لا حديث يملك الصدقية الشاملة أو رأيا يحمل الصحة الدقيقة من دون أن يكون معتمداً في الغالب على الأرقام المأخوذة من مصادرها الرسمية حتى وإن كانت تلك الجهات التي تمثل هذه المصادر في بعض الأحيان لا تسعى الى تحليلها ونشرها والاستفادة منها في قراءة المستقبل التي لا يتقنها الا أصحاب المعرفة والخبرة، ولا تعمل هذه الجهات على مشاركة المواطن الكريم في تحديد أي السبل الصحيحة للتعايش مع تلك المتغيرات، وإنما تكتفي في أفضل الأحوال بوجود هذه الاحصائيات عبر موقعها الالكتروني، أو ضمن اصداراتها. وفي ثنايا هذا المقال سنربط بين معدل الارتفاع في الاسعار من عام 2004 حتى 2014 ميلادية والوضع المعيشي للمتقاعد والموظف وربط ذلك بالعلاوة السنوية التي تمنح لاحدهم ويحرم منها الآخر وكأن التضخم في الأسعار لا يمس إلا أحدهم اما الآخر فهو في أمان منه إذا سلمنا أن ما يمنح له كافي للمعيشة مع التركيز في مؤشر الرقم القياسي والمؤشرات الاساسية كمؤشر الاغذية والمشروبات والسكن والكهرباء والوقود ومؤشر التجهيزات والمعدات المنزلية واعمال الصيانة ومؤشر السلع والخدمات المتنوعة وهي جميعاً مؤشرات رئيسية تمس حياة المواطن اليومية ومصدر ذلك هو بيانات مصلحة الاحصاءات العامة الواردة في نشرة الارقام القياسية لتكلفة المعيشة للعام 2014. وباستعراض نسب التغير في أحوال المعيشة نجد ان مؤشر الرقم القياسي العام لارتفاع الاسعار من 2004 حتى 2014 قد زاد بمقدار 40% ولو قرأنا اهم المؤشرات التي تهم معيشة المواطن الموظف والمتقاعد على حد سواء نجد ان مؤشر الاغذية والمشروبات قد زاد بمقدار 69.9% ومؤشر السكن والمياه والكهرباء والوقود قد زاد بنسبة 76.7% في حين ان مؤشر التجهيزات والمعدات المنزلية واعمال الصيانة قد زاد بنسبة 31.4% واخيراً مؤشر السلع والخدمات المتنوعة قد زاد بنسبة 42.9% وهذه مؤشرات دقيقة جداً لتسيير حياة الناس وباقي المؤشرات زادت بنسب متفاوتة تقل عن ال 30%. ويعلم القارئ الكريم أن هناك علاوة سنوية تمنح للموظف لا تقل عن 5% بل وتزيد حسب مستوى الأداء وفي القطاع الخاص قد تتجاوز هذه النسبة. واذا اخذنا ذلك في الحسبان تراكمياً فان هذه الزيادات تتجاوز 55.5% إضافة الى العلاوة التي منحت من المقام السامي 15% فإن هذا يعني ان الموظف قد اخذ في العشر السنوات 70% مقابل 40% نسبة غلاء الاسعار مع الاخذ في الاعتبار ان هذه الميزة انفرد بها من هو على رأس العمل حتى نهاية فترة المؤشرات المرصودة أعلاه. وهنا تبقى مشكلة المتقاعد الذي لا يحصل على علاوة سنوية؛ لأنها تحتاج الى قرار سيادي وعلى الموظف المتقاعد الذي كتب عليه ألا يكون له علاوة سنوية مقابل غلاء المعيشة غير ما منح له من المقام السامي سابقاً (15%) ان يصبر ويحتسب ولكن كيف له ان يتعايش مع غلاء اسعار السكن والمياه والكهرباء والوقود والاغذية والمشروبات وباقي السلع والخدمات التي اصبحت تثقل كاهل المتقاعد حتى من الطبقة الوسطى والغنية فكيف بأثرها في الطبقة المتدنية الدخل التي يقل مرتبها الشهري عن 6000 آلاف ريال علماً أن بعض الدراسات ترى أن اقل دخل شهري يكفل الحياة الكريمة لرب العائلة متقاعداً او موظف لا يقل عن 8500 ريال. إن النتيجة الواضحة تبدو امامنا بكل بساطة أن قيمة الراتب التقاعدي للموظف المتقاعد قد انخفضت بنسبة 25% لأن المؤشر العام للأسعار قد زاد 40% والمتقاعد في العشر السنوات الماضية لم يأخذ علاوة إلا مكرمة الملك عبدالله رحمه الله وبإجمالي 15% وبالمقابل كيف ستكون الحال على من قد تقاعد قبل تاريخ هذه المؤشرات ومعاشه كما كان ثابتاً، وكيف نقيم ذلك مع القيمة الشرائية للعملة المحلية وهل ستتواكب قدرات المتقاعد مع متطلبات الأسرة والابناء ومستوى المعيشة وحال المجتمع ونظرات المباهاة والتفاخر بعد أن أصبح العالم كله يقلب بين أصابع اصغر طفل من أطفال المتقاعد نتيجة لتطور وسائل التواصل الاجتماعي. وكيف يعيش من راتب في الأصل اقل من 3000 ريال مع هذا التغير المذهل بالرغم أن الدولة اعزها الله قد حددت الراتب الأدنى ب 3000 ريال للموظف، فكيف حال من تقاعد دون ذلك بكثير، ولمن يبث شكواه. اليسوا شركاء في خير الوطن ومقدراته وثرواته مثلما كانوا شركاء في نمائه وازدهاره وتطوره، مع الاشارة هنا إلى أن تلك البيانات التي تم استعراضها كانت تغطي فقط الى عام 2014 وعلى نفس المعدل سيكون بنهاية عام 2015 انخفاض قيمة الراتب التقاعدي الى 30% وهذا يعني أن المتقاعد قد فقد ثلث راتبه كحد ادنى من دون الدخول في تفاصيل مؤشرات المعيشة الاخرى التي ستتجاوز نسبة التغيير لها 80%؟. وفي الختام إن المتقاعد هو من يستطيع اليوم ان يعكس حال المجتمع وخاصة الطبقة المتوسطة أو قليلة الدخل من المتقاعدين، وهو ملف شائك لا يزال في حاجة إلى البحث وتسليط الضوء عليه من خلال الأرقام والقراءات الدقيقة. هذا ولا شك ان هناك كثير من الجهات الحكومية تستطيع - إن رغبت - ان تميط اللثام عن الواقع وتتيح البيانات للمؤسسات البحثية لتدرس الواقع وتحلل المشكلة وتوجد الحلول لقرابة مليون متقاعد، وسيصبحون اكثر من ذلك بكثير خلال 10 سنوات مقبلة ويومها لا يجدون من يعلق الجرس والمسؤول الذي لا يستطيع اليوم ان يوصي بالعدل والإحسان والانصاف هو ذلك المسؤول الذي غدا سيكون متقاعداً وسيلوم نفسه ان صدق معها والجميع يدرك الآثار السلبية لحاجة الناس خصوصا على الامن وعلى القيم والاخلاق والدين والثقافة. اخيراً للمتقاعدين أمل يتجسد بخادم الحرمين الشرفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أن يصدر توجيهه الكريم بتشكيل لجنة تدرس ملابسات هذا الملف الذي اصبحت تراكماته مؤلمة لأهله، وبناء خطة إستراتيجية طويلة المدى تحيط بهموم المتقاعدين، وتحقق الممكن من متطلباتهم في كنف دولتهم الكريمة، فهم قدموا الوفاء لهذا الوطن وينتظرون الوفاء من رائد الوفاء الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله. * عضو الجمعية الوطنية للمتقاعدين