من الكتب المتوقع أن تثير كثيرًا من التجاذب والحديث في الوسط السعودي بعد قرار فسح مؤلفات الدكتور غازي القصيبي بقرار من وزير الثقافة والإعلام هو كتابه الذي صدر في عام 2002 حاملًا عنوان: “أمريكا والسعودية”: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟!» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. نشر الكتاب على إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 المشؤومة والتي طرأ بسببها كما يقول القصيبي: سوء تفاهم بين الولاياتالمتحدةالأمريكية والمملكة العربية السعودية، وبدلًا من معالجته، كالمعتاد، بالطرق الدبلوماسية، فوجئت المملكة بحملة إعلامية أمريكية غير مسبوقة في ضراوتها. وصفحات الكتاب هي محاولة لفهم هذه الحملة، ولبحث العلاقة التي يراها المؤلف علاقة عضوية بين الإعلام والنظام السياسي. ويضيف تبسيطًا للأمور، فسوف أستعمل «الصحافة والإعلام» ككلمتين مترادفتين، وسوف أقصر حديثي على الإعلام السياسي دون غيره من وجوه الإعلام الكثيرة. وكتب القصيبي في إهداء الكتاب «إلى وزراء الإعلام العرب مع كثير من الشفقة»، كما أعقبه في الصفحة الأخرى ببيت شعري للمتنبي قال فيه: إذا كان بعض الناس سيفًا لدولة ففي الناس بوقات لها وطبول كما أوضح في هامش الصفحة أن المتنبي منذ أكثر من ألف سنة تنبه إلى العلاقة المفصلية بين السياسة والإعلام. «السيف»، أو السياسة لا يمكن فصله عن «البوقات والطبول»، أي الإعلام. والكتاب بالرغم من صبغته السياسية وموضوعه إلاّ أن روح الأدب لم تفارقه حيث نجده يستشهد بيبت شعري أو أكثر للمتنبي -الشاعر الذي تأثر وأعجب به القصيبي كثيرًا- مطلع كل فصل من فصول الكتاب. واحتوى الكتاب على سبعة فصول؛ كان الفصل الأول فيها بعنوان: «أسرار المطاعم الثلاثة»، والفصل الثاني بعنوان: «وما أدراك ما حرية الصحافة؟!»، وعنون للفصل الثالث ب «صورة الآخر في الصحافة البريطانية»، والفصل الرابع بعنوان: «رئيس التحرير العربي.. المسكين»، والفصل الخامس: «حملة إعلامية.. أم مواجهة سياسية؟!»، والفصل السادس بعنوان: «وماذا عن أصوليي أمريكا.. وإرهابييها؟!»، والفصل السابع والأخير عنون له ب «العرب: السياسة والإعلام والمستقبل». يقول القصيبي في مقطع في بداية الكتاب: «إن الإعلام الغربي جزء لا يتجزأ من المنظومة السياسية الغربية يقود إلى نتائج عديدة، ومن أهمها: هي أن الصحفي الغربي متشبع كلية، بكل ما تعنية الديمقراطية الليبرالية من معانٍ، وكل ما يتبعها من مستلزمات. والنتيجة الثانية هي أن حرية الصحافة في الغرب مبدأ مقدس لا تستطيع الحكومات المساس به مهما عانت منه (وكم تعاني!). والنتيجة الثالثة هي أن العلاقة بين السياسي والصحفي في الغرب هي علاقة بين ندين متكافئين. والنتيجة الرابعة هي أن اقتصاديات السوق التي أبادت الفكر الاشتراكي تطبع بطابعها التجاري الإعلام الغربي كله». ويضيف أيضًا أنه على العرب أن يتعاملوا مع الإعلام الغربي بلا أوهام أو أفكار ساذجة مفرطة في التفاؤل. لا يمكن لصحفية غربية أن تغير موقفها من الحجاب ولو أقسمت أمامها ألف امرأة مسلمة أنهن تحجبن طوعًا واختيارًا. ولا يمكن لصحفي غربي ولو ناقشه ألف فقيه مسلم أن يعتبر ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف جلدة عقوبة عادلة. ولا توجد حجة تقنع الصحفي الغربي أن «الظروف الموضوعية» غير مناسبة للديمقراطية. باختصار شديد، لا يمكن أن يغير الصحفي الغربي عقائد الليبرالية إلاّ إذا غير المسلم المتدين عقيدته المتدينة. ويرى القصيبي أن الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية هي التي كانت تقف وراء الحملة الإعلامية ضد السعودية بعد هجمات 11 سبتمبر، وهناك أكثر من سبب قوي يدفعها إلى أن تقف هذا الموقف. من ناحية، تنفيذ التفجيرات بهذا القدر الكبير من الفعالية يدل على فشل الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية الذريع وإهمالها القاتل (لو حصل شيء مماثل في اليابان لاستقال رؤساء الأجهزة.. أو انتحروا!). وكان من الطبيعي أن تبحث الأجهزة الأمريكية عن كبش فداء تحمله المسؤولية الكاملة وتعفي نفسها من تبعات الفشل. وكانت المملكة كبش الفداء المثالي: كثير من المتورطين سعوديون، والعقل المخطط سعودي والتمويل جاء من المملكة، إذن فلولا المملكة لما وقعت التفجيرات. هذه النزعة إلى تعليق التبعة في عنق المملكة هي التي دفعت الأجهزة الأمريكية إلى إعلان قوائم المسافرين فور العثور عليها مع أنه يستحيل على قارئها أن يتبين الخاطف من المخطوف. ويختم القصيبي كتابه بعد حديث طويل بقوله: «إن الحقبة التي تعيشها العولمة، والحدود المفتوحة، وثورة الاتصالات والمواصلات، والتغييرات السريعة في كل مكان، تضع الأنظمة العربية أمام خيارين: إما أن تتعلم السباحة في طوفان المتغيرات، وإما أن تغرق في الخضم. أتمنى للأنظمة العربية الراغبة في الإصلاح أن تجد الفرصة الكافية لتحقيق الإصلاح. أما الأنظمة التي لا تود تغيير شيء، وتعتقد أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، فأرجو أن تعثر على جبل يعصمها من الموج.