على مر العقود الماضية تلاعبت شركات الأسمنت في السعودية بأعصاب المواطنين بشتى أنواع الطرق والأساليب وأسهمت بشكل كبير في خلافات بين مقاولين ومواطنين وجهات حكومية مع منفذي مشاريع، ومارست كل طرق الإخفاء والتعطيل والتأخير حتى تتحكم في السوق وتستطيع رفع الأسعار إذا لم تكن من خلال الشركات مباشرة فمن خلال موزعي الأسمنت وأصحاب الشاحنات. مرة من تعطل أحد خطوط الإنتاج لديها في المصنع أو انخفاض في استيراد مادة الكلنكر، وأعذار واهية ومحكمة فقط من أجل أن يصل سعر كيس الأسمنت إلى المستهلك النهائي بسعر مضاعف عن السعر الحقيقي، ليس هذا فحسب بل كانت تصل بعد جهد مضنٍ، وتدخل من الجهات الأمنية ووزارة التجارة، وتعقب للشاحنات التي كانت تخرج من المصانع محملة بالأسمنت وتختفي في منتصف الطريق ولا أحد يعلم عن الشاحنة أين ذهبت، وكيف اختفت وهي محملة بكل هذه الكميات الكبيرة، ومنذ عقود المواطن السعودي يعاني من هذا التلاعب من شركات الأسمنت وعددها نحو 14 مصنعاً تنتج سنوياً نحو 70 مليون طن. الآن بعد أن تجددت الأزمة بشكل لافت مع شركات الأسمنت التي من الواضح أنها غير قادرة على تلبية حاجات السوق المحلية، فيما كانت تحارب وتقاتل من أجل السماح لها بالتصدير، وهي تعلم كل العلم أنها لا توفي بحاجة السوق، فكيف تطالب بالتصدير إلى الخارج إلا إذا كانت الحسابات الخارجية لديها أفضل من الداخل؟ بعد صدور توجيهات الملك عبدالله بن عبدالعزيز بضرورة تغطية النقص الموجود من الأسمنت بفتح الأبواب أمام الأسمنت المستورد، وهذه الخطوة كانت جداً مهمة من العاهل السعودي لمواجهة الطلب المرتفع، خصوصاً أن هناك مشاريع ضخمة يتم تنفيذها، ابتداءً من توسعة الحرمين الشريفين، ومشاريع وزارة الإسكان لبناء نحو 500 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى المهمة الأخيرة التي أسندت إلى وزارة الإسكان وهو عمل البنى التحتية لمخططات سكنية تهم المواطنين، إضافة إلى مشاريع المدن الاقتصادية وغيرها من المشاريع الأخرى التي يتم حالياً تنفيذها، أو في السنوات المقبلة... هذا يعني أن السعودية بحاجة إلى نحو 200 مليون طن سنوياً حتى تفي بالغرض وحاجات السوق، وأيضاً لا يسمح بالتلاعب في الأسعار. الشيء المستغرب أن وزارة التجارة والصناعة بعد صدور الأمر الملكي وجهت مصانع الأسمنت باستيراد الكميات المطلوبة وهي نحو عشرة ملايين طن، إنما الشيء المستغرب أن وزارة التجارة اجتمعت مع أصحاب المصانع وطلبت منهم تنفيذ مهمة الاستيراد، وهذا أمر محير بالفعل، خلال العقود الماضية تلاعبت هذه المصانع وحلقت «رؤوس المواطنين على الزيرو» والآن تطلب وزارة التجارة منهم أن يستوردوا الأسمنت من الخارج، أليس هذا مدعاة للاستغراب، وهنا يدعو الأمر للتساؤل، وهل ستترك هذه الشركات من دون أن تبحث عن طرق وأساليب لترفع السعر وتوصله إلى المستوى الذي تريده، منذ صدور القرار وشركات الأسمنت تتعذر من خلال تصريحات يبدو أنها خطوة نحو التلاعب، فمرة تقول إن أسعار الأسمنت تختلف من بلد إلى آخر، ومرة تقول إنه ليس لديها أماكن تخزين جيدة، والبعض يقول إن فرق العملة وارتفاع الأسعار في بلد المنشأ قد يرفع السعر. من وجهة نظري كان على وزارة التجارة أن تترك شركات الأسمنت في حالها حتى تتفرغ في تحسين خطوط الإنتاج لديها وتوسعتها، وتحسين طريقة التسويق والتوزيع وتحديد أماكن البيع، وأيضاً تتفرغ في زيادة إنتاجها، وتتجه إلى إنشاء شركات جديدة مهمتها فقط الاستيراد من الخارج وليس لها علاقة بمصانع الأسمنت المحلية، وجعل السوق مفتوحة للمنافسة ما بين أسمنت مستورد وآخر محلي. وبذلك نستطيع كسر احتكار هذه المصانع وشركات الأسمنت، خصوصاً إذا ما علمنا أن الأسمنت أحد أهم السلع الأساسية التي تحتاجها البلاد، وهي تهم الدولة والمواطن، وأي تلاعب في أسعارها تؤثر على قيمة عقود ومشاريع وتعطيل الكثير منها. إسناد مهمة استيراد الأسمنت من شأنه أن يجعل السوق في دائرة التلاعب بالأسعار والكميات، ومن المهم على وزارة التجارة أن تفتح باب الاستيراد من الخارج لأي شركة تحدد لها المواصفات والمعايير المطلوبة من توفير مخازن ومعدات تعبئة، وأيضاً تأسيس شركات كبرى لتوزيع وتسويق الأسمنت، أحد الحلول الفعلية هو كسر الاحتكار من شركات الأسمنت وفتح المجال أمام شركات متعددة للاستيراد، ومادام هناك تلاعب فالحل الوحيد هو إغراق السوق بما يجعلها مفتوحة وفي متناول يد الجميع وبأسعار مناسبة. ويجب ألا نفرق بين مصانع الأسمنت ومصانع انتاج الدجاج أو الزيوت والشعير والدقيق، فانفتاح السوق على المستورد من الخارج مع ما هو موجود في السوق من صناعات محلية يجعل الأسعار متوازنة. وزارة التجارة مطالبة بأن تفتح تنقل صلاحيات استيراد الأسمنت من شركات ومصانع الأسمنت إلى شركات أخرى متخصصة، أما إذا بقيت الحال هكذا فهذا يعني أننا مقبلون على ألاعيب جديدة سيكون ضحيتها المواطنين وعقود البناء ومشاريع التنمية، وهي زيادة الأسعار وشح الأسمنت في الأسواق. * كاتب وصحافي اقتصادي. [email protected] @jbanoon