كانوا يقولون “الميدان يا حميدان”؛ ومن المؤكّد أنّهم لا يقصدون ميدان التحرير بالقاهرة، ولكنّهم يؤكّدون على أنّ الميدان هو الحكم، ولا بد من النظر إلى الواقع العملي والنتائج التطبيقية للموضوع على مرأى ومسمع من الجميع، وهكذا فإنّ الرضوخ للأمر والخضوع له إنّما يتم في ظل الاعتراف بنتيجة المبارزة والمواجهة التي يظهر فيها الغالب، وقد كانت كلمة الشعب المصري في ميدان التحرير مدوّية في الكون لدرجة أنّ أمريكا اعترفت بأنّ شباب مصر لم يغيّروا وجه مصر فقط؛ وإنّما غيّروا وجه العالم. إنّ الشارع الذي تحدّث فأسمع حسم أمورًا استمرت لأكثر من ربع قرن، وحسم أمورًا تاريخيّة أيضًا حدّدث الأعمار الوظيفية لنائب رئيس الجمهورية الذي لم يتجاوز عمره في المنصب أسبوعًا، وضغطت على وزير الثقافة الذي مارس مهام عمله كوزير لمدة يوم واحد استجاب خلاله لصوت ضمير الشارع. إنّ تجربة حكم الشارع في الوطن العربي تجربة جديدة؛ ولكنّها خطيرة جدًّا فمن يضمن هذا الشارع لكيلا ينفلت أو يتفلت من حين لآخر كلما رأى أمرًا يحتاج إلى تغيير في نظر بعضهم، ومن الذي يستطيع التحكّم في هذه الجموع الغفيرة التي خرجت منتصرة اليوم لكيلا تظن أنّها وفي كلّ مرة تستطيع التغيير وأنّها تمتلك قوّة يؤيدها العالم وحقوق الإنسان وجمعيات ومنظمات عالمية يدعمها إعلام قوي متدفق لا يخفي شيئًا. إنّ الحرية المطلقة للتعبير ليست محفوفه دائمًا بالورود والخروج للشارع ليس دائمًا مفيدًا، والمجتمعات المتحضرة التي تمتلك الوعي والخبرة العميقة هي التي تحسن التعامل مع الشارع في توصيل صوتها؛ ولكن المجتمعات الأخرى ربما تفهم الموضوع بطرق مختلفة، فيتحوّل كلّ اختلاف حول موضوع إلى مظاهرات، وهكذا يرتفع صوت جدّنا الأول “الميدان يا حميدان”.