يؤكد مؤرخون أن المدينةالمنورة والمسجد النبوي الشريف لم يغيبا عن قلب قادة البلاد منذ التأسيس حتى اليوم، فحين كانت الأوضاع الأمنية مضطربة قبل أن يبسط الحكم السعودي عباءة الخير والأمن والأمان كانت الطرق إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم محفوفة بالصعوبات والمخاطر والنهب والسلب، وربما لا يعود الناسك والزائر إلى بلده مرة أخرى، وفي الدولة السعودية الأولى كانت أولى الاهتمامات بتأمين قوافل الحجيج والزوار، والذكرى المجيدة والخالدة على مر التاريخ كان بطلها الأول الإمام محمد بن سعود –رحمه الله- والمتتبع لها يقلب صفحات دونتها الكتب وتناقلتها الأجيال، تجلت مظاهرها على امتداد الجزيرة العربية طولاً وعرضاً، حيث ترسخت قواعد وطن عظيم يفاخر به أبناؤه جيلاً بعد جيل، لم ينجح خلالها الأعداء في خلخلة النسيج الاجتماعي رغم الظروف العصيبة والقاسية والمتتابعة بصورها وأشكالها المتعددة التي شهدتها المنطقة والعالم برمته. خدمة الإسلام وعودة لطيبة الطيبة ولمسجدها المبارك وللأرض المباركة التي ضمت أطيب ثرى لخاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه، عاصمة الإسلام الأولى ومنطلق الفتوحات، ومنارة الهدى للعالمين، لم تغب عن قلب القادة العظماء لبلادنا المباركة، فقد شهدت طيبة الطيبة عام 1807م زيارة الإمام سعود بن عبدالعزيز –رحمه الله- بعد أدائه فريضة الحج وإقامته فيها أياماً يتفقد الأحوال ويطمئن على الأهالي، ثم إنه عاود الزيارة مرة أخرى في العام الذي يليه، وهو ما يؤكد أن دار الهجرة النبوية حاضرة في وجدان القيادة المباركة منذ التأسيس الأول، وما خص الله به هذه الأسرة المباركة من عقيدة راسخة وإيمان عميق وحب متبادل بينها وبين الشعب الوفي، هذا الإرث التاريخي كبير أسسه الإمام محمد بن سعود –رحمه الله– في دولة مترامية الأطراف رسمت سجلاً حافلاً للاهتمام بالمدينتين المقدستين وبقية مناطق المملكة مروًرا بحكم الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود –رحمه الله– في الدولة السعودية الثانية، حتى قيض الله سبحانه وتعالى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- عام 1902م لتأسيس الدولة السعودية الثالثة وتوحيدها باسم المملكة العربية السعودية، ليسير أبناؤه الملوك من بعده على نهجه في تعزيز بناء هذه الدولة ووحدتها حتى العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز –حفظه الله-، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز –حفظه الله- حيث تحظى المدينةالمنورة والمسجد النبوي الشريف بعناية واهتمام خاص، تتجلى أولى الاهتمامات بإتمام التوسعة الكبرى ورفع الطاقة الاستيعابية وإطلاق المشروعات المصاحبة التي تصب جميعها في خدمة الإسلام والمسلمين من شتى أرجاء العالم، وكذلك خدمة أهالي طيبة الطيبة وزوارها، وهو النهج الحكيم الرشيد الذي قامت عليه الدولة المباركة. تطوير وتجديد ويسجل التاريخ بمداد العناية والاهتمام قبل 100 عام الزيارة الأولى للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود –طيب الله ثراه- إلى المدينةالمنورة في شعبان عام 1345ه للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلام على النبي الخاتم، ثم النظر في شؤون الحرم، حيث لاحظ تصدعات في بعض العقود الشمالية، وتفتت بعض حجارة الأعمدة، فأصدر أمره -رحمه الله- ببدء الإصلاح والترميم، فأجريت إصلاحات في أرضيته وأروقته وبعض الأعمدة بالأروقة الشرقية والغربية، والتشققات التي ظهرت في دهان الحجرة النبوية الشريفة، وبعد وفاة المؤسس –رحمه الله- واصل أبناؤه البررة من بعده مسيرة التطوير والتجديد، فتسلم زمام الحكم الملك سعود -رحمه الله- وكان كثير الاهتمام بأمر التوسعة، حيث تم في عهده إكمال بنائها على شكل متقن، وفي عهد الملك فيصل -رحمه الله-، أمر بتوسعة أخرى من الجهة الغربية، واشتريت العقارات والدور والمساكن التي احتيج إليها، وظللت بمظلات مقببة قوية مؤقتة بمساحة تزيد على أربعين ألفاً وخمسمئة متر مربع، وجهزت بجميع اللوازم حتى صارت مهيأة للصلاة، وجرت في عهد الملك خالد -رحمه الله-، توسعة جديدة حينما وقع حريق في المنطقة الواقعة في الجنوب الغربي من المسجد الشريف فأزيلت المنطقة، وتم تعويض أصحاب العقارات، وضمت الأرض إلى الساحات وظللت مساحات شاسعة على غرار المظلات السابقة، وبذلك صارت المساحة الكلية بعد التوسعة السعودية الأولى 16327 مترًا مربعًا، وعند زيارة الملك فهد -رحمه الله- في شهر المحرم عام 1403ه، شعر أن الحرم الشريف لا يتسع لكل المصلين والزوار، وأن المظلات المقامة لم تعد كافية، فوجه بوضع دراسة لتوسعته توسعة كبرى، تستوعب أكبر عدد ممكن من المصلين، فامتدت التوسعة من جهة الغرب حتى شارع المناخة، ومن الشرق إلى شارع أبي ذر بمحاذاة البقيع، وامتدت إلى الشمال أيضاً، وتواصلت التوسعات السعودية إذ شهدت المدينة في عهد الملك عبدالله -رحمه الله- توسعة كبرى لرفع طاقته الاستيعابية لتصل إلى مليوني مصلٍ مع نهاية أعمال المشروع. مشروعات ضخمة وفّرت سُبل الراحة للحجاج والزوار بمنظومة عمل متكاملة عهد ميمون وفي العهد الميمون كانت أولى تأكيدات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- على أهمية المسيرة والحرص على متابعة العمل في مشروعات التوسعة الكبرى بالحرمين الشريفين، التي تصبّ جميعها في خدمة الإسلام والمسلمين من شتى أرجاء العالم، لا سيما حجاج بيت الله الحرام، وزوار مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوفير كل السبل لخدمة الحجاج والمعتمرين والزوار، بمنظومة عمل متكاملة وتنسيق مباشر بين مختلف الجهات ذات العلاقة، لتحقيق التوجيهات الكريمة على أرض الواقع، خدمة للمسلمين، وعناية ورعاية للمقدسات الإسلامية ومن ذلك مشروع تبليط الساحات الغربية للحرم الشريف للاستفادة من المساحات المتاحة والتخفيف والتيسير على المصلين والزوار في أوقات الذروة، وتخفيف وطأة الازدحام خلال موسم رمضان والعيدين، وهو عبارة عن صبة خرسانية مطبعة تتكون من مصليات وممرات وتقدر مساحة المشروع بقرابة مئة ألف متر مربع تضم مصليات تتسع إلى قرابة مئة ألف مصل، كما تمت الموافقة على تنفيذ المشاريع التطويرية والتحديث التشغيلي والفني لنظام الصوت وأنظمة التيار الخفيف والأنظمة الكهروميكانيكية بالمسجد النبوي الشريف ومرافقه، وذلك وفق أحدث التقنيات المتوافرة عالمياً، كما تبرز الرؤية الطموحة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان –حفظه الله– مدى العناية والاهتمام بالمدينةالمنورة والتي تهدف إلى العناية بالحرم الشريف والمشروعات التي تخدمه، إضافةً إلى مسجد قباء والمساجد التاريخية، وتحسين كل الخدمات وتذليل جميع الصعاب، ليجد الحاج والمعتمر والزائر كل السبل المعينة على تأديته لعبادته. معايير عالمية وأعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في الرابع والعشرين من شهر أغسطس 2022م إطلاق أعمال البنية التحتية والمخطط العام لمشروع "رؤى المدينة"، في المنطقة الواقعة شرق المسجد النبوي الشريف، الذي تطوره وتنفذه شركة رؤى المدينة القابضة، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، التي تعنى بالتطوير العقاري في المدينةالمنورة، حيث يأتي المشروع تفعيلاً لجهود الصندوق الهادفة لتطوير القطاعات الواعدة تماشياً مع رؤية المملكة، وأكد سمو ولي العهد أن المشروع يتماشى مع مستهدفات الرؤية في رفع الطاقة الاستيعابية لتيسير استضافة 30 مليون معتمر بحلول عام 2030 وسيتم تنفيذه على أعلى المعايير العالمية، ما يعكس حرص المملكة على الارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن بالمدينةالمنورة بوصفها وجهة إسلامية وثقافية عصرية، كما أشار سمو ولي العهد إلى أن المشروع سيقام على مساحة إجمالية تقدر ب1.5 مليون متر مربع، حيث يستهدف إنشاء 47 ألف وحدة ضيافة بحلول عام 2030، إضافةً إلى الساحات المفتوحة والمناطق الخضراء التي تيسر وصول الزوار إلى المسجد النبوي الشريف، وسيتم تخصيص 63 % كمناطق مفتوحة ومساحات خضراء من مساحة المشروع. طراز عمراني وتحظى المساجد التاريخية في المدينةالمنورة باهتمام كبير من الأمير محمد بن سلمان –حفظه الله- وفي مقدمتها مسجد قباء بالمدينةالمنورة الذي يشهد أكبر توسعة تاريخية وأعلن عن إطلاقها سمو ولي العهد تزامناً مع زيارته للمدينة المنورة، وصلاته في مسجد قباء يوم السابع من شهر رمضان المبارك لعام 1443ه، حيث وجه -أيده الله- بتسمية المشروع باسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، المشروع المبارك عند اكتماله سيضاعف مساحة المسجد عشرة أضعاف بهدف استيعاب أكبر عدد من المصلين في أوقات المواسم والذروات، كما أنه يبرز الأهمية الدينية ويوثق الخصائص التاريخية لمركز قباء، ويحافظ على الطراز العمراني والمعماري الفريد، حيث يعد مسجد قباء أول مسجد في الإسلام أسسه الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختطه بيده عندما وصل إلى المدينةالمنورة مُهاجرًا إليها من مكةالمكرمة، وشارك في وضع أحجاره الأولى ثم أكمله الصحابة -رضوان الله عليهم-، وكان الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم يقصد مسجد قباء بين الحين والآخر ليُصلي فيه، ويختار أيام السبت غالبًا ويحض على زيارته، ووردت في فضل المسجد والصلاة فيه العديد من الأحاديث النبوية الشريفة، ومنها "من تطهّر في بيته وأتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة فله أجر عمرة". أكبر توسعة وتعاهد المسلمون مسجد قباء منذ تأسيسه بالرعاية والاهتمام نظرًا لمكانته، فهو من أكبر مساجد المدينةالمنورة بعد الحرم النبوي الشريف، وتُقام فيه جميع الصلوات، وصلاة الجمعة والعيدين، ويُعد مقصدًا لزوار وسكان المدينةالمنورة، لفضل الصلاة فيه، وقد جدد المسجد تاريخياً وحظي باهتمام كبير في العهد السعودي الزاهر، ففي عام 1388ه رمم وجددت جدرانه الخارجية وزيد فيه من الجهة الشمالية، وفي عام 1405ه أمر الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- بإعادة بنائه ومضاعفة مساحته عدة أضعاف مع المحافظة على معالمه التراثية بدقة، فهدم المبنى القديم وضمت قطع من الأراضي المجاورة من جهاته الأربع إلى المبنى الجديد، وامتدت التوسعة وأعيد بناؤه بالتصميم القديم نفسه، وجعل له أربع مآذن عوضاً عن مئذنته الوحيدة القديمة، كل مئذنة في جهة وبارتفاع 47 متراً، وبُني المسجد على شكل رواق جنوبي وآخر شمالي تفصل بينهما ساحة مكشوفة، ويتصل الرواقان شرقاً وغرباً برواقين طويلين، ويتألف سطحه من مجموعة من القباب المتصلة منها ست قباب كبيرة، قطر كل منها 12 متراً، و56 قبة صغيرة قطر كل منها 6 أمتار، وتستند القباب إلى أقواس تقف على أعمدة ضخمة داخل كل رواق، وكُسيّت أرض المسجد وساحته بالرخام العاكس للحرارة، وظُللت الساحة بمظلة آلية صنع قماشها من الألياف الزجاجية تُطوى وتُنشر حسب الحاجة، وبلغت مساحة المصلى وحده 5035 متراً مربعاً، وبلغت المساحة التي يشغلها مبنى المسجد مع مرافق الخدمة التابعة له 13500 متر مربع، في حين كانت مساحته قبل هذه التوسعة 1600 متر مربع فقط، كما ألحق بالمسجد مكتبة ومنطقة تسويق لخدمة الزائرين، أمّا العهد الميمون لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، فكان عهداً استثنائياً سجلت فيه أكبر توسعة في تاريخ مسجد قباء، وتطوير المنطقة المُحيطة به، بواقع 10 أضعاف مساحته الحالية، وبطاقة استيعابية تصل إلى 66 ألف مصل. ولي العهد مصلياً في مسجد قباء وزافاً البشرى بالتوسعة الكبرى حفاظ على الهوية التاريخية للمسجد النبوي مسجد قباء وجد كل الرعاية والاهتمام نظرًا لمكانته