ليس يوم التأسيس مجرد ذكرى نستعيدها، وليس مجرد مناسبة نحتفل بها ثم تمضي كما تمضي بقية الأيام، وإنما هو علامة مضيئة ومحطة مهمة يجب أن نتوقف عندها ونستلهم منها الدروس والعبر التي تفيدنا في الحاضر وتنتفع بها الأجيال القادمة في المستقبل. لعل من أهمّ المعاني التي يجب أن يستحضرها ويفكّر فيها كل فرد ينتمي إلى هذا الوطن أن مملكتنا الحبيبة ليست حادثة في الزمن بل هي مملكة عريقة لها تاريخ مشرق وماض مشرّف، فقد تأسست المملكة منذ ثلاث مائة سنة على يد الملك محمد بن سعود -رحمه الله-، وظلت قائمة تواجه الصعوبات وتجتاز المحن إلى أن وحّد الملك عبد العزيز بن سعود -طيب الله ثراه- أرجاءها وجمع بين قبائلها وبنى أركان دولتها، فتحقق بذلك الاستقرار، وبدأت الدولة في النمو والتطور إلى أن بلغت ما نعيشه اليوم من ازدهار وتقدم أصبحنا نباهي به بين البلدان، ولم يكن كل هذا ليحدث لولا ما تحلى به ملوكنا من محبة لهذا الوطن وحكمة في تسييره وإدارة شؤونه. ومن معاني الاحتفال بيوم التأسيس أيضاً أنه يشعرنا بوحدتنا الوطنية الصمّاء، فأبناء المملكة ملتفون حول قيادتهم التاريخية لا يمكن أن يفرّق بينهم مفرّق، لأنهم يدركون تمام الإدراك أن قوتهم تكمن في وحدتهم وفي ولائهم لحكامهم وقادتهم، وما داموا متمسكين بذلك فلا خوف عليهم من الانقسامات والفتن، ولذلك فإن من فضائل الاحتفال بيوم التأسيس ترسيخ هذه القيمة والمحافظة على هذه اللحمة. ومن المعاني العميقة التي نستلهمها من الاحتفال بيوم التأسيس الاعتزاز بماضينا والتعلق بقيمنا، وقد علمنا التاريخ أن الشعوب التي تفرط في قيمها وتتنكر لماضيها لا حاضر لها ولا مستقبل، لأن مثل الإنسان كمثل الشجرة، كلّما كانت جذورها وعروقها ضاربة في أعماق الأرض كلما ازدادت طولاً وارتفاعاً، وعلى العكس من ذلك تقتلع الرياح تلك الأشجار التي لا عمق لها ولا امتداد في باطن الأرض، فما أشبهنا نحن أبناء المملكة بالأشجار الباسقة جذورها في الثرى وفروعها ممتدة في السماء، وما أيام دولتنا منذ تأسيسها إلى ملحمة توحيدها إلى أطوار ازدهارها إلاّ الجذور التي تشدنا إلى هذا الوطن وتعلّمنا مبادئ الوفاء له. وممّا يجب علينا أن نستحضره عند احتفالنا بيوم التأسيس شعورنا بالفخر والاعتزاز بالانتماء إلى هذا الوطن، وإدراكنا لواجباتنا نحوه، من واجب حمايته والدفاع عنه إلى واجب المساهمة في ازدهاره وتقدمه بالعمل وبذل قصارى الجهد لخدمته والمحافظة على مقدراته ورفع اسمه عالياً بين البلدان والأمم، وهذا يفرض علينا أن نتشبّع بمشاعر الوطنية الصادقة وأن نعمل على تجسيدها في أرض الواقع كلّ من جهته وبحسب الدور الذي يقوم به، الفلاح في مزرعته، والعامل في مصنعه والمعلم في مدرسته، والتاجر في محلّه، وكلّ صاحب عمل في عمله، ومتى التزم كلّ منا بهذا المبدأ وحرص على القيام بواجبه على أحسن وجه، كان ذلك سبباً قوياً لتحقيق النهوض والتطور والتقدم. ولا يخفى من كلّ هذا أن المقصد الأوّل من الاحتفال بالأيام المجيدة في تاريخ دولتنا هو إنعاش القيم السامية والمشاعر النبيلة التي من شأنها أن ترسّخ فينا ما يجمعنا ويوحّدنا ويزيد من تعلقنا بالوطن ويحفّزنا على مزيد العطاء والبذل من أجمل المحافظة على مكتسباتنا وتطويرها، فتاريخنا الذي نفتخر به لا يشدنا إلى الماضي بقدر ما يدفعنا نحو المستقبل. وكلّ هذا يؤكّد دون شك أن رؤية خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الملهم الأمير محمد بن سلمان في تخصيص يوم للاحتفال بيوم التأسيس كانت رؤية حكيمة وثاقبة لأنّها أدركت أن الاحتفال بهذا اليوم سيحيي في القلوب ويرسخ في الأذهان القيم النبيلة التي تمثل الأساس المتين لبناء الفرد والمجتمع والدولة. * باحثة في الرواية والسينما