أمل وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو أن يسعى اللبنانيون الى تطوير تحرير التجارة بين تركيا وسورية والأردن ولبنان «بما لديهم من دينامية وحيوية في الاقتصاد والأعمال»، وإلى سوق مشتركة صغرى وتوسيعها لتشمل دولاً أخرى في السنوات المقبلة، بحيث تصبح منظومة «الشينغن» الصغيرة التي قامت بين الدول الأربع أوسع. جاء كلام أوغلو هذا بعد ان أشار في لقائه مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري والوفد الوزاري والرسمي المرافق له، مساء أول من أمس الى مائدة العشاء، الى ان الاتفاق على إلغاء تأشيرات الدخول بين تركيا ولبنان، بعد إلغائها بين تركيا وسورية، وتركيا والأردن، وبعد ان سبق أن أُلغيت بين سورية ولبنان وبين سورية والأردن والأخير ولبنان، أسس لما يشبه «شينغن» (فتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي وتوحيد تأشيرات الدخول إليها) مصغرة. وقال أوغلو خلال العشاء مخاطباً الحريري والوزراء المرافقين له: «نحن نطمح الى تعاون أوسع وأكبر من اجل الاستقرار والازدهار في المنطقة»، وتحرير التجارة بين الدول الأربع يمهد لذلك. وقال أوغلو: «نحن نعتبر ان استقرار لبنان اساسي للاستقرار في المنطقة ومن دون الاستقرار فيه لا استقرار في المنطقة». وأضاف: «لذلك لن نترك لبنان وسنبقى نهتم فيه ونتابع شؤونه من اجل دعم الاستقرار ونحن حريصون على علاقة خاصة وقوية معكم وعلى استمراريتها وتطويرها في شكل مستمر». وأوضحت مصادر في الوفد اللبناني ل «الحياة» ان أوغلو أعرب عن ارتياحه الى ما حصل من تقدم في العلاقات اللبنانية - السورية، وقال للحريري انه زار دمشق بعد زيارة الأخير إليها وسمع من المسؤولين السوريين «تقويماً إيجابياً» لزيارة رئيس الحكومة اللبنانية. وحرص أوغلو على إعطاء انطباعه عن نتائج التقارب السوري - اللبناني نظراً الى انه لعب دوراً في مواكبة هذا التقارب وشارك في جزء من الاتصالات التي سبقت زيارة الحريري للعاصمة السورية، فضلاً عن مواكبته التقارب السعودي - السوري. وأشار مصدر في الوفد اللبناني الى ان اوغلو رأى ان زيارة الحريري تركيا والمحادثات التي أُجريت وستجرى خلالها، تاريخية، وقال: «غداً (أمس) سيكون لنا اجتماع موسع أشبه بمجلس وزراء لبناني - تركي مشترك ومصغر نظراً الى كبر الوفد الوزاري اللبناني والوزراء الأتراك الذين يقابلهم، ما سيؤكد تاريخية الزيارة والاتفاقات التي ستتخللها والتحول الكبير الذي تؤدي إليه في العلاقات الثنائية». وشدد مصدر وزاري في الوفد اللبناني على ان اوغلو تحدث عن اهمية التعاون مع لبنان في سياق تطوير التعاون الإقليمي، نظراً الى ان تركيا تعتبر ان هذ التعاون ينشئ مستقبلاً سوقاً مشتركة لها أهميتها السياسية، إضافة الى الاقتصادية، نظراً الى ان تعداد السكان في تركيا (76 مليون نسمة) وسورية (20 مليوناً) والأردن ولبنان (زهاء 10 ملايين) يجعل تعداد السكان في هذه السوق أكثر من 100 مليون نسمة، وأن أنقرة تأمل إذا تحسن الوضع في العراق قريباً ان تنضم بغداد الى هذه السوق المشتركة فتمتد عملية تحرير التجارة بين هذه الدول في شكل مؤثر وفعال لشعوبها ولدورها الإقليمي. وكانت المفاوضات الأولية، ليل الأحد، حول اتفاقية إلغاء تأشيرة الدخول للمواطنين الأتراك والمواطنين اللبنانيين، في عملية التنقل بين البلدين تمت على أساس مسودة اقترحها الجانب التركي تقضي بإلغاء التأشيرة للوافدين الى كل من البلدين عبر الجو، إلا ان الحريري أصر على ان يشمل إلغاء التأشيرة كل الموانئ البرية والبحرية إضافة الى الجوية فوافق الجانب التركي وجرى تعديل الاتفاقية التي وقعت امس بعد اجتماع الحريري مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي اعتاد الحريري على ان يناديه «أخي الكبير» (Big Brother). من جهة ثانية، خرج بعض أعضاء الوفد اللبناني، بعد المحادثات مع الوزير أوغلو مساء أول من امس بانطباع ان الديبلوماسية التركية ليست متفائلة كثيراً بالجهود المبذولة من اجل استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل في سياق الجهود الأميركية التي تُبذل حالياً. وقال بعض اعضاء الوفد اللبناني ل «الحياة» ان الجانب التركي يميل الى عدم توقع حصول اي تقدم في السلام في المنطقة مع وجود الحكومة الإسرائيلية الحالية نظراً الى تطرفها وتعنتها. لكن الجانب اللبناني وجد حرصاً لدى الجانب التركي على الحذر من إمكان الحكومة الإسرائيلية بمغامرات عسكرية في المنطقة. وقالت مصادر لبنانية ان الجانب التركي يتابع اتصالاته في المنطقة مع الأطراف كافة ومنها إسرائيل وأن بعض المسؤولين الأتراك لم يستبعدوا ان يقوم وزير الدفاع ايهود باراك بزيارة خلال الأيام المقبلة لأنقرة. وعلى صعيد المحادثات التي أُجريت امس وأدت الى توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، أوضح مصدر رفيع في الوفد اللبناني انها شملت أموراً وملفات أخرى غير التي تناولتها الاتفاقات والمذكرات وأن استكمالها سيتم على الأرجح خلال زيارة سيقوم بها أردوغان لبيروت خلال الأشهر المقبلة بعد ان تكون تمت بلورة هذه الملفات في إطار اتفاقات جديدة يجري التوقيع عليها عند زيارة أردوغان لبيروت. وأشار بعض الأوساط التركية لبعض المسؤولين اللبنانيين الى ان فكرة قيام رئيس الجمهورية التركية عبدالله غل بزيارة لبنان تلبية لدعوة وجهها إليه رئيس الجمهورية ميشال سليمان حين زار أنقرة قبل أشهر واردة مع انه لم يتقرر شيء في شأنها حتى الآن. إلا ان المتابعين للعلاقة التركية - اللبنانية رأوا ان إمكان حصول زيارتي غل وأردوغان للبنان دليل على الاهتمام الذي توليه أنقرة لمتابعة الوضع اللبناني ولمواصلة رعاية الاستقرار فيه والمساهمة في شبكة الأمان لأمنه. وذكر مصدر لبناني رفيع انه يفترض النظر الى منظومة التعاون الاقتصادي التركي - السوري - الأردني - اللبناني، التي تأمل أنقرة دخول العراق فيها لاحقاً، على انها منظومة تعاون أمني، إضافة الى التعاون الاقتصادي (وبالتالي السياسي)، يعطي لهذه الدول ثقلاً سياسياً إقليمياً ولتركيا الدولة الأكبر بينها دوراً إقليمياً أكثر أهمية. وينظر بعض اعضاء الوفد اللبناني الى اهمية زيارة الحريري وتركيز الجانب التركي على إبرازها وإلى فائدتها من زاوية الدور المثلث الأضلاع الذي تلعبه أنقرة منذ مدة، وينتظر ان تستمر في لعبه، إن لجهة دورها المتوقع في مواصلة رعاية تقدم العلاقات السورية - اللبنانية ومواكبتها وملاحقة تفاصيلها مع بيروتودمشق، او لجهة دورها في مفاوضات السلام الإسرائيلية - السورية الذي سبق ان لعبته وينتظر ان تستمر في لعبه بتأييد اميركي وتكرار سوري للحرص عليه. وأخيراً فإن الكثير من دول المنطقة ينظر الى دور تركيا الإقليمي على انه يؤهلها كدولة مركزية لأن تحقق توازناً مع دور إيران من دون خوض صراع معها، خصوصاً ان تركيا تلعب دوراً في اتصالات ايران مع الغرب حول ملفها النووي، كما انه دور إقليمي يتلاقى بحسب تأكيد أوساط ديبلوماسية في انقرة، مع المصالح المصرية والسعودية لأنه يتم بتنسيق متواصل مع القاهرة والرياض.