تراجعت أسعار العقارات في المغرب للسنة الثانية على التوالي، مسجلة انخفاضاً في معظم المدن وسط حديث عن وضع صحي مقلق لقطاع العقار، بعد إعلان إفلاس بعض الشركات الكبرى، ووجود فائض في المعروض من الشقق والفيلات التي لم تعد تجد زبائن، بعد أن كانت الأسعار وصلت إلى أرقام قياسية في السنوات الأخيرة. وأفادت مصادر بأن الأسعار تراجعت اثنين في المئة في المتوسط خلال الربع الأول من العام الجاري، بعد أن انخفضت نحو واحد في المئة في تعاملات العام الماضي. وشمل التراجع معظم المدن المغربية وبلغ مداه في طنجة التي خسرت عقاراتها 4.4 في المئة من قيمتها منذ مطلع السنة، وهي المدينة التي تشهد أكبر نهضة عمرانية بسبب مشاريعها الاقتصادية والصناعية والسياحية التي تجلب إليها آلاف العمال الشباب سنوياً. وأشارت المصادر إلى حركة بيع غير مألوفة تشهدها مدن مغربية، للتخلص من عقارات اشتُريت لتحقيق الربح، وتسديد مستحقات الديون خوفاً من مواصلة موجة الانخفاض. وقلل وزير الاقتصاد والمال المغربي محمد بوسعيد، من تداعيات أزمة العقارات في المغرب، لافتاً إلى أن الحكومة عازمة على دعم القطاع لأنه يشغل نحو 800 ألف عامل ويوفر نحو 50 في المئة من رأس المال الثابت، ونحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وأكد أن بعض الشركات يعاني من مشكلات في الأموال الذاتية بسبب فائض كبير في مخزون أنواع من الشقق والمنازل لم تجد لها مشترين لأسباب مختلفة، أهمها السعر والمساحة. وتقدّر ديون العقارات المصرفية بنحو 238 بليون درهم (25 بليون دولار). وأشارت مصادر وزارة المال إلى أنها قدمت إعفاءات ضريبية بلغت 6.6 بليون درهم العام الماضي لتشجيع المطورين العقاريين على بناء شقق اقتصادية ومساكن اجتماعية للفئات القليلة الدخل. وأفاد تقرير أصدرته مؤسسة « سي دي جي كابتال» بأن الحاجات المالية لثلاث شركات عقارية مدرجة في البورصة تقدر بنحو 40 بليون درهم على الأقل، وهي عبارة عن سيولة ضرورية لمواصلة النشاط العقاري. وأظهرت الدراسة أن الاستدانة المفرطة لتلك الشركات من المصارف الخاصة، والتسابق لشراء أكبر عدد ممكن من الأراضي، وتأخير تسليم الشقق من 128 إلى 270 يوماً، قد تكون من الأسباب المباشرة لأزمة العقار في المغرب. ولفتت جهات مهتمة إلى وجود أكثر من عشر شركات عقارية في حال إفلاس غير معلن، منها فرنسية وإسبانية عجزت عن إنهاء مشاريعها السكنية، وفشلت في الحصول على قروض مصرفية لاستكمال المشاريع، وتواجه دعاوى قضائية من مشترين دفعوا نحو نصف قيمة العقار من دون أن يتسلموه بعد أن تجاوز التأخير مدة العقود. وكان إفلاس مجموعة «فاديسا» العقارية الإسبانية الأسبوع الماضي في مدريد ألقى مزيداً من الشك حول مشاريع شركات محلية لها برامج مشتركة مع المجموعة الإسبانية في قطاع العقار والبناء والسياحة، خصوصاً في منتجع السعيدية على البحر المتوسط. يُذكر أن المغرب أنفق في السنوات العشر الأخيرة مئات بلايين الدراهم لبناء عشرات آلاف الشقق والمنازل والفيلات المختلفة في معظم المدن والمناطق، وقُدر عدد الشقق الجديدة بنحو مليون وحدة إضافية بمعدل كان يتجاوز 130 ألف شقة سنوياً، في محاولة للتغلب على أزمة الإسكان التي كانت مشكلة كبيرة لملايين الأسر المغربية قبل عقدين. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 70 في المئة من الأسر المغربية أصبح لها سكن مملوك، وهي نسبة عالية في شمال أفريقيا، ويملك نحو 30 في المئة من الأثرياء وحتى الطبقات الوسطى منازل وشققاً ثانوية بعضها في سفوح الجبال وغالبيتها على شواطئ البحر، خصوصاً في مدن أغادير ومراكش وطنجة والصويرة. وساعد الطلب الخارجي من المغتربين والمتقاعدين الأوروبيين وبعض الأثرياء العرب، في تنامي الطلب على العقار في المغرب، في السنوات التي سبقت الأزمة. وكانت عائدات العقار من الخارج تُقدر بنحو بليون دولار سنوياً. غير أن تلاحق الأزمات الاقتصادية الأوروبية والنفطية والإقليمية و »الربيع العربي»، وتزايد العرض في ظل ضعف الطلب، أوجدت حالاً من الخلل في سوق العقار، التي تطغى عليها الفيلات الفاخرة والشقق الاقتصادية - الاجتماعية، في تناقض صارخ بين الأعلى والأدنى، في وقت قل المعروض من الشقق المتوسطة الحجم (مساحة 100 متر مربع)، وهي النموذج المفضل للطبقات الوسطى الشابة. وتتبادل الحكومة والمطورون العقاريون التهم في شأن فشل التوصل إلى صيغة لبناء مزيدٍ من الوحدات السكنية الموجهة للطبقات الوسطى، بسبب خلاف حول قيمة الأرض ونسبة الإعفاء الضريبي وتجارب المرحلة السابقة.