يعتبر فضيلة الشيخ محمد بن محمود سفر السفياني رحمه الله أحد رجالات مكةالمكرمة الافذاذ الذين سطروا بأحرف من نور في سجل التاريخ المكي في الزمن الجميل الذي انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً عام 1418ه ، أي قبل نحو خمسة عشر عاماً وولد رحمه الله عام 1331ه بعد أن قضى عمره المديد في طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وان كان عمر الانسان لا يحسب بعدد الأيام والسنين التي قضاها على ظهر هذه الدنيا الفانية ولا يقاس بالدقائق والساعات والأيام التي تتخللها الكثير من المواقف المحيرة في سبر أغوار هذه الشخصية أو تلك وانما بما يمارسه من فضائل في حياته خصوصاً إذا اجمع من ليس لهم غرض دنيوي وهذا هو أبا محمود رحمه الله ، فألسنة الخلق شواهد الحق ، ولأن السيرة العطرة لا تنشأ إلا من الأصول الثابتة والتي فرعها في السماء فقد درس الشيخ محمد سفر رحمه الله على ايدي الطبقة الأولى من علماء البلد الحرام وتعلم أصول العلوم الاسلامية والشرعية والتفسير والفقه والعقيدة واستمر طالباً للعلم والاستنارة من كوكبة العلماء امثال الشيخ محمد نور سيف والشيخ حسن بن محمد المشاط والسيد محمد أمين كتبي وشيخ العلماء الشيخ محمد العربي القياني وغيرهم ثم خرج إلى معترك الحياة فاشتغل بالتجارة وعلى وجه الخصوص تجارة الأخشاب ولوازم الإنشاءات والتعمير وذلك في الحي الذي شهد مولده بمكةالمكرمة حي شعب علي وبني هاشم وبالمناسبة اتذكر أنه كان رحمه الله مسؤولاً عن توزيع حصص أكياس الاسمنت في ذلك الزمن حيث وثق فيه المسؤولون لامانته ودماثة خلقه حيث كان يراعي الرجل الكبير والمرأة المحتاجة والطفل في ذلك الزمان حيث كان يقوم بنفسه بتوزيع حصص الاسمنت والذي كان نصيبي منها عندما كنت طفلاً في تلك الأيام عشرين كيساً لغرض توسعة خزان المياه في منزلنا بحي النزهة حيث ارسلني أبي رحمه الله لكبر سنه ولتعويدي على اليد الخشنة التي طالما كان رجال مكةالمكرمة يعودون أبناءهم عليها، وكما جاء في بعض المؤلفات التي تسرد السيرة العطرة لفضيلته أنه وجد في حياته بعض الناس الذين لايعرفون فضلاً إلا للاموال والاحساب ولا يدركون لذة التقوى ومتاع الروح فضرب مثلاً من نفسه بالقناعة والزهد واحتقار الدنيا وزهده فيها وبعده عن الظهور والشهرة ، وكان بتواضعه هذا صورة صادقة لكرامة الانسان يؤثرها من صميم نفسه ولا يصطفيها مما يحيط به من مظاهر خادعة وكان يكره الخيلاء والتظاهر بالفصاحة ومحسنات الكلام والتأثير في الناس بالقول المزخرف اتباعاً لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (من تعلم صرف الكلام ليستبي قلوب الرجال لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً). وكان يقول رحمه الله (هلك المتنطعون) ويكررها بغضاً منه لكل مظاهر التظاهر والرياء وكانت البساطة والتقشف صورة من حياته كلها وكان الذوق والأدب وحسن القول من أظهر صفاته في معاملته لأقل الناس شأناً ولم يعرف عنه أنه رفض دعوة أقل الناس شأناً وما كان يتعالى ويبرز في مجلسه وكان يتباسط مع كل الناس كبيرهم وصغيرهم في بسمة لاتفارق محياه رحمه الله. وهو من عرف رحمه الله بالطواف يومياً بالكعبة المشرفة والدعاء عند الملتزم ودهن الحجر الأسود وعتبات الملتزم بدهن الورد وباب الكعبة المشرفة كان له النصيب الأكبر من هذا الطيب الذي يعبق في المكان الطاهر ، كما اسهم رحمه الله في انشاء الأربطة الخيرية واصلاحها كرباط المرغناة ، ورباط باناعمة ورباط العتيبية ورباط المغاربة لاحتواء الأسر المحتاجة بلا منّ أو أذى ومساعدة الملهوف وصاحب الحاجة من مديون أو مريض أو راغب زواج ويساهم في حل المشكلات الأسرية التي قد تقع بين العوائل المكية وحرص رحمه الله على أن يورث أبناءه حب الخير والاقتداء بأفعاله المستقاة من تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف المعروفة ودائماً ما كان ينصحهم بالصبر والاناة والحلم وتبني هموم الناس وله من الأبناء معالي الدكتور محمود وزير الحج الأسبق ومدير جامعة الخليج سابقاً والمشائخ عبدالله وحامد والدكتور حسن أستاذ بجامعة الملك عبدالعزيز والاستاذ حسين الموظف بالنقابة العامة للسيارات. رحم الله شيخنا الوالد محمد بن محمود سفر السفياني وأسكنه فسيح الجنان والعاقبة للتقوى. وعلى الله قصد السبيل.