*بقرار مجلس الوزراء المهندس" الوباري" للمرتبة الرابعة عشر مديراً لفرع وزارة التجارة بمنطقة تبوك*    أمير تبوك يثمن حصول مطار الأمير سلطان بن عبدالعزيز على جائزة أفضل مطار في تجربة المسافر بالشرق الأوسط    النفط يرتفع مع تعطل إمدادات الشرق الأوسط وسط الأزمة الإيرانية    الائتمان المصرفي يسجّل 3.3 تريليونات ريال بنهاية 2025    صحفيو مكة يحتفون بالإفطار الرمضاني من أعلى إطلالة بالعالم    وكالة الطاقة الذرية تؤكد عدم رصد أي تسرب إشعاعي من المنشآت الإيرانية    وزارة الحج والعمرة: بدء مرحلة حجز باقات حج 1447ه للحجاج من داخل السعودية    الاحتلال الإسرائيلي يغلق المسجد الأقصى لليوم الخامس على التوالي    الصين تحقق اختراقا في الاتصال بالليزر بين الأقمار الاصطناعية والأرض في المدار العالي    ضبط المخالفات المرتبطة بممارسة نشاط «الكدادة» .. الهيئة العامة للنقل ترصد 25 ألف مخالفة    أرامكو تقود ارتفاعات السوق    أكد تسخير الإمكانات للمحافظة على سلامة الجميع.. وزير الداخلية: توجيهات كريمة بتعزيز الأمن والاستقرار    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    ثمن وقوف قادة الدول الشقيقة والصديقة ضد الاعتداءات.. مجلس الوزراء: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    استهدفت قيادات في حزب الله.. إسرائيل تجدد غاراتها على ضاحية بيروت    جهاز أمن الدولة القطري يلقي القبض على خليتين تتبعان للحرس الثوري الإيراني    طائرة رونالدو غادرت إلى مدريد    السعودية الأقرب للاستضافة.. الآسيوي يتجه لإقامة ثمن نهائي النخبة من مباراة واحدة    ميلان يسعى للتعاقد مع نجم القادسية    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    تركية تقتل والدها بعد مناوشة كلامية    تعليق الدراسة الحضورية في مدارس تعليم الشرقية وعسير اليوم الأربعاء    حي جميل.. تجارب تراثية وأنشطة تفاعلية فنية وثقافية    الإعلام الرياضي بين رسالة الأمس وضجيج اليوم    خصومة أدبية بسبب كتاب مُهدى    إصدار وثيقة مبادئ حوكمة لتعزيز كفاءة الأوقاف    استشاري يحذر من «سكري الدماغ»    استضافة المسافرين العالقين يعكس نهج المملكة في أولوية سلامة الإنسان    مذكرة تفاهم لإنتاج منتجات عطرية مستوحاة من الطبيعة    الخيار الاستراتيجي    1100 كشاف يقدّمون خدماتهم للمعتمرين والزوار بالحرمين الشريفين ضمن منظومة مؤسسية متكاملة في رمضان    العطاء يصنع الحياة!    أمطار خير على الرياض والشرقية    أخضر التايكوندو يطوي صفحة الإعداد ويستعد لتحدي سلوفينيا وهولندا    مباريات حماسية في بطولة أكاديمية قمم الرياضية بخميس مشيط برعاية "الرأي"    نونيز على مفترق طرق داخل الهلال    "ليالي الدرعية" تقدم تجربة رمضانية ثرية    "الحداية" موروث يتغنى ل"القيم" ويصنع بهجة الاحتفال    حكايات الأمومة حين تصنع النجاح    مستقبل أربيلوا مع ريال مدريد في مهب الريح    نفحات رمضانية    وهل أتاك آخِر أنبائهم    الفتح يجدد لمدافعه الجري لثلاثة مواسم    بتوجيه وزير الشؤون الإسلامية… خطبة الجمعة عن شكر نعمة الأمن والتحذير من الشائعات    "الأرصاد" ينبه من أمطار على منطقة الرياض    الاستشراف فن الطرح العميق للأسئلة    5 أهداف إستراتيجية لتعزيز منظومة الأمن الغذائي    الذوق خلق الرقي وميزان الإنسانية    أدوات التقييم اللحظي لأداء الطلبة داخل الفصول    الأمير فواز بن سلطان يشهد فعاليات اليوم العالمي للدفاع المدني بالطائف    السعودية تعرب عن رفضها وإدانتها للهجوم الإيراني الذي استهدف مبنى السفارة الأمريكية في الرياض    رابطة العالم الإسلامي تُعزِّي الكويت إثر استشهاد اثنين من منسوبي الجيش    جراحة نادرة بالعمود الفقري تُعيد القدرة على المشي ل«سبعينية» بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    مقترحات قابلة للتنفيذ    «طبية» جامعة الملك سعود: شرب الماء والمشي يعززان صحة القلب    أبرز الإخفاقات الطبية «2»    وزارة الداخلية: الأوضاع الأمنية في السعودية مطمئنة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. سلمان بن فهد العودة
9- شهر الجود
نشر في الجزيرة يوم 12 - 10 - 2005

الجود والكرم من مكارم الأخلاق التي من تحلى بها أحبه الله وأحبه الناس، وهي دليل المروءة والرجولة والإنسانية الصادقة، كرم النفس بالمال والجاه وبالعلم والوقت وبالنفس والنفيس.
والجود عشر مراتب: إحداها.. الجود بالنفس، وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
الثانية: الجود بالرياسة، فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته، والجود بها، والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.
الثالثة: الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه؛ فيجود بها تعبا وكدّا في مصلحة غيره.
الرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى المراتب، وهو أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال، ومن جود العلم أن يُبذل لمن يسأل عنه ويُطرح عليه طرحاً، وأن يكون الجواب شافياً، وليس بقدر ما تُدفع به الضرورة.
الخامسة: الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه، وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد.
وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة
من جاهه فكأنما من ماله
السادسة: الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ، فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) متفق عليه.
السابعة: الجود بالعرض كما روي بسند فيه مقال أن رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَبِي ضَمْضَمٍ).
قَالُوا: وَمَنْ أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: (رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
كان قَالَ (عِرْضِي لِمَنْ شَتَمَنِي).
وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه.
الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال والإغضاء، وهو أنفع لصاحبه من الجود بالمال ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ)(45) سورة المائدة.
التاسعة: الجود بالخُلُق والبشر والبسطة، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان، وفيه من المنافع والمسار وأنواع المصالح ما فيه، والعبد لا يمكنه أن يسع الناس بحاله ويمكنه أن يسعهم بخلقه واحتماله.
العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له، وهذا الذي قال عبدالله ابن المبارك: إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل.
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كريم يحب الكرماء، جواد يحب الجود، يحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها)(1).
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ).
رواه مسلم.
وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الإِسْلاَمِ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ - قَالَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ.
قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وفيه أيضاً عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
وفي مغازي الواقدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان يومئذ وادياً مملوءاً إبلاً ونعماً فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
وفي الصحيحين، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْر بْن مُطْعِم أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلاً مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً وَلاَ كَذُوبًا وَلاَ جَبَانًا).
وخرج البخاري من حديث عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا- أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ قَالُوا: الشَّمْلَةُ.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي، فَجِئْتُ لأَكْسُوَكَهَا.
فَأَخَذَهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا.
قَالَ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ.
قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لأَلْبَسَهَا، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي.
قَالَ سَهْل:ٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ(2).
وعن ابن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال، وعنده صُبرة من تمر فقال: (ما هذا يا بلال؟) قال: أعد ذلك لأضيافك.
قال: (أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟ أنفق بلال! ولا تخشى في ذى العرش إقلالاً)(3).
كان جوده صلى الله عليه وسلم كله لله، وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام، فيعطي عطاءً يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان قد أتاه سبي فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادماً يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقَالَ: (لاَ أُعْطِيكِ خَادِمًا، وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ...)(4).
تعوَّدَ بسط الكفِّ حتى لو انه
ثناها لقبضٍ لم تُجِبهُ أنامِلُهُ
ترَاه إذا ما جئته متهللاً
كأنَّك تُعطيهِ الذي أنتَ آمِلُهُ
ولو لم يكن في كفه غيرُ رُوحِهِ
لجاد بها فليتقِّ اللهَ سائلهُ
هو البحر من أيّ النواحي أتيتَهُ
فلُجّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُهُ
وللجود في رمضان خاصة فوائد منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العامل فيه.
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم.
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.(5).
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في الترمذي من حديث عَلِي رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا).
فَقَامَ أَعْرَابِي فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لِمَنْ أَطَابَ الْكَلاَمَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم، والمباعدة عنها وخصوصاً إذا ضم إلى ذلك قيام الليل.
فالصيام جنة، وفي حديث معاذ رضي الله عنه: (أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ)، يعني أن يطفئ الخطيئة أيضاً، وقد صرح بذلك في رواية الإمام أحمد.
وفي الحديث الصحيح عَنْ عَدِي بْنَ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ).
ومنها: الصدقة تجبر ما في الصوم من خلل فالصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص، وتكفير الصيام للذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه..كان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه للسائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً، وكان يتصدق بالسكر ويقول: سمعت الله يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)(آل عمران:92)، والله يعلم أني أحب السكر.
واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً؛ فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: من يقرض الغني الوفي؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات فقام وأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاوياً.
وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائماً.
وكان الحسن يُطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروحهم وهم يأكلون.وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.
قال الشافعي: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضاً(6).
وفي الأثر: (أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن السرور، أو تقضي عنه ديناً أو تطعمه خبراً)(7).
وجاء مرفوعاً وموقوفاً والموقوف أصح: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً...
الحديث) (8).
وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: (السَّاعي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ)(9).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَال: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: (بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيُّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيل، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ). صحيح البخاري.
أو (غُفِرَ لاِمْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّّ يَلْهَثُ، قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ).
صحيح البخاري.
هذا في كلب، فما ظنك الصائم الطائع لربه، وما ظنك بعظيم المغفرة حتى لمومسة.
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لاَ يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)(10).
وقال الشعبي: من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه.
يموت المسلمون ولا نبالي
ونهرف بالمكارم والخصال
وننسى إخوة في الله ذرت
بهم كف الزمان على الرمال
تمزقهم نيوب الجوع حتى
يكاد الشيخ يعثر بالعيال
يشدون البطون على خواء
ويقتسمون أرغفة الخيال
وتضربهم رياح الموت هوجاً
وفي أحداقهم نزف الليالي
وناموا في العراء بلا غطاء
وساروا في العراء بلا نعال
كأن البيد تلفظهم فتجري
بهم بيد إلى بيد خوال
يسيل لعابهم لهفاً وتذوي
عيونهم على جمر السؤال
وليس جراحهم في الجسم لكن
جراح النفس أقتل للرجال
عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: لما مات النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: (من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا)(11).
اللهم تقبل منا صومنا وقيامنا إنك أنت السميع العليم، اللهم اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم احشرنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه، اللهم ارزقنا فيه الخير.
[email protected]
(1) رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن سعد وصححه الألباني في صحيح الجامع 1744.
(2) لطائف المعارف ص 173 - 174.
(3) رواه البزار بإسناد حسن، والطبراني في الكبير، قاله المنذري وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم 912.
(4) لطائف المعارف 175.
(5) رواه أحمد في مسنده والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، وصححه الألباني في (صحيح الجامع) رقم (6415).
(6) لطائف المعارف، ص 178 - 179
(7) رواه ابن أبي الدنيا في (قضاء الحوائج) والبيهقي في (شعب الإيمان) عن أبي هريرة، وابن عيد عن ابن عمر، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع) رقم 1096.
(8) رواه ابن أبي الدنيا في (قضاء الحوائج) والطبراني في (الكبير) عن ابن عمر، وحسنه الألباني في (صحيح الجامع)، رقم 176.
(9) راوه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة.
(10) رواه البخاري ومسلم واللفظ له وأبو داود وابن ماجه والترمذي والنسائي وابن حبان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.