ضمن الأعمال الفنية الضخمة لقمم فنية عالمية والمواكبة لمؤتمر التغيرات المناخية 21 يأتي عمل الفنان الدانمركي الإيسلندي المعروف أولفر يوليسون والمسمى ساعة الجليد، فنان عملاق معروف بصفته فنان الأعمال التركيبية الفنية الضخمة، والتي يوظف فيها الماء والضوء ودرجة حرارة الهواء لإثراء تجربة المشاهد، ولقد قام عام 1995 بتأسيس استديو أولفر يوليسون ببرلين، وهو معمل للبحث في الحيز المكاني أو الفضاء المتاح، وقدم أعمالاً مذهلة في متاحف العالم والساحات العامة لتشمل التصوير الفوتوغرافي، والأفلام، والنحت، والتركيب، والهندسة المعمارية، ونذكر منها عمله عن الطقس عام 2003، في التيت جاليري بلندن حيث نصب شمساً شاهقة باتساع البهو والذي حضر لمشاهدته وللتفاعل معه مليونا زائر، وهو رقم قياسي. وكمساهمة منه في مؤتمر قمة المناخ 21، قدم أولفر يوليسون عملاً مذهلاً في بساطته وعمق جمالياته وأبعاده الحضارية، وذلك بمشاركة الجغرافي مينيك روزنغ، أستاذ الجيولوجيا في جامعة كوبنهاغن، ومتحف التاريخ الطبيعي في الدنمارك، وقد لعب روزنغ دوراً هاماً في الاستكشاف الجيولوجي لغرينلاند. وصدرت له بحوث مهمة تؤرخ أصل الحياة على الأرض وذلك مستدلاً بقراءاته في كتاب ثلوج القطب الشمالي، ولقد قادت بحوثه لإرجاع بداية الحياة إلى عدة مئات من ملايين السنين أكثر بكثير مما كان يعتقد سابقاً. ولقد أسهم روزنغ بتقديم الدارسات العميقة وراء هذا العمل المسمى ساعة الجليد، بدعم من مؤسسة بلومبرغ الخيرية، والشركة المعروفة باسم دراجات جولي. قام أولفر يوليسون بتوظيف آليات ضخمة لجلب عدد 12 كتلة جليدية من الجليد العائم والمنفصل عن الغطاء الجليدي بالقطب الشمالي بجرينلاند الى باريس، وتزن الكتل في مجموعها 80 طناً، ولقد خرجت الزوارق من ميناء نوك بجنوب جرينلاند في أوائل شهر أكتوبر لهذا العام لتلك المغامرة بحثاً عن تلك الكتل الشاردة، والتي تكوّنت منذ عشرات الآلاف من السنين، ثم ونتيجة للتسخين الحراري انفصلت من جبل الجليد في عملية تسمى بالولادة، يقول الفنان أولفر يوليسون "لقد كان الجليد كريماً معنا فلقد أعطانا كتلاً كبيرة، كل كتلة بوزن 10 أطنان تقريباً، وهي عبارة عن حجم ثلاث سيارات أجرة في مدينة نيويورك مكدسة بعضها فوق بعض". وعند وصولها إلى باريس قام الفنان بنظمها في ساحة البانثيون المرتفعة الشهيرة بقلب باريس، لترمز لأرقام ساعة، مدار عقاربها هو ساحة البنثيون بقطر يبلغ العشرين متراً. تلك الساعة الرهيبة والتي تترك في الهواء الطلق لتقوم بالذوبان التدريجي مستجيبة لحرارة طقس المدينة التي تدنت لأربع درجات مئوية وعاودت الارتفاع لأحد عشر درجة خلال أسابيع عرض هذا العمل. تقف في قلب الساعة وهي تذوب، وتشعر بأن عقاربها قلبك الذي يدق مع كل قطرة وتنذر بالتلاشي، مما يُذَكِّر بالعد التنازلي والذي يفصل كوكبنا عن لحظة الصفر أو الدمار الشامل لكل ما على سطحه من حيوات. عمل جبار يقدم شهادة ملموسة وفورية عن الآثار المأساوية المترتبة على تغير المناخ. وحين ترجع لتاريخ انبثاق هذا العمل تجد أنه قد نظمه الفنان مع مجموعة جرينلاند الجليدية LCE. حيث تم جمع الجليد من قبل الغواصين وعمال الموانئ من القطب الشمالي الخط الملكي، وجرّها بواسطة شباك الصيد للميناء حيث تم تخزينها وفيما بعد نقلها في ست حاويات مبردة من مدينة نوك الى ألبورج بالدنمارك، من قبل سفينة بثلاجات شحن خاصة، ثم أخيراً وبالشاحنات نقلت الكتل لباريس. وفي تصريحه يقول الفنان أليفر أوليسيون، "من زيارتي في العام الماضي للقطب الشمالي، تكونت لدي ذاكرة حية للغاية من الضوضاء المرعب، ومرأى كتل الجليد الضخمة تتكسر وتنفصل عن حزمة القطب الشمالي، هذا القطب بجليده والذي هو في الواقع البواب أو الحارس الذي يقف ويحرسنا من اضطراب المناخ. هذا وأنه ولسنوات كانت هذه المنطقة الحيوية ترسل لنا الإشارات المنذرة بما تتعرض له من ذوبان و تفكك، حتى انه لم يعد باستطاعتنا بعد الآن أن نهمل تلك الإنذارات. ويجب على المجتمع الدولي أن ينصت لتلك الإنذارات ويحولها إلى أفعال" ويضيف؛ "اليوم لدينا إمكانية الوصول إلى بيانات موثّقة تسلط الضوء على ما سيحدث لكوكبنا من دمار وما يمكن القيام به لإيقافه. دعونا نقدّر ونوظّف هذه المعرفة، فإنه ومن خلال ممارساتنا الحالية ولا مبالاتنا فإننا قريبون من نهاية فترة المناخ المستقر الذي عاشه كوكبنا حتى الآن، والذي هو بمثابة شرط لنشوء واستمرار الحضارات وازدهارها. وإنه وبواسطة تقدم العلم والتكنولوجيا الآن صار من الممكن بالنسبة لنا الإطلاع على زعزعة استقرار مناخ الأرض، وفهم الآليات وراء هذه التغييرات، وبالتالي أصبحت لدينا القدرة على ايقاف تلك التغيرات أو الحدّ منها. فعلى العالم أن يأخذ موقفاً الآن، للسعى لتحويل المعارف المناخية إلى عمل من أجل تعديل المناخ. الفن لديه القدرة على إحداث تغيرات جذرية في الوعي الإنساني، وعملي ساعة الجليد هذا يجعل التحديات المناخية التي نواجهها ملموسة، ويأمل أن يلهم صنّاع القرار للتوصل إلى تعهّد مشترك لاتخاذ إجراءات حاسمة لإنقاذ المناخ، وكفنان فإنني آمل أن يمس عملي الناس، والذين بوسعهم بدورهم أن يقوموا بعمل ما حتى لو كان بسيطاً للإسهام في جعل المجردات واقعاً ملموساً، وأن الفن يملك القدرة على أن يغير طريقة فهمنا ومنظورنا للعالم، وساعة الجليد تقدم التغيرات المناخية بشكل ملموس للناس، وآمل أن يتمكن من خلق التزام بعمل لمواجهة هذا الخطر". وتدهشك ديناميكة ذلك العمل من كتل بيضاء ساكنة في الفضاء الطلق، والتي تنجح في استقطاب اهتمام المدينة، فتجد الأطفال يتفاعلون مع الكتل الثلجية فهذا طفل يقوم بتأمل ذوبان الكتل وآخر يجمع تلك القطرات فى برطمان لكأنما يجمع تاريخ العالم في تلك القطرات، بينما تقوم طفلة أخرى بتذوق حواف تلك القطع الضخمة، وهذا فنان من الجمهور يقوم بحركات إيمائية تفاعلاً مع العمل، أنه تماس مع ساعة الثلج والإنذارات التي تُطلقها، ومع المساء تسقط أضواء البانثيون الشامخ بصور مناضلي الثورة الفرنسية وترسل انعكاساتها المذهلة على ذلك البياض من قلب الأرض. كتل عظيمة تذوب تحت أنظار المدينة، ولا تملك إلا أن تمد يدك تمسح على تلك الكتل كمن يمسح باعتذار على ظهر الأرض، ويعلن ولاءه لها و ستعداده للنضال من أجل سلامتها وسلامتنا. واليوم مع انتهاء مؤتمر المناخ 21 ترجع لساحة البانثيون لتفاجأ بتلك الكتل الثلجية قد اختفت، ذابت ال80 طناً من الجليد الذي بعمر عشرات الآلاف من السنين، تلاشت أرقام الساعة بينما عقاربها لاتزال تدق بصدرك، العد التنازلي انتهى وحقق الإنذار المطلوب، متزامناً مع القرار الإيجابي التي تم التوصل له، والذي وعد بوقف هذا الذوبان لهذه المتاريس الطبيعية/ الكتل الجليدية والتي تحمي كوكبنا من الغرق في مياهه والتآكل بحرائقه. وتترجع برأسك أصداء لوران فابيوس، وزير الشؤون الخارجية الفرنسية والتنمية الدولية، رئيس مؤتمر COP21 للتغييرات المناخية حين قال في كلمته الختامية للمؤتمر، "نتذكر الرواد المفاوضين والعسكريين والقواد الذي قضوا حياتهم يناضلون من أجل الأرض بدون أن يستطيعوا ان يشهدوا هذا اليوم، وكانوا سيحبون التواجد معنا هنا لولا أنهم قد فارقوا الأرض التي حاربوا من أجلها. لأولئك الذين غابوا أقدم هذه النتيجة المشرفة، إكباراً للجهود التي بدأوها هم. "وأمام كاميرات الصحافيين وأنظار العالم الموجهة لتلك القمة قام وزير الشؤون الخارجية الفرنسية والتنمية الدولية بأمر غير متوقع، حين اختنق بالدمع، موقف يحرض فينا رهبة هذا الأمر الجلل الذي يُبكي الرجال، هذا الذي يجري لكوكبٍ نتشاركه ولا نعي الأخطار التي تتهدده وتتهددنا، تماه مع قضية هي قضيتنا نحن جميعاً لبشر نسكن هذا الكوكب الذي يئن من ممارساتنا. ومما يثلج الصدر أن قضية التغير المناخي تستقطب ناشطين مخلصين، لا يكفون عن النضال ودفع هذه القضية لمقدمة أولوياتنا كأفراد ودول على السواء. والجدير بالذكر أن نتائج قمة المناخ 21 جاءت إيجابية رغم المعارضين، فلقد اتفقت ال159 دولة بالإجماع للعمل على الحد من التسخين الحراري بدرجتين مئويتين. وهي بلاشك بداية مبشرة إذا تم الالتزام بها حقاً. أطفال بجانب عمل ساعة الجليد ساعة الجليد للفنان الدانمركي الإيسلندي أولفر يوليسون العمل الفني في ساحة البانثيون المرتفعة الشهيرة بقلب باريس كتل الجليد الكبيرة