أن تكون جالساً في نادٍ رياضي مفتوح تحتسي الشاي وتأكل سندويتشات الفول والفلافل في عطلة نهاية الأسبوع بينما تحلّق طائرات «الأباتشي» وال «إف 16» فوق رأسك ورؤوس أولادك، فهذه ليست بالجلسة الطبيعية! وأن تكون عائداً إلى بيتك محملاً بتسوّق الأسبوع من سكّر وزيت وخضراوات فتقابلك سيارات الجيب التابعة للقوات المسلحة فتتحول إشارة المرور إلى «ميني احتفالية» بإطلاق أبواق السيارات وهتافات «مصر» و «الجيش والشعب إيد واحدة»، فهذه ليست بالإشارة العادية. وأن تكون عابراً على «كوبري أكتوبر» بعد زيارة للأهل والأصدقاء على الطرف الآخر من القاهرة، فتفاجأ بمجموعة من الملتحين يركضون هنا وهناك مدججين بزجاجات مولوتوف وأسلحة نارية وطوب وحجارة موجهة إلى المتظاهرين أسفل الكوبري في اتجاه ميدان التحرير، فهذه ليست بالعودة التقليدية! لكن من قال إن الحقبة الراهنة في حياة المصريين طبيعية أو عادية أو تقليدية؟! يعيش المصريون هذه الأيام عيشة غير العيشة التي عرفوها، ويتنفسون هواء غير الهواء الذي اعتادوه، ويسطّرون تاريخاً غير الذي اعتادوه. فرغم استمرار شظف العيش، وصحيح أن المواد التموينية لم تصبح أكثر وفرة أو أقل سعراً، وحقيقي أن أصوات الفرقعات تتردد بين الحين والآخر هنا وهناك بين ألعاب نارية وطلقات تحذيرية، إلا أن البؤس والوجوم وملامح القرف ومعالم الاشمئزاز التي غطت وجوههم على مدار عام مضى انقشعت وبدأت ملامحهم الأصلية تعود رويداً. وما كان يتردد بالأمس القريب فيصدقه البسطاء ويتعاطف معه السذج بات يثير مصمصات شفاة المحوقلين وضحكات شفقة الطيبين! فتغريدات الهزع الأخير المنطلقة من مربع «رابعة العدوية» عن «مسيحية تخرج من ميدان التحرير وتتجه صوب رابعة وتعلن إسلامها» و «حمامات خضراء تحلّق في الميدان إيذاناً بعودة الشرعية والشريعة» و «الصحابة يظهرون في منام أئمة رابعة ويبشرونهم بأن الشرعية قادمة لا محالة» باتت أشبه بأفلام الخيال العلمي البدائي الذي يسخر منه الأطفال. لكن السخرية لا تنفي التوتر والخوف السائدين بفعل تجييش قيادات الجماعة وحلفائها من المجموعات الدينية لأنصارها الذين أقنعتهم أنهم في حرب ضد أعداء الإسلام. فالمقيمون في «رابعة العدوية» وأفرعهم التي يحاولون تجييشها وحشدها مرة لضرب المرابضين في «التحرير» ومرة لاقتحام أقسام الشرطة ومرة ثالثة لتنظيم المسيرات والاعتصام في مربع «دار الحرس الجمهوري» الذي يعتقد أن يكون الدكتور محمد مرسي في داخله يتداولون عبر قاداتهم وزعماء خلياتهم أخباراً مصنوعة خصيصاً لرفع الروح المعنوية حيناً وتأجيج مشاعرهم الدينية أحياناً وتحريكهم لتنفيذ خطط رموز الجماعات دائماً. يخرج أحدهم من خيمته رافعاً راية «مشروع شهيد» فيهلل رفاقه ويكبّرون دعماً وتأييداً. وينضم أحدهم إلى الاعتصام حاملاً كفنه فيثنون عليه ويباركون خطوته الإجرائية نحو نيل الشهادة. ورغم أنهم نسوا أو تناسوا أن هذه الإجراءات قبل أيام قليلة فقط كان يفترض أن تكون موجهة لتحرير القدس أو نصرة سورية أو رفعة بورما، إلا أن بقية المصريين لم ينسوا. في طابور السوبرماركت، وضمن الأحاديث الاجتماعية الكثيرة التي تدور في مثل هذه المحافل «السوسيو - تسوّقية» قال أحد الواقفين إن «الإخوان وحلفاءهم أشبه بأسطورة خط بارليف الذي لا يقهر، لكن الجيش والشعب قهرا كليهما، والحمد لله»، ورد عليه آخر «يكفي ما حدث من فضح لأميركا. على أوباما الآن أن يقف ويعلنها صريحة: نحن لا نتفاوض مع الإرهابيين، نحن نمولهم فقط»! الجميع في مصر يعرف أن الأيام المقبلة بالغة الصعوبة. فالوضع في سيناء خطير، والأحوال في المدن والمحافظات غير مستقرة، وهجوم أنصار الجماعة وحلفائها على المصريين من معارضيهم غير محمود العواقب، لكن حالة من النشوة غير منزوعة القلق والتوتر تسيطر على الغالبية. هناك من يتعجل عودة مصر البهية شكلاً وموضوعاً، وهناك من يبدع شعراً في انتظار اكتمال زوال الغمّة فيقول: «إنما تظاهرات الإخوان ما بقيت ... فإن ذهبت أوتوبيساتهم ذهبوا»، وهناك من يتعجب من قدرة المصريين على أن يسطّروا في أقل من ثلاثة أعوام في كتاب التاريخ فصلاً عن «رئيس مخلوع» وآخر عن «رئيس معزول» ويبدد قلق من يشككون في إمكان نجاح أي رئيس قادم في أن يكمل مدته الرئاسية من دون خلع أو عزل باقتراح أن يجتمع أربعة أو خمسة رؤساء ويشتركون في مدة رئاسية واحدة. وبين رئيس مخلوع وآخر معزول، يبقى ميل طبيعي لدى المصريين للإفراط في المشاعر والمبالغة في الحب. فأهل الإسكندرية يقترحون تغيير محطتي «سيدي جابر» و «سيدي بشر» إلى «سيسي جابر» و «سيسي بشر»، وهواة الطرب يرون حتمية تعديل أغنية الفنانة ميادة الحناوي «سيدي انا» إلى «سيسي أنا»، أما خبراء الإلكترونيات فيقولون إن الأفضل ليس «إل سي دي» ولا «إل إي دي» لكن «إل-سي-سي»! وكما تستمر مجريات الأيام العصيبة والدامية تستمر كذلك روح المصريين الساخرة والضاحكة رافعة شعار «مصر لكل المصريين»!