يبقى إعلام الأزمات في أي مجتمع شمولي أو ديمقراطي انعكاساً لتوجهات ومواقف النظام السياسي، فلا يوجد إعلام للحكومة وآخر لوسائل الإعلام، بل هناك أيديولوجية واحدة تحدد الخط العام للتعامل مع الأزمة، والالتزام بمسؤولية التعبير عنها، وهذا الانحياز يثبت أنه لا يوجد إعلام محايد في أي مكان من العالم، حيث يكون الإعلام أداة في الصراع، وعاملاً مهماً في التأثير النفسي على الجماهير، وتهيئتهم عاطفياً وفكرياً للتجاوب مع الحكومة طيلة مراحل الأزمة. وهذه الحقائق المثبتة علمياً ومهنياً لا تقلل من قيمة الإعلام كونه منحازاً لطرف على آخر، ولكن بالدليل، ومهنية الالتزام الأخلاقي والمهني للمحتوى، وقبل ذلك كله يدرك الإعلام أن الجمهور واعٍ ونشط، ولديه من القدرة والرؤية ما يجعله يفرز التفاصيل، ويتعرّف على الحقيقة من مصادر متعددة. نحن في الإعلام لدينا نظرية "الشخص الثالث"، وتقول باختصار إن من بين قادة الرأي والنُخب من هو مدرك لما تنشره وسائل الإعلام، ولكنه يخشى على غيره من الجماهير أن لا يدركوا ما هو منشور، ويتأثرون به. برنامج ما وراء الخبر على قناة الجزيرة كان يحلل تواجد قاسم سليماني على الحدود العراقية السورية، وبجانبه ميليشيات فاطمية شيعية، وكان الهدف ليس في شخص إرهابي تسوّق له قناة محسوبة على حكومة تدعم الإرهاب، وليس جديداً ظهور سليماني، ولكن توقيت الاحتفاء به هذه المرة بعد أزمة قطر، ومحاولة تقديمه على أنه يمثّل وحكومته تهديداً لدول الخليج وليس قطر، وفي اليوم الذي يليه حلّل ذات البرنامج موافقة البرلمان المصري على ترسيم الحدود السعودية المصرية بما فيها جزيرتي تيرانا وصنافير السعوديتين، والهدف ليس نقاشاً تاريخياً عن تلك الحدود، ولكن محاولة إثارة الفتنة بين الشعبين السعودي والمصري في قضية محسومة، والبحث عن أصوات تأزيم، وصراخ لم يعد لها صدى إخواني للتضخيم والارتزاق منها. اليوم ونحن نعيش أزمة قطر يعاني "الشخص الثالث" مما يحاول أن يدركه هو ويخشى على الجماهير منه، حيث يجد في كل مرة أن الجمهور واعٍ لما يثار، ومدرك لأبعاد الحقيقة وأجنداتها الفكرية والسياسية، وتحوّل مع ذلك إلى أداة جديدة في صراع الأزمة، والتعبير عنها بما ينسجم مع حكومته، والدفاع عن وطنه. وعي المجتمع السعودي في التعاطي مع أزمة قطر كان وطنياً ومشرّفاً؛ ليس لأنه فقط مصدوم من حكومة قطر وخيانتها ودعمها للإرهاب، ولكنه مصدوم أكبر من صمت "الإخوان السعوديين" عن قول الحقيقة، والوقوف مع وطنهم وقيادتهم، وبالتالي اهتزت صورتهم لديه، ولم يعد هناك شخص ثالث يستحق أن يكون مؤثراً ما لم يكن وطنياً مخلصاً، وليس إخوانياً مؤدلجاً.