حين انفجرت فقاعة الدوت كوم (التجارة عبر الإنترنت) عام 2001، وجرف سيل تداعياتها في طريقه طموحات جامحة حول سرعة تطور البنية التحتية للشبكة العالمية، من شبكة الألياف البصرية إلى مشاريع الاتصال السريع جداً بالعالم الافتراضي، بدأ كثر يترددون في التحدث عن ثورة للتكنولوجيا، خصوصاً تكنولوجيا المعلومات، توازي تأثيراً في الاقتصاد الثورة الصناعية أو تفوقها. لكن كثراً ظلوا متفائلين، على غرار ويليام هلال وكينث تايلر، محرري الكتاب «اقتصاد القرن الحادي والعشرين: آفاق اقتصادية – اجتماعية لعالم متغير»، الذي صدر بالإنكليزية عن «بالغرايف ماكميلان» في نيويورك عام 1999 وبالعربية عن «المنظمة العربية للترجمة»، في بيروت قبل أسابيع. ربما تأخُّر صدور الترجمة العربية لعقد من الزمن جعل كثيراً من المقالات البحوث التي تضمها دفتا الكتاب، وبعضها للمحررين فيما الباقي بأقلام 18 اقتصادي أميركي وأوروبي، تبدو وكأن الزمن الذي يحث الخطى حين يتعلق الأمر بالتكنولوجيا قد عف عنها بعض الشيء. بيد أن العمل لا ينفك يشكّل إضافة مهمة إلى المكتبة الاقتصادية العربية، فالمقالات – البحوث تتسم بجدية وأكاديمية غربيّتين تغيبان أحياناً كثيرة عما يُكتَب في التكنولوجيا والاقتصاد بلغة الضاد. ولا تنفك قراءة ما في الكتاب تبدو راهنة وكذلك مناقشتها، خصوصاً على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي لم يتوقعها العمل أو حتى يتخوف مما هو أقل منها. في تحقيق معمق صدر أخيراً في الأسبوعية الأميركية المتخصصة بالأعمال «بزنس ويك» تأكيد على أن ثمة دلائل متنامية على أن النقص الإبداعي منذ 10 سنوات «ليس فقط حقيقياً بل ربما ساهم أيضاً في الأزمة المالية اليوم». وتخاطب الأسبوعية القارئ: «عد بالذاكرة إلى عام 1998، إلى الأيام المبكرة لفقاعة التجارة عبر الإنترنت. في ذلك الوقت، غصت الأخبار بتقارير عن اختراقات مذهلة في العلوم والطب، من علاجات جديدة للسرطان، وعلاجات جينية وعدت بعلاج أمراض مستعصية، إلى الإنترنت السريعة جداً عبر الأقمار الصناعية، والسيارات التي تعمل بخلايا الوقود، والآلات المجهرية في الرقائق، وحتى الاستنساخ». ففي العالم عموماً والولاياتالمتحدة خصوصاً، وهي المحرك الأول للاقتصاد العالمي، أقله إلى يومنا هذا، والمكان الذي انطلقت منه شرارة الأزمة الاقتصادية العالمية، «يبدو أمر واحد واضحاً كفاية: جاء التأثير التجاري لمعظم هذه الاختراقات أقل بكثير من المتوقع – ليس فقط في الولاياتالمتحدة بل حول العالم. لم يُقر أي علاج جيني إلى الآن. ويمكن لسكان المدن الحصول على الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، لكنها أبطأ بكثير، وبفترات تأخير أطول، مقارنة بالخدمات الطموحة التي كانت تُطوَّر قبل عقد. ولم تتغير الجوانب الاقتصادية للطاقة البديلة كثيراً. وعلى رغم أن قطاع التكنولوجيا الحيوية استمر في النمو وإنتاج عقاقير مهمة...كانت المكاسب في مجال الصحة عموماً مخيبة، في مقابل الأموال الضخمة التي استُثمرَت في البحوث المتعلقة». وتضيف الأسبوعية الأميركية عن الولاياتالمتحدة حيث أطلق انهيار قطاع الإسكان بعد تضخمه في شكل مصطنع شرارة أزمة ائتمان محلية، ولدت أزمة مالية عالمية تفاقمت إلى الأزمة الاقتصادية الحالية، ما يلي: «مكّن التفاؤل بقوة احتمالات النمو الاقتصادي وول ستريت من الانغماس في الخداع و الجشع المالي. واستطاع المستثمرون والمصرفيون أن يقنعوا أنفسهم بأن ارتفاع أسعار المساكن معقول نظراً إلى مستقبل مشرق، يستند جزئياً إلى الابتكار القوي. وفي النهاية، أدى انهيار سوق الائتمان في أيلول 2008 إلى خفض التوقعات حول النمو في المستقبل، وأهلك تريليونات الدولارات من الديون». إذاً، نحن أمام كتاب كان يتفاءل عام 1999 بثورة تكنولوجية أثبتت اليوم أنها لم تكن على مقدار طموح الطامحين، أقله في الولاياتالمتحدة، حيث يعوّل العالم على انتعاش يطلق شرارة الانتعاش حول العالم. وهو إذ يفلح في تسليط الضوء في سلسلة مقالات على الأخطار التي ترتبها آفاق الاقتصاد الجديد، القائم على ثورة تكنولوجية طموحة، على البيئة العالمية التي أصبحت واحدة موحدة في ظل التعولم الاقتصادي، ويؤكد قدرة الرأسمالية على الاستمرار والتطور (وأضيف تجاوز الأزمات)، يعطي حيزاً كبيراً في شكل غير مفهوم لاقتصادات إسكندينافيا ويهمل إهمالاً غير مفهوم بدوره الاقتصادات الناشئة، خصوصاً منها الصين والهند ودول الخليج العربي، التي يحاول اليوم صناع القرار في الولاياتالمتحدة وبريطانيا ودول غربية أخرى إقناعها بأن تستثمر في بلدانهم بعضاً من فوائضها التجارية والنفطية لبث الدفء في اقتصادات هذه البلدان. ولم تكن الصين عام 1999 أقل لفتاً لأنظار المنظّرين الاقتصاديين منها اليوم، ويصح القول ذاته إلى حد كبير في الاقتصاد الهندي واقتصادات دول الخليج العربية. وللبحوث في كتاب هلال وتايلر إضاءة مهمة على تغير العلاقة بين الشركة والعامل مع بلوغ الاقتصاد الرأسمالي مرحلته الحالية السابقة للأزمة الاقتصادية العالمية، فثمة تراجع للبنية الهرمية التي عرفتها الشركات الغربية، خصوصاً في أوروبا، لتحل محلها علاقة أكثر ضبابية، وثمة تراجع لأهمية ما راكمه العامل من خبرة لمصلحة قدرته على تعلم أمور جديدة. وثمة إضاءة لافتة أيضاً على تداعيات هذه التغييرات على النسيج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، حيث يتزايد مع تقلص الأمن الوظيفي شعور الفرد بانعدام الأمن الاجتماعي. لكن ليس ثمة ضوء كاف يسلطه الكتاب على جانب آخر من جوانب انعدام الأمن الاجتماعي يتمثّل في استثمار صناديق التقاعد الأميركية أموال المودعين في مضاربات على الأسهم والأوراق المالية، ما حوّل مدخرات كثر إلى هباء مع التراجع السريع لأسواق المال منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. يتفاءل الكتاب كثيراً بانهيار الحواجز التجارية في تسعينات القرن العشرين، خصوصاً مع قيام منظمة التجارة العالمية في اليوم الأول من عام 1995. لكن ما لم يتوقعه المحرران والكتّاب المشاركون الخلاف الذي أعاق اختتام «جولة الدوحة» منذ انطلاقها عام 2001 في العاصمة القطرية بهدف العمل على إزالة العوائق الجمركية أمام تبادل السلع الزراعية والخدمات. والخلاف سببه الولاياتالمتحدة التي حملت لواء التجارة العالمية الحرة تماماً، فهي لا تريد التوقف عن دعم مزارعيها بأموال حكومية تمكنهم من إنتاج بضائع لا يحلم مزارعو الاقتصادات الناشئة والاقتصادات النامية (قل المتخلفة) بمنافستها مع الحواجز الجمركية التي تفرضها دولهم فكيف بعد إزالتها. والأدهى أن شبهة عودة إلى حمائية تجارية تحوم حول الولاياتالمتحدة ذاتها وحتى بعض الدول الأوروبية الأكثر تأثراً بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. * صحافي من أسرة «الحياة»