقل وكأنه خاصية مميزة لمخ غير عادي؛ معقد بدرجة تؤهله لاستحداث وتطوير الثقافة. وينظر إلى العقل كأنه كيان مستقل مفارق للمادة العادية. وأن كل خطوة نخطوها على مسار التطور تتأثر بكل ما هو محيط بالإنسان والكائن الحي بشكل عام، وتمتد عقولنا بجذورها إلى المادة العادية، إنها عمليات مركبة - أو لنقل عمليات من مركبات عدة - تجري داخل المخ المادي ويرتبط المخ من خلال جزيئاته ارتباطاً وثيقاً بالحقيقة الواقعة، ولكنه مرتبط كله بهذه الحقيقة الواقعة على مستوى آخر، ألا وهو قدرة المخ على أن يصوغ داخله نموذجاً لها ولكن من المتوقع غداً أن تصبح التكوينات المتعددة الثقافات أشبه بالكائنات العضوية المتعددة الخلايا، والتي يكون الذكاء الجمعي الخارجي فيها ذكاء متخصصاً بشأن الأنسجة المختلفة في بنية الحيوان المركب.