على مستوى الطرح الإعلامي، الكثيف جدّاً هذا الأيام بعد أن تعدّدت المنابر، وتباينت المآثر تظلّ القوالب اللغوية «النخبوية» في منشئها مادة جاهزة ومعلّبة للتداول الإعلامي على اختلاف أطيافه ومريديه والفاعلين فيه كلٌّ في شأنه.. والحقيقة المربكة جدّاً في كل هذا هو ندرة الوعي بنوعية الإيحاء الذي تحمله هذه القوالب وسياقاتها، بحيث تتحوّل بمجازاتها واستعاراتها إلى دلالات خاصة تتوارى خلف المعنى المباشر لها.. وبالتالي يظل تناولها أو إقحامها في سياق الحضور الإعلامي محاطًا بالحذر.. إذ لابدّ من أن يتكئ المتحدث أو الكاتب إلى الأبعاد التاريخية لقالبٍ ما أو حتى مفردة ما.. فالمعجم اللغوي العربي يتنامى كل يومٍ بفضل المجاز الذي لا يزال يجاهد ويناضل في مواجهة موجات التعريب أو حتى نقل المصلحات الحضارية كما هي.. أعود إلى شعبويّة القوالب النخبوية على يد الإعلاميين وأنفتح على كوارث لغوية في أكثر من حضور.. لاسيما في المجال الرياضي وانزلاق أو حتى صعود كثيرين فيه إلى لغة لا يدركونها.. ثم يتداولونها بمعزل عن سياقها التاريخي ودلالاتها الخاصة، فيقعون بذلك في سقطاتٍ لغوية لاتزال تعجّ بها مواقع التواصل الاجتماعي بين حينٍ وآخر.. والحقيقة أن اللغة الإعلامية المعاصرة.. قرّبت كثيراً من القوالب اللغوية «المعلّبة» منذ عصور بعيدة بغرض التميّز أو محاولة التفرّد بالحضور من خلال لغة متجذّرة في التاريخ من جهة ومرآة بشكل أو بآخر للإعلامي الذي يقرأ جيدًا ويستدعي من مخزونه المعرفي ما يحتاجه في حالة الحضور ثم يتناص معه تمثّلا أو استدعاءً ، وإذا كان ظاهر الأمر هكذا محفّزاً ومبشّراً بلغة إعلامية واعية ومنظّمة.. فإن الخلل فيه يعكس وجهًا آخر قبيحاً لهذه المحاولة نتيجة قصور الإعلامي عن الإحاطة بما استدعاه تاريخيّاً أو دلاليّاً ووقوعه في سقطاتٍ لغويّة تظلّ مثارًا للتندّر والاستهجان.. في المقابل لا أعرف لماذ نتكلّف اللغة ونحن أقل منها في كل حضورٍ إعلاميّ لنا.. وهي سمة بارزة على الأقل على مستوى المفردات، وربما لهذا العجز لجأ كثير من الإعلاميين أحيانًا إلى اللغة المحكية في حضورهم الإعلامي.. حدّ كتابة «المحكي» في العناوين مما يعدّ خرقًا صريحًا وواضحًا لآخر حضور للفصحى بيننا وأعني به «تفصيح المكتوب»، لكنه في المقابل أخفّ وطأة من تكلّف لغة لا ندركها فتأخذنا إلى قول ما لا نفهم..!