استقرار الشرق الأوسط    مؤشر سوق الأسهم يغلق على ارتفاع ب126.95 نقطة    أمريكا تواصل ضرب إيران وطهران تنفي السعي لمحادثات إنهاء الحرب    ولي العهد يبحث هاتفيًا مع رئيس تشاد التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة    دوري يلو 25.. الفيصلي ينتصر وأبها يتعثر    الدراسة في رمضان والحضور الشكلي    إبستمولوجيا الفنون البصرية.. من المحاكاة إلى البنية المعرفية    عبدالرحمن الزاحم.. يصنع كرة أرضية تنبض بالحياة    مسلسل شارع الأعشى    مسجد أبي بكر الصديق.. قصة أول الخلفاء    دم لا يعرف طريقه    حماة الوطن    بين تعليم عسير والتعليم حين يلتقي القرار بصوت الميدان    شيخ الإذاعيين    يجمعنا ونحن نستسلم للحياة التي تفرقنا    سحر البيان والإقناع القسري    جمعية عطاء بخميس مشيط تحتفي بيوم اليتيم العربي وتكرّم أبناءها    البحرين تعلن تدمير 74 صاروخًا و117 طائرة مسيرة إيرانية منذ بدء الاعتداء الغاشم    «واتساب» تتيح الاختيار بين إرسال وجدولة الرسائل    الأمن والأمان    أمير نجران يستعرض تقريري مؤتمر التقنيات الذكية ومنتدى تعليم المهن الصحية    في الجولة ال 25 من دوري روشن.. ديربي جدة يخطف الأنظار.. والنصر يواجه نيوم    وزير الخارجية يبحث التطورات مع نظرائه ب 4 دول    نيابة عن خادم الحرمين وولي العهد.. أمير الرياض يستقبل عميد السلك الدبلوماسي و«رؤساء المجموعات»    اتحاد القدم يفتح التسجيل لدورة الحكام المستجدين في مختلف المناطق    دعم استثمارات القطاعات الحيوية.. 3.3 تريليون ريال ائتماناً مصرفياً    استعراض «موارد القصيم» أمام فهد بن سعد    مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار: الاستثمار والتكنولوجيا يتصدران «قمة الأولوية» في ميامي    مجلس القضاء يقر تسمية رؤساء ومساعدي محاكم «المظالم»    تعزيز قطاع الأعمال في جدة    أمير جازان يشهد توقيع مذكرة تعاون بين «السجون» و«ثمرة»    «الخدمات الأرضية» بجدة تقيم مأدبة إفطار    اجتماع خليجي – أوروبي طارئ لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية    نجا من الهجوم على والده.. مجتبى خامنئي.. الخليفة المحتمل    بابل وآشور    مسلسلات النصف الثاني من رمضان    «الحكواتي» يحيي ذاكرة السرد الشعبي في ليالي حراء    الذكاء الاصطناعي الرخيص    بيان أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يأخذ القرآن عن معلِّم    فرق ما بين صيامنا وصيام من قبلنا    «ليلة أثر» ..شراكات مثمرة وأثر يمتد    تنفيذ برنامج خادم الحرمين لتفطير الصائمين في بنجلاديش    مشروعية السواك للصائم    عملية جراحية بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالحمراء تنهي معاناة سيدة مع هبوط الحوض وسلس البول    الصوديوم المختبئ يهدد مرضى الضغط    إستراتيجية لعلاج السكري من النوع الأول    صيني يربح 23 ألف دولار بإطعام القطط    في أجواء رمضانية مفعمة بالود.. "نماء جازان" تقيم إفطارها السنوي الثاني لعام ١٤٤٧ه    الأمين العام لجمعية الكشافة يزور المعسكر الكشفي الرمضاني بالمدينة المنورة ويشيد بجهود المتطوعين في خدمة زوار المسجد النبوي    نجاح العملية الجراحية لركبة لاعب الهلال حمد اليامي    الهلال يعلن مشاركة كريم بنزيما في التدريبات الجماعية    برنامج زكاة الفطر الموحد.. عشر سنوات من التطوير المؤسسي وتعظيم الأثر    *بقرار مجلس الوزراء المهندس" الوباري" للمرتبة الرابعة عشر مديراً لفرع وزارة التجارة بمنطقة تبوك*    دله الصحية تسجل أعلى إيرادات سنوية وربعية في تاريخها مع نحو مليون زيارة إضافية خلال 2025م وصافي الربح السنوي يقفز 14.2% إلى 538 مليون ريال سعودي    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: السعودية ستتخذ الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها وأراضيها    النفط أمام سيناريو تخطي حاجز 150 دولارا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نهب المتحف العراقي : وداعاً حضارات سومر وبابل وآشور والعباسيين
نشر في الحياة يوم 05 - 05 - 2003

لا يعني نهب متحف مثل المتحف العراقي بالكامل، وهو من أغنى متاحف العالم بالأثر الرافديني والعباسي، غير سدل الستار على حضارة وعمران ظلا شاهدين على تخلف وهمجية الحاضر، فمدينة أور التي توصلت، قبل ستة آلاف عام، إلى تقدم طبي أتاح لطبيبها إجراء العملية القيصرية، لا يجد سكانها اليوم ضمادات لجروحهم. والبصرة التي توصل مفكرها المعتزلي إلى قانون الجاذبية مستخدماً تفاحة نيوتن ذاتها، خالية اليوم من المراصد وأهلها حفاة يسعون وراء الماء، ويتراكضون خلف أكياس خبز المعونات. هل نهب عيارو بغداد تاريخ بلادهم، وهم لا يمتلكون وعياً آثارياً، ليبادلوه بخبز ودواء، فقادتهم الحاجة إلى التنسيق مع لصوص دوليين، فتصل اللقى الأثرية على جنح السرعة إلى باريس؟ ولماذا لم يفكر الأميركيون بحراسة بوابات المتاحف وخزائن المخطوطات، مثلما حرسوا منابع النفط، مع أن المتاحف أعز وأنبل بكثير؟ لأنها ليست سيالة من باطن الأرض، حتى تسد خسارتها؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها لحظة ضياع ودائع حفظها تراب العراق ثم متاحفه آلاف السنين، وهي الشاهد الوحيد على رقي عمرانه. ولعل نهب المتحف العراقي وخزائن المخطوطات ومسحهما من الوجود، بطريقة تزاوجت فيها الحضارة والبداوة، يدفع إلى التنازل عن محمية آثار سومر وبابل في المتحف البريطاني ومتحف اللوفر في باريس ومتحف بيركامون في برلين، ما دمنا غير متحضرين إلى مستوى حماية تاريخنا من طارئات الثورات والحروب. وهنا أعلل النفس أن تتأكد إشاعة أن ما نهب من المتحف العراقي لم يكن إلا مستنسخات جبسية عن الأُصول، التي قيل إنها ما زالت محفوظة تحت الأرض، منذ حرب 1991، ومن الأماني أنها سلمت من يد تجار السلطة آنذاك.
تأسيس المتحف العراقي
المتحف المنهوب أسسته السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي البريطاني المس بل العام 1923، في غرفة من غرف دار الحكومة، المعروفة منذ زمن مدحت باشا بالسراي، وتوسع مع توسع عمليات اكتشاف الآثار، فنقل إلى بناية خاصة في شارع المأمون بالرصافة، قريباً من سوق السراي، حيث دكاكين الوراقة، وفي العام 1932 كُلف المهندس الألماني وارنر مارخ وضع تصميم لبناية مناسبة للمتحف، لم تنجز إلا في العام 1963، على مساحة تبلغ 45000 متر مربع، تشغل مساحة خزائن الآثار منها 460 متراً مربعاً، منها مخبأ لحماية الآثار من الغارات الجوية وعوارض الحرب دليل المتحف العراقي 1966. منذ ذلك التاريخ استقر في مكانه الحالي في الصالحية غرب بغداد، بعد أن رفع من أمامه تمثال نصفي لمؤسسته المس بل، تكريماً من الملك فيصل الأول، ليحجب عن المشاهدين داخل المخزن، وينقل فيما بعد إلى متحف ثورة العشرين في النجف، الذي افتتح في 1979، وحول مصير التمثال قال موظف المتحف المذكور محمد سعيد الطريحي: "أمر خير الله طلفاح، خال صدام حسين، بمصادرة متحف ثورة العشرين بالكامل، بعد سنتين من افتتاحه، وكان التمثال ضمن ما صُودر، ولا نعرف أين استقر به المقام". ضم المتحف، إضافة إلى مدخله المحاط بالثيران المجنحة، إذ شيد على غرار البوابات الآشورية، قاعات خاصة بآثار العصور الحجرية وعصر العبيد، الآثار السومرية، الآثار البابلية، الآثار الآشورية، آثار مملكة الحضر، والآثار الإسلامية في مختلف العصور، إضافة إلى ثلاث قاعات تعليمية وتربوية خاصة بمعروضات فنون العراق وصناعاته القديمة. وحسب تصريح نبيهة الأمين نائبة آخر مدير للمتحف، فإن مجموع الآثار المنهوبة والمدمرة منه بلغت 170 ألف أثر، وهي رصيده الكامل، إلا ما تعذر نقله أو تدميره يوم اقتحامه 11 نيسان ابريل 2003.
بين العثمانيين والمنقبين
منذ العهد العثماني وسرقات الآثار تجري على قدم وساق، ففي أواسط القرن التاسع عشر حملت السفن أنفس الآثار العراقية إلى المتاحف البريطانية والفرنسية والأميركية، وكانت البعثة التي تحصل على فرمان سلطاني بالتنقيب تحمل ما تشاء من الآثار، من دون رقيب. قال سيتون لويد، المستشار الفني لمديرية الآثار العامة، في مقال نشرته مجلة "سومر": "خلال تلك المدة سار على نهر دجلة الكثير من السفن والإكلاك المسروقة بالمنحوتات الآشورية، المرسلة إلى المتاحف الرئيسية في أوروبا والعالم الجديد، والمستندات التاريخية التي لا تُثمن، تلك التي حلَّ رموزها علماء الغرب".
من تلك الآثار طول "ميلين من الألواح المنحوتة، وسبعة وعشرين مدخلاً مكوناً من ثيران مجنحة ضخمة، وأسود جاثمة". أما ما حمله الألمان من آثار بابل إلى متحف بيركامون في برلين، بعناية فائقة، كان بوابة عشتار، وضريح نبوخذ نصر الحجري، ومئات من القطع الأثرية الأخرى. ما زالت بوابة عشتار، بكامل هيئتها تقريباً، تضفي على متحف برلين الهيبة والعمق التاريخي، فبين جدرانها يحلم الزائر أنه في بابل وليس في برلين، يشم عبق القرون الخوالي، ويفيق من حلمه هذا على أجهزة الحراسة الحذرة جداً، أو صوت المترجم الآلي، أو على رطانة السياح المبهورين. وقفت أتأمل ألوان أحجار البوابة الزاهية، من أي مادة حضرها الفنان البابلي، وكيف شكلها هذه التشكيلة العجيبة، فأعطاها قوة البقاء عبر الدهور.
شغل ضريح الملك نبوخذ نصر غرفة كبيرة تحت الأرض، ويبدو المكان مثل مزار، هاجس الزائر وهو يطوف حول الضريح الحجري معرفة ما بداخله، فأين جسد الملك ومجوهراته المدفونة معه، كما ورد في الألواح؟ عموماًلم يبق من البشر البابلي، الذي صال وجال وشيد تلك الحضارة العظيمة، غير جثمان متفحم لصبي ما زال محتفظاً بهيئته الخارجية، معروضاً داخل صندوق زجاجي. أما عن كنوز بابل الذهبية فيؤكد أهل المدينة، أنهم يعثرون بين فترة وأخرى على ضريح مفتوح، فيه عظام وجماجم، تركها السراقون بعدما نهبوا ما فيها من المعدن النفيس والحجر الكريم. ذكر المتنبي نفائس بابل وسحرها، وهو يفخر بنفسه قائلاً:
ما نال أهل الجاهلية كلهم شعري
ولا سمعت بسحري بابل
سرقة المستر كوك
نقل البريطانيون أنفس الآثار، السومرية والأكدية والعباسية، إلى المتحف البريطاني في لندن، منها غنائم حرب، ومنها عن طريق بعثات التنقيب. وتحدث ساطع الحصري عن حصة بعثات التنقيب من الآثار: "عندما أحتل البريطانيون العراق كانت الآثار التي اكتشفتها بعثة هرسفلت في حفريات دور سامراء باقية هناك نحو 150 صندوقاً، وعندما استولى الجيش البريطاني على سامراء نقلت الصناديق المذكورة بأجمعها، وأعتبرها من غنائم الحرب، وأهداها للمتحف البريطاني في لندن" مذكراتي في العراق. أما السرقة المفضوحة تلك التي قام بها مدير الآثار العراقية - البريطاني مستر كوك، ابان الانتداب على العراق، فأمست صناديق المستر كوك، مادة نقاش في البرلمان العراقي، ومادة حديث في المجالس البغدادية، وشاعت بين الناس عبر قصيدة الشاعر الشعبي البغدادي ملا عبود الكرخي: "لا تلقلق يحبسوك، ولا تكول انهزم كوك، ولا تكول انهزم أعلم، يا عراقي كثير تندم، من العراق آثار هرب، لا تكول وتالي تتعب، لأن واحد كوك ينهب، غيره يا كرخي لكوك" الديوان. وأثارت هذه السرقة النائب جعفر أبو التمن، وغيره من النواب فدافعوا عن اقتراح تعيين مراقبين عراقيين في مواقع التنقيب، بينما رفض ذلك رئيس الوزراء توفيق السويدي. وقال أبو التمن: "ذكر فخامة رئيس الوزراء مسألة المراقبين ومصاريفهم، التي صرح القانون بلزوم تأديتها من قبل البعثات، غير أنه يشك في أن تعيين المراقبين ينتج منه فائدة… ولكن أشك بناء على التجارب التي مضت بأن هذه الدائرة أخذها على عهدته مَنْ كنَا نظن أنه يحميها من كل تلاعب، ولكن سمعنا أنه تاجر بكثير من الأحجار والأدوات والآثار" المصدر نفسه، نص مداخلة أبي التمن في البرلمان.
خلاف بريطاني - عراقي
بدأ الاهتمام الحكومي بالأثر العراقي بتأسيس الدائرة الأركيولوجية 1920، التي الحقت بوزارة المعارف، وأشرفت عليها مس بل، التي سعت إلى إلحاق الآثار بوزارة المواصلات والأشغال بدلاً من المعارف، ولها الفضل في تأسيس أول متحف عراقي، وبعد وفاتها تولى الإدارة المستر كوك، لكنه سرق الآثار وطُرد من العراق، فتولى الأمر سدني سمث، وكان يشغل وظيفة معاون مدير المتحف البريطاني، ثم تسلمها الدكتور يوردان، وهكذا ظلت إدارة الآثار تحت المسؤولية البريطانية حتى تعيين ساطع الحصري مديراً 1934، شريطة أن يبقى يوردان مستشاراً.
وكانت لساطع لحصري جهود طيبة في حماية آثار العراق، ويذكر أن السفير البريطاني وجه رسالة إلى وزارة الخارجية العراقية محتجاً على التعيين، بذريعة أن الحصري ليس مختصاً في الآثار، مما يؤدي إلى صعوبات أثناء التعامل مع بعثات التنقيب. فاضطرت الحكومة العراقية، ممثلة بوزير خارجيتها نوري السعيد، إلى طمأنة السفير، ما أزعج الحصري كونها ألزمته مشاورة يوردان، والأخذ بمشورته، فوجه رسالة إلى الحكومة يؤكد فيها أن الاستشارة متعددة، وهي ليست حكراً ليوردان.
وتقسم الآثار المستكشفة، حسب قانون 1924 مناصفة بين البعثة المنقبة ودائرة الآثار، هذا بالنسبة إلى لآثار المكررة، أما في الآثار الفريدة فيجري تقسيمها بالقرعة، وحسب الحصري هناك ما تأخذه بعثات التنقيب من حصة العراق بحجة صيانتها، ومعالجتها معالجة خاصة، وبالتالي تذهب إلى المتاحف الغربية من دون عودة. أما قوانين الآثار اللاحقة فأخذت تضمن حق العراق في آثاره. وأهم ما تحقق وفقاً لتلك القوانين حرية دائرة الآثار في تعيين المراقبين، وفرض شروط إضافية على بعثات التنقيب، حتى أن عددها تراجع من إحدى عشرة بعثة إلى سبع بعثات.
وحرصاً على حماية الآثار جاء في تقرير لجنة المعارف العام 1934: "ان السنوات تتوالى وآثار العراق الخالدة تتسرب إلى المتاحف الغربية، ومن رابع المستحيلات الحصول على أصغر حجر من تلك الآثار القيمة حتى لو قدمت الملايين لشرائها من المتاحف، التي وضعت اليد عليها، وفقاً لأحكام قانون 1924". وقبلها واجه نائب الموصل ضياء يونس مماطلة رئيس الوزراء توفيق السويدي، لحماية الآثار، في جلسة من جلسات البرلمان العام 1929، بالقول: "لا أزال أسمع أن هناك أشياء تكتم، ولكن لم تتح لي الفرصة حتى الآن لأجل أن أذهب وأرى وأذكر، وأظن أن فخامة رئيس الوزراء أيضاً يعلم أن الآثار المصرية التي ظهرت في السنة 1924 أشيع بأن الهيئات التي حفرت هناك ستسرقها، حتى أن شوقي أشار إلى ذلك ببيته المشهور:
أمن سرق الخليفة وهو حيٌ
يعفُ عن الملوك مكفنينا
وللغرض نفسه حث نائب الموصل الخوري يوسف خياط الحكومة على إصدار قرار يلزمها تعديل قانون الآثار القديمة البالي، بما يضمن منافع العراق، والإسراع بوضع مادة قانونية تمنع إجازات الحفر والتنقيب، والإشراف على جميع المواقع الأثرية، ومنع نقل الآثار إلى الخارج.
ولم تقتصر جهود الحصري على حماية الآثار المنقولة، وإنما بذل ما في وسعه لصد موجة إزالة المعالم الأثرية أو تحديث أبنيتها، بنظرة متعالية على الإرث الحضاري، وجاء في مذكراته: "عندما فكر أرشد العمري في إنشاء بهو الأمانة أمانة العاصمة خارج سور القلعة أخذ يهدم البرج القائم في نهاية السور من جهة الشط، فتدخلت المديرية الآثار في الأمر وأوقفت أعمال الهدم". لكن العمري استغل انقلاب 1936، فأقنع قائد الانقلاب بكر صدقي لاستصدار قرار تتخلى بموجبه مديرية الآثار عن الموقع التاريخي المذكور لأمانة العاصمة، وبذلك تم هدم البرج الأثري. وإذا كانت إدارة الآثار فشلت في حماية المناطق الأثرية من تصرفات أمين العاصمة فإنها نجحت في إنقاذ خان مرجان التاريخي من خطة مدير الأوقاف رؤوف الكبيسي لإلغاء ملامحه التاريخية وتحويله إلى عمارة حديثة، فأسرعت إلى جعله متحفاً للآثار العربية الإسلامية. وعلى صعيد آخر عرقلت دائرة الأوقاف محاولة ترميم منارة الغزل وجامع الخلفاء، بحجة المصاريف الكبيرة، وعدم أهمية الجامع.
غير أن رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم تحمس لعمليات تجديد الجامع المذكور، وتكليف المعماري محمد مكية بالمهمة، وشجع مخطط التجديد والتوسيع، بمد طريق مشجر بالنخيل من بوابة الجامع إلى ساحل دجلة، وفتح ميدان متصل بضفة النهر، يكون مركز بغداد الحضاري، ويليق بها كحاضرة عباسية، لكن العمل في الجامع توقف بعد انقلاب 8 شباط فبراير 1963، وأعلن عن افتتاحه قبل إتمام العمل حسب خرائط التصميم، ثم التلويح بإحالة المعماري مكية للتحقيق بتهم باطلة، منها الإدعاء بحرف اتجاه المحراب وكسوته بزخرفة صليبية.
كادر وطني متخصص
في مجال الاهتمام الحكومي بصيانة الآثار وتطوير العمل فيها بالاعتماد على الكادر الوطني، نفذت الحكومة طلب البرلمان القاضي بإرسال طالبين للدراسة في المعاهد الغربية. وكان أول المبتعثين طه باقر وفؤاد سفر اللذين درسا في معهد شيكاغو علم الأنثربولوجي علم الإنسان ومواد الآثار والتنقيب والتاريخ القديم، واللغات التي كُتبت بالخط المسماري، واللغة العبرية فوزي رشيد، طه باقر حياته وآثاره. وبعد عودتهما من الدراسة احتلا مراكز مهمة في مديرية الآثار العامة، وصدرت لهما مؤلفات عدة في مجال الآثار والتنقيب وتاريخ العراق القديم، وبجهودهما تأسست مجلة "سومر" ذات البحوث العلمية، وتوسعت رقعة التنقيب، وازدانت المتاحف العراقية بآثار جديدة الاكتشاف، ودرب باقر وخرّج جيلاً متفوقاً من الأثريين العراقيين. وتوافقاً مع مخزون التراب العراقي من الإرث النفيس، هناك مَنْ طالب بتدريس علم الآثار في المدارس الثانوية، انطلاقاً من أن الآثار هي ثروة العراق الكبيرة.
بابل تتعرض للتشويه
قبل نهب المتحف العراقي بالكامل واجهت ثروة العراق الكبيرة استنزافاً، ليس من السطو على أماكن التنقيب فحسب، بل سرقات مفضوحة من المتاحف، وآخرها كان الكنز الآشوري الذهبي، وقصة هذا الكنز، أنه حديث الإكتشاف، وقد طلب نقله لمعاينته من قبل جهات عليا، لكنه لم يعد إلى مكانه في المتحف العراقي. وعلى رغم ما بذله الأثريون العراقيون لحماية الأثر العراقي عموماً إلا أن الغرور السلطوي السابق قاد إلى العبث في آثار بابل وسومر، فشوه القصر الرئاسي المنطقة الأثرية، ومنها شارع الموكب الشهير، بإعادة تعبيده، وإضافة البنايات على جانبيه، وإعادة بناء المعابد بأسلوب معماري معاصر، لا علاقة له بنمط العمارة البابلية، ودهن الأبنية بالصباغ الأبيض، وبناء المسرح البابلي حتى يتسع للاحتفالات بعيد ميلاد الحاكم المخلوع.
أما أسوأ تلفيق حدث في جدران بابل القديمة فهو نقش صورة صدام حسين إلى جانب صورة الملك الشهير نبوخذ نصر، مع عبارة تقول: "من نبوخذ نصر إلى صدام حسين المجيد بابل تنهض من جديد". وعلى صعيد آثار المدائن 35 كلم جنوب بغداد تقرر رفض ترميم وصيانة إيوان كسرى، الأثر الذي يمتد تاريخه بطرازه الآشوري إلى زمن سحيق من تاريخ العراق. ومثل هذا الموقف لا يميز بين اللحظة، بما جرى بين إيران والعراق، وعشرات القرون، فقد تم تبرير عدم ترميم هذا الصرح التاريخي والحضاري بأنه أثر ساساني.
وقبل سلب المتحف العراقي، كان قسم من محتوياته يتم تداوله في السوق السوداء، بعد تهريب القطع بالتنسيق مع حماتها المفترضين بفضائح فاقت فضيحة مستر كوك. وتتردد مبالغات في الحديث عن هيمنة النظام السابق وتلاعبه بالآثار، نحو أن زوجة صدام ساجدة خير الله طلفاح تقلدت قلادة عشتار ونطاقها الذهبي، ولا ندري إن كان لعشتار قلادة ونطاق أم لا. وهي إلهة وليست امرأة! لكن تلك المبالغات تجاه ما حدث لخزائن العراق الأثرية، لا تُفهم على أنها مبالغات.
نفائس الأضرحة
من الآثار النفيسة التي ظلت بعيدة عن متناول البعثات الأجنبية وتجار السوق السوداء، وعمليات "الفرهود" المنظمة والعفوية التي اجتاحت المناطق الأثرية والمتحف العراقي وخزائن المخطوطات عشية سقوط نظام صدام حسين، آثار العتبات المقدسة، من هدايا وتحف في النجف وكربلاء وبغداد وسامراء، فقد ظلت محفوظة في غرف حصينة داخل المراقد، تحت رعاية الكليدارية سدنة العتبات. ويذكر ساطع الحصري أن دائرة الآثار قامت بتسجيل وتصوير تلك الهدايا والتحف، بعد أخذ الرخصة من الوجهاء والقائمين على خدمة المراقد، وبصفته مديراً للآثار حاول عرض تحف مرقد الإمام علي بن أبي طالب، التي يعود أقدمها إلى العهد البويهي، في متحف مرتبط بصحن المرقد، لكن المعارضة كانت شديدة، وقتذاك، ولعلَّ من دوافعها عدم استيعاب فكرة التشبه بالمتاحف الأوروبية. ومن هذه التحف هدية عضد الدولة البويهي ت 365ه غطاء قبر من النسيج المطرز والمزخرف وصندوق، وثوب عضد الدولة نفسه من الحرير والدقمس، قناديل ذهبية مهداة من سلاطين وأمراء، و550 مصحفاً يعود زمن أقدمها إلى القرن الأول الهجري، قطع زجاجية ومنسوجات حريرية وسيوف مذهبة، وشدات من اللؤلؤ، وخناجر ذات أغماد ذهبية، وأكاليل وتيجان ذهب عن سعاد ماهر، مشهد الإمام علي في النجف وما به من الهدايا والتحف.
وفي المدائن، حيث ينتصب طاق كسرى، كشف ساطع الحصري في مذكراته عن آثار تتعلق بمرقد الصحابي سلمان الفارسي، منها صندوق فضي، يعود صنعه إلى عهد الخليفة العباسي الناصر لدين الله 575-622ه، وبعد قراءة الكتابة الكوفية المحفورة على الصندوق، والمحلاة بزخارف مشجرة تظهر أنها مهداة إلى مرقد الإمام جعفر الصادق، وليس عليها أثر يشير إلى سلمان الفارسي. وفسر الحصري ذلك بقوله: "الصندوقة وضعت في بادئ الأمر على مرقد الإمام المشار إليه، ولكن عندما أراد أحد الأغنياء أن يهدي المرقد صندوقة من الفضة رفعت الصندوقة الخشبية، ووضعت مكانها الصندوقة الجديدة، وبناء على عدم انتباه أحد إلى الكتابة نُقلت ووضعت الصندوقة على مرقد سلمان باك". ولا أجد في هذا التفسير أي منطق، فمعروف أن مرقد الإمام الصادق هو في المدينة المنورة، ومكان الصندوقة في المدائن، فكيف حدث ذلك التبديل؟ ثم كيف تهمل قراءة الكتابة والأمر متعلق بمرقد مهم، وهدية من خليفة؟ من الصعب التكهن بمثل هذا الموضوع.
مناجم الآثار
لقد جُمع خزين المتحف العراقي، حتى نهاية السبعينات، من 6555 موقعاً أثرياً، ثبتتها مديرية الآثار العامة على 136 خارطة، موزعة على ألوية العراق كالآتي: الموصل 1159، كركوك 755، الناصرية 703، بغداد 560، بعقوبة 473، دهوك 455، أربيل 384، السليمانية 375، الكوت 268، الرمادي 248، الحلة بابل 224، كربلاء 173 ضمنها النجف والكوفة، البصرة 96، السماوة 79. تظهر تسمية الموقع بال"إيشان" كلما انحدر المساحون صوب الأهوار، فقد عينوا في مركز الجبايش فقط 26 موقعاً أثرياً، 19 منها تسمى بال"ايشان"، وهي كلمة سومرية ما زالت متداولة وتعني التل المحاط بالمياه، لخلوها وأثر الأقدمين فيها نسجت حولها حكايات مثيرة أخذت بلب الرحالة. وبعد إفراغ المتحف العراقي من متعلقات تاريخ الرافدين يبقى الأمل في ما سيستخرج من تلك المواقع، ومما اكتشف من مواقع جديدة بعدها، لكن العبرة في حمايتها من "فرهود" قادم، إن كُتب للعراق أن يمتلك متحفاً آخر يتناسب مع ثروته الأثرية الهائلة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.