«أبو عبدالرحمن» المُفكِّر «إبراهيم البليهي»، يَعني - بالنّسبة لي- «قَصيدة غَزل» بَدَأت ولن تَنتهي، فهو «رَجُل» مَسلكاً وسلوكاً، و«إنسان» كَاتباً ومُفكِّراً، و«كَائن» يَمتاز بأخلاق الكِبار، وسموّ كُلّ مَن يَنأى بنَفسه عن الصَّغائر! في البَدء، لابد مِن التَّذكير بمَقولة صَديقي «الفخم» «أبو بندر» – «عبدالرحمن المعمّر» القائل: (إذا لم نَستطع القول للمُسيء أسأت، فلنَقُل للمُحسن أحسنت)، ويَا لها مِن جُملة لمَن يَفهمون الجُمَل..! حَسناً، لنخش في الموضوع، كما يَقول الحجازيّون، ومِن قَبلهم أهل العربيّة «الأقحاح»..! هذا الرَّجُل العَظيم في خُلقه وعلوّ همّته، عَرفته مُنذ سنين، أولاً بحُكم القَرابة، ثُمَّ بحُكم «النَّجابة» التي يَتحلَّى بها، فهو مِن النَّاس الذين يُسلِّطون الأضواء على جَوانب الضَّعف العربيّة، وفَضح ألاعيبهم التَّاريخيّة، وله في ذَلك كُتب كَثيرة، ويَكفي أنَّه أوّل مَن اشتق مُصطلح «تأسيس عِلْم الجَهل»، على اعتبار أنَّ الجَهل «عِلْم»، يَنبغي أن يَفطن له العُقلاء، حتَّى لا يَضيع في مساحة الكون والضّياء.. ولكن هذا الجَانب - رغم أهمّيته - لا يهم هذا القَلم، لأنَّه «عِلْم» قَد نَجده عند الكثيرين، ليَبقى السُّؤال المُهم الذي لا تَجده إلَّا عند نزر قَليل، ونَفَر ضَئيل مِن بني قَومي.. إنَّها «النَّزاهة» - «نَظافة اليد»، وتخيّل أنَّ الأستاذ الكبير «البليهي»؛ كان في يوم مِن الأيَّام رَئيساً لبلديّة «أبها»، ثُمَّ «حَائل»، ثُمَّ «القَصيم»، ومَع ذَلك خَرَج مِن كُلِّ هَذه «البَلديّات»، دون أن يُطبِّق مِنحَة وَاحدة له، أو لأولاده، أو ذويه.. بالله عليكم، هل يُعقل هذا..؟! حَسناً لنُخصِّص «العَام» ونقول: «بعد كارثة جُدَّة بَدأت الدَّوائر تَدور؛ على المُفسدين واللصوص، حينها ظَهرت قيمة الأستاذ «البليهي»، كقيمة «عالية الأمانة» لدرجة «الخيال»، وبحُكم قُربي مِن الرَّجُل - قريباً وأستاذاً وصديقاً - أقول - كما ذَكر «البليهي» نَفسه، في حوارٍ له مَع جريدة «الرّياض»-: يا قوم.. تَصوّروا أنَّ الملايين يَتهافتون على «المِنَح»، حتّى لو كَانت شِبراً في أعماق الصَّحراء، أمَّا الرَّجُل العملاق «البليهي» فتأتيه «المِنحَة»، ومَع ذَلك يَعرض عَنها - كما يَعرض «النُّبلاء» عَن المَناطق المَشبوهة -.. تَصوّروا قبل أكثر مِن عشرين عاماً، استصدر مَعالي الدّكتور «خالد العنقري» - وزير البلديّات آنذاك -، قراراً بمنح الأستاذ «البليهي» أرضاً بمساحة 1600 متر في بريدة، ولكنّه رَفضها، لأنَّه عَلى رَأس العَمل، رَئيساً للشّؤون البلديّة والقرويّة في مَنطقة القَصيم، بل حَرَم أولاده أيضاً – ممَّا هو مُتاح للجميع – الحمد لله أنَّني لستُ وَلداً ل«البليهي».. إنَّه حَرَم نَفسه مِنها، رَغم أنَّني أعرف أنَّ الرَّجُل يَعيش في بيت «مُستأجر»، ومَع ذَلك رَفضها، حتَّى يَتمكَّن مِن فَرض الأمانة عَلى الجميع، دون خَوف مِن الإساءة، لذلك رَفض تَطبيق المنحة، ولا عَجب.. فرَجُل مِثل «البليهي» يَرى أنَّ المسؤولية تَقتضي التَّعفُّف.. وهكذا رَحَل الرَّجُل مِن الأمانات كُلّها، دون أن يُلوِّث نَفسه بأي مِنحَة، وخَرج مِن الوَظائف كيوم وَلدته أمه - رحمها الله - وحتَّى تَاريخه أتحدَّى مَن يُثبت أن «أبا عبدالرحمن»؛ قَد أخذ شِبراً مِن «أرض» عَلى شَكل «مِنحَة»! حسناً.. ماذا بقي..؟! بقي القول: إنَّ قليلاً مِن النَّاس - مِثلي - تُطربهم «النَّزاهة»، ويُصفّقون بَل يَحتفلون بفعل «البليهي»، في حين أنَّ أغلب النَّاس يَعتبرونه مِن الكائنات السَّاذجة، التي لم تَستغل المَنصب، بل سمعتُ - كثيراً - مَن يَلومه عَلى تركهِ للمِنحَة، ولا عَجب في ذلك، فأكثر النَّاس يَعتبر مال الدَّولة مَالاً سَائباً، ومتى حَصلوا عَلى شيء مِنه فهو لَهم، وقَاعدتهم في ذلك: (أنَّ الحَلال مَا حلّ في يَدك، والحَرَام ما عَجزت عنه)..! يا قوم.. هَنيئاً لنا بالأستاذ المُفكِّر «إبراهيم البليهي»، وهنيئاً لأمَّة فيها رِجَال مِثل «البليهي»، أو حتَّى يُشبهونه..!.