خلال تجمع انتخابي تم تنظيمه مؤخرا بولاية ساوث كارولينا، بدا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وكأنه يدعو روسيا بقيادة فلاديمير بوتين إلى غزو أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا تلتزم بتحقيق الهدف الذي حدده الحلف بتخصيص 2 % من الناتج المحلي الإجمالي للانفاق الدفاعي. وقال المحلل السياسي البريطاني البروفيسور أندور دورمان المتخصص في شؤون الأمن الدولي في تقرير نشره معهد تشاتام هاوس «المعهد الملكي للشؤون الدولية» البريطاني، إنه بينما بدت تصريحات ترمب مقبولة بين الذين حضروا التجمع الانتخابي الذين يؤيدون شعار «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، فإنها قوبلت بإدانة فورية على جانبي المحيط الأطلسي. ووصف متحدث باسم البيت الأبيض التصريحات بأنها «مروعة وغير متزنة». كما رد الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرج بعبارات غير دبلوماسية قائلا «أي اقتراح بأن الحلفاء لن يدافعوا عن بعضهم البعض يقوض أمننا جميعا، بما في ذلك أمن الولاياتالمتحدة ويعرض الجنود الأمريكيين والأوروبيين لخطر متزايد». وقال دورمان الحاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة برمنجهام البريطانية وسبق له التدريس فيها، إنه على مستوى ما، يمكن ببساطة وصف تصريحات ترمب بأنها خطاب خلال حملته الانتخابية. ولا تعد الوعود التي يتم قطعها خلال الحملات الانتخابية بالضرورة التزامات، وعادة ما يتراجع معظم السياسيين عن تلك الالتزامات بمجرد انتخابهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن ترمب ليس سياسيا تقليديا وهذا ليس تصريحا منعزلا. ويرى دورمان أن أنصار ترمب يرون أن أوروبا جعلت، إلى حد ما، الولاياتالمتحدة تتحمل تكلفة الأمن الأوروبي خلال وبعد انتهاء الحرب الباردة. ويرون أيضا أن تهديداته السابقة أثناء توليه منصب الرئاسة ساهمت في زيادة جهود الدفاع في أوروبا. وقد كان ترمب محقا في وجهة نظره. وخلال معظم فترة ولايته الرئاسية، كان ترمب يلتزم بالاعتدال بفضل من كانوا يسمون ب»كبار الغرفة» ومن بينهم مستشارو الأمن القومي المتعددون ووزراء الخارجية والدفاع. ولا يبدو أنه سيكون هناك وجود لمثل هذا التأثير المعتدل في إدارته الثانية، ويهدف مشروع 2025 لمؤسسة التراث «هيريتدج فاونديشن»، وهي مؤسسة فكرية أمريكية محافظة، إلى تمكين ترمب من تنفيذ المزيد من أهداف سياسته منذ اليوم الأول. وعلى الرغم من أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا يزال أمامها ثمانية أشهر، والنتيجة بعيدة عن أن تكون حتمية، مرر الكونجرس الأمريكي قانونا لضمان عدم قدرة أي رئيس أمريكي على سحب الولاياتالمتحدة من حلف الناتو بدون موافقة أعضاء الكونجرس. ومع ذلك فإن هذا لن يكون كافيا. وقال دورمان إن المادة الخامسة من معاهدة الناتو ليست ضمانا صلبا. وإنما هي ضمان بأن أي هجوم على أي دولة من أعضاء الناتو يعني أن دول الناتو الأخرى ستدرس ما إذا كانت سترد على الهجوم. وكرئيس، يمكن أن يختار ترمب ببساطة عدم الرد وسيصبح الكونجرس عاجزا بدرجة كبيرة. إلا أن خطاب ترمب يقوض أيضا المادة الخامسة لأن هذا البند يفترض أن يكون له تأثير ردع للأعداء المحتملين. ويقوض ترامب هذا الردع وربما يشجع روسيا (وآخرين) على التحرك بأي طريقة يرونها مناسبة. وقد قام ستولتنبرج بدور مهم، ولكن تم التقليل من أهميته، في إدارة علاقة ترمب بالناتو خلال فترة توليه رئاسة الولاياتالمتحدة. وكان رده الفوري على هذه التصريحات الأخيرة من شخص يتمتع بخبرة التعامل مع ترمب والأخطار المحتملة التي يأتي بها. وتساءل دورمان عما إذا كان قد حان الوقت لأن تتحمل أوروبا مسؤولية الدفاع عن نفسها، قائلا إن خطاب ترمب يستغل الطبقات الانعزالية/ القومية الأمريكية الأوسع والتي ستظل قائمة حتى إذا تم منع ترمب من خوض انتخابات الرئاسة في نوفمبر المقبل أو حال خسارته. وربما تكون إدارة الرئيس جو بايدن قد فعلت الكثير لاستعادة العلاقات الأمريكية الأوروبية داخل الناتو وقيادة الرد على غزو روسيا غير القانوني لأوكرانيا. ومع ذلك سيظل التركيز الرئيسي للولايات المتحدة منصبا على الصين. ومع تحول الحجم النسبي للاقتصاد العالمي من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، سيتراجع حتما التزام الولاياتالمتحدة تجاه أوروبا. وفي هذا الصدد، تعد تصريحات ترمب مجرد نداء إيقاظ لقادة أوروبا وخاصة أولئك القادة في برلينولندن وباريس. لقد قطعت أوروبا شوطا طويلا وسالت دماء كثيرة للغاية لكي تتحول القارة من أعنف مكان في العالم إلى المكان الأكثر هدوءا وسلاما. أما مسألة ما إذا كانت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا مستعدة للعمل معا فإنها أمر آخر، لكن التاريخ يخبرنا أنه من النادر أن تتوافق العواصم الثلاثة معا، إلا أن هذا ربما يكون ضرورة ملحة لا يمكن تجنبها. واختتم دورمان تقريره بالقول إن الخيار الأسهل سيكون ببساطة تجاهل أو مجرد إدانة خطاب ترمب والقيام بأقل مجهود لكي تستمر الولاياتالمتحدة في دفع ثمن الدفاع عن أوروبا. وسيكون الخيار الأكثر شجاعة والأكثر مسؤولية هو التأكيد على الحاجة إلى بناء قدرات دفاع أوروبية وضمان قدرة أوروبا بمفردها على ردع روسيا، على الأقل على المدى المتوسط. وإذا لم يتمكن دونالد ترامب من توحيد قادة أوروبا من أجل الدفاع عن أوروبا، فإن الأمل سيكون ضئيلا حقا.