جرائم فساد وعمليات اغتصاب وانتهاك أعراض وتصوير ممارسات جنسية على اشرطة فيديو. تلك هي القضية التي شغلت طويلاً الرأي العام المغربي في عامي 1992 و1993 وانتهت باعدام بطلها ضابط الاستخبارات مصطفى ثابت الذي اطلقوا عليه اسم "وحش الدار البيضاء". هنا قصته في ثلاث حلقات. كبرت قضية مصطفى ثابت ككرة ثلج، وتحولت منذ انكشاف وقائعها، مطلع شباط فبراير 1993، وبسبب جوانب الاثارة فيها، مسلسلاً يومياً يرصده الناس خصوصاً ان المحاكمة التي استغرقت نحو اربعة اسابيع، تزامنت مع حلول شهر رمضان المبارك، وهو مناسبة روحية يخلد فيها الناس الى العبادة والاعراض عن المغريات الدنيوية. وتكمن خصوصية القصة - الفضيحة في طابعها الجنسي المثير، لا سيما في بلد معروف بإيمانه ومحافظته. فقد جرت العادة ان يحترم الناس إمام المسجد وقاضي البلدة وكبار العلماء، وان يهابوا وفق العادة نفسها رجل السلطة خصوصاً عندما يكون جشعاً واستبدادياً. لذلك يكون طبيعياً ان تقترن بعض الممارسات الشاذة حين ينزلق اليها هؤلاء بردود فعل غاضبة تسود الشرائح الاجتماعية كافة. اذ ان الجرائم في حد ذاتها ليست ما يستقطب الاستنكار فحسب، بل يضفي عليها المتورطون فيها طابع التهويل، خصوصاً اذا كانوا يمتهنون السلطة ويفترض فيهم ان يكونوا في مقدم حماة الامن والاخلاق وممتلكات الناس واعراضهم. فضيحة "وحش الدار البيضاء" كما أُطلق على ثابت، لم تكن فريدة. قبلها شهدت المدينة، شأنها في ذلك شأن غيرها من المدن، جرائم عدة، اذ قتل مصطفى متشوق مطلع الثمانينات أطفالاً كان احتجزهم رهائن طلباً للمال، وتحول هاجساً شغل سكان الدار البيضاء على ابنائهم. وعقب اعتقاله، أبلغ القاتل المحكمة انه عانى الحرمان منذ ولادته ولم يقتنِ لعبة في طفولته واضطر الى الانقطاع عن الدراسة بسبب قلة الامكانات المادية، ما ولّد لديه رغبة الانتقام من العائلات الميسورة. قضية متشوق التي انتهت باعدامه في بداية الثمانينات، وحّدت الشرائح الاجتماعية المختلفة وطغت على مفهوم الحقد التركيبي ضد الطبقات الميسورة الذي اختفى امام ممارسات القاتل لانه جعل الاطفال الابرياء ضحاياه، فكانت الأسر المغربية كافة، غنيها وفقيرها، تحذر اطفالها من الاقتراب من اي شخص غريب يحاول اغراءهم بالحلوى واللعب. والتضامن، في حالات كهذه، يغدو جماعيا: لا فرق في ذلك بين الاسرة الميسورة التي يمكنها ان تقدم الفدية لتخليص طفلها، او الفقيرة التي لا تملك ما تعيل به ابناءها. وبقيت سابقة متشوق في خطف الاطفال محصورة في الدار البيضاء وحدها، على رغم ان التطورات ستجعل الابتزاز عن طريق احتجاز الاطفال الابرياء مرادفا لبعض ممارسات اباطرة المخدرات في المحافظات الشمالية للبلاد في ما بعد. جريمة أخرى كان مسرحها مدينة مكناس شمال العاصمة المغربية في التسعينات دبت الذعر بين السكان، عندما دخل رجل احدى الحانات وطلب كأسي شراب له ولرأس مقطوع كان يحمله داخل كيس من البلاستيك. لكن قصة "مجنينة" كما أُطلق عليه في مكناس لم تخلف التساؤلات التي رافقت مغامرات ثابت، ذلك ان "مجنينة" كان شاباً مغموراً يقلد أشرار السينما ويحلم ببطولة وهمية، في حين ان مغامرات ثابت افسحت في المجال امام تداعيات العلاقة بين السلطة والجنس وبين السلطة والسياسة. ومن جرائم الشرف ما اهتزت له مدينة طنجة حين اقر الصحافي سامي الجاي في ربيع 1989 انه دفن مطلقته في شرفة بيته في طنجة بعدما اخفى القصة أكثر من عشرة أعوام، لولا ان ابنه الصغير الذي رافقه الى آخر موعد للالتقاء بمطلقته اعترف بعدما بلغ سن الرشد انه شاهد امه للمرة الاخيرة امام محطة القطار الذي اقلها من الرباط الى طنجة، وانه رافق والديه الى شقتهما في احد الاحياء الراقية في طنجة. لكن الوالد نزل بعد ذلك وحيداً ومنفعلاً وعلى وجهه آثار خدوش، وتوجه بصحبة ابنه وشقيقته الى منتجع في تطوان لقضاء العطلة. وكان الجاي يعود كل ليلة من تطوان الى طنجة حيث بدأ في ممارسة طقوس اخفاء الجثة، فصب عليها مواد كيماوية كي لا تتفسخ، وأقام لها قبراً في الشرفة المطلة على الشارع والتي حولها حديقة صغيرة. موسيقى على شرفة الجريمة ولم يخل الأمر من لمسة رومنسية. فحين كان يتملكه الشوق الى الزوجة القتيلة، كان يحمل قيثارته ويجلس في الشرفة يغني لها. الذين يعرفون الجاي قالوا ان عشقه الجنوني لزوجته كان وراء فعلته، لكن الصحافي المتمرس كان اكثر شغفا بالروايات البوليسية التي كانت تبثها اذاعة "ميدي آن" في طنجة حيث كان يعمل، وربما استوحى من بعض تلك الروايات كيفية اخفاء الجثة. غير ان تعايشه النفسي والجثة الهامدة لا يشبه في شيء تعايش ثابت والاجساد التي قتلها حتى وان بقيت حية ترزق! جرائم كثيرة اخرى شهدها المغرب. "ابو الوحوش"، مثلا، زرع الرعب في منطقة الاطلس المتوسط حيث كان يعترض سبل المارة ويسلبهم الاموال ويغتصب النساء تحت تأثير التهديد ببندقية صيد. لكن جرائمه تظل من قبيل الجرائم المثيرة من دون ان تملك خاصيات الجرائم المرتبطة بالجنس والثروة والسلطة والامراض. وعلى رغم محاولات ربطها بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة في نهاية التسعينات، فان اعتقال المتهم كان يحمل بداية القصة ونهايتها. كذلك كانت الحال بالنسبة الى الفتاة التي هاجمها مهووس في الدار البيضاء وشوّه وجهها الناصع بضربات موسى. ومع تعدد انواع الجرائم المثيرة للفضول لارتباطها بالجنس او الفن، تابع المغاربة قصة المطربة الناشئة التي وجدت جثة في بداية الثمانينات في حديقة الملحن المصري الراحل بليغ حمدي في القاهرة، وعرفت حينها بقصة سميرة المغربية التي هاجرت طلبا للغناء والشهرة، فكان آخر "ابداعاتها" رقصة ما قبل الموت في ظروف غامضة القت بظلالها على حياة الفنان الراحل. وكذلك قصة التلميذة التي هربت من عشيق محتمل في احدى مدارس الرباط فصبّ عليها البنزين وأضرم فيها النار انتقاما من الجسد الطري. لكن الاجساد التي سلبها الضابط الثابت حرية ان تعيش حياتها كانت اكثر عدداً وأشد قسوة. امام محكمة خلت إلا من القضاة والمحامين وكاميرات التلفزيون التي تصور الوقائع من دون بثها، اعطيت الكلمة الاخيرة لضابط الاستخبارات المغربي الذي جال بنظره على الحضور. ذرف ثابت دمعة لم يلحظها احد من معارفه من قبل وتمتم كلاماً غير مفهوم، وبعد برهة من الصمت ردد آية كريمة عن غفران الله. وكأنه كان يرمي من وراء ذلك الى التقليل من هول ممارساته. وقبل ان يخوض في تفاصيل فضائحه قال انه مريض وانه يعاني خللاً. وأردف: "لم يحدث ان عرضت نفسي على اطباء اخصائيين، لكنني كنت على يقين بأنني مختلف عن الناس. انا رجل طيب ولديّ ابناء وعائلة صغيرة، لكن الشر يسكنني". صمت برهة وأضاف: "أطلب الى ملك البلاد الذي عرف بعطفه على الرعايا ان يعرضني على طبيب نفسي". كانت المرة الاولى التي يجاهر فيها الضابط بما يختلج في نفسه. لم يحدث ان رآه أحد في حال انهيار يطلب المغفرة. كان نموذجا للقسوة والعنف. وبدا للمرة الاولى ان قامته الطويلة لم تسعفه في الوقوف كما من قبل. كان هو نفسه بما يحمل من قسمات الغلظة والشدة، بشاربه المحلوق باتقان وشعره الذي غزاه بعض الشيب وربطة العنق التي لا يزال يتزين بها. لكن قواه كانت خائرة، وتحولت مظاهر القوة الى ضعف. فالضابط الذي كان يبطش بالآخرين استسلم اخيرا لقدره، وما كان يخفيه من تناقض في شخصه ظهر عبر اجهاشه بالبكاء. انه الضابط ثابت يبكي. الحاج ثابت كما كانوا ينادونه يقف الآن وحيداً يواجه مصيره. كان قبل ان يدعو المؤذن الى الصلاة كل جمعة يدخل المسجد ويجلس في مقدم الصفوف ينصت الى الخطبة، وكثيرا ما يكون آخر من يغادر المسجد. لكنه كان يخفي اسراراً كثيرة في حياته. قال عنه فقراء متسولون انه اعتاد ان يتصدق عليهم وان يطلب اليهم الدعاء له بالثواب. لكن أحداً منهم لم يلحظ يوماً انه حين يسرع الخطى خارجاً من المسجد لم يكن يذهب الى بيته او الى مقر عمله، ولكن الى مغامرات فاضحة موغلة في الفساد المرتبط بالقسوة والعنف والامراض. انا مجنون! في المحكمة، جال ثابت بنظره في الحضور، وقال: "انني اعرف القانون. ممارستي بلغت ذروة الاستهتار وانتهاك المحرمات. لكنني حين ادخل ذلك العالم المجنون الذي يصوره لي الشيطان خلاصاً من الشيطان ذاته، لا اعي ما أفعل، وهل يعاقب القانون الناس على ما يرتكبونه من دون ادراك؟ انا رجل مجنون، لكني لا أريد ان تلوث سمعة ابنائي واسرتي الصغيرة بأفعال يرتكبها المجنون الآخر في داخلي". وحكى عما علق بذهنه من مواعظ يوم كان مدرسا للتعليم الابتدائي في ورزازات في جنوب المغرب المعروفة بقصباتها التاريخية وطبيعتها الصحراوية الجافة. فالرجل قبل ان يعمل في قطاع الامن كان معلماً في مدرسة نائية هناك في الاعوام الاولى لاستقلال البلاد. لكن أحداً لا يذكر كيف تدرج المعلم البسيط الى ان اصبح مديراً في مدرسة ابتدائية اخرى خلال أعوام قليلة. قال امام المحكمة ان التربية اساس النشء وانها أخلاق اولا. لكن السؤال ظل غامضاً: كيف لرجل تعليم ان يتحول الى مجرم دفعة واحدة؟ ولعله كان يريد من خلال حديثه عن التربية والاخلاق يبوح بأسرار ما، لكن ملفه المليء برموز الاستغلال البشع للسلطة حال دون المقاربة التشخيصية لوضعه الانساني. فالرجل كان يبدو نموذجا للانضباط. ويروي احد المصورين انه كان يطلب اليه ان يسجل حفلاته العائلية في اعياد ميلاد الابناء على اشرطة فيديو، وكان يظهر خلالها شغوفا بأسرته يقدم الهدايا للابناء ويوزع ابتساماته على الحاضرين. كذلك عرف في الدار البيضاء التي تمرس في جغرافيتها طويلا، وحين رأى النور عام 1939 في وسط شعبي في المدينة ذاتها كان الاستعمار الفرنسي في مواجهة الشرارة الاولى لانطلاق الكفاح المسلح. وفي هذه المدينة تحديدا ارتدت المواجهة طابعاً أكثر حدة. لكن معالم المدينة تغيرت كثيرا، اذ نزح اليها سكان القرى والمدن المجاورة. وشأنها شأن اي مدينة كبرى تضم ميناء بحرياً ومناطق صناعية وحركة تجارية ناشئة استقطبت فئات عدة من انحاء البلاد، واستقرت فيها بورجوازية مدينة فاس لتؤسس نواة الحركة التجارية في قطاع النسيج واسواق الذهب واستيراد البضائع المختلفة. ووجد فيها اهل سوس جنوب ملاذاً لتنامي الرأسمالية السوسية. وشكّل اهل الشاوية والقرويون الذين يعملون في الزراعة الملامح الاولى لطبقة عاملة انضمت الى صفوف الحركة النقابية الفرنسية ثم المركزيات النقابية المغربية بعد الاستقلال. لكن المدينة ذاتها تبدو مستعصية على الفهم كغابة تبقى اسرارها حكرا على اهلها. لذلك ترمز اغان شعبية الى الغابة ملاذاً محظوراً، فإليها اتجه الرجل الفظ الطباع الذي تقول الحكايات انه خطف السيدة ميلودة التي كانت تحمل رضيعها بين يديها. وحين اغراها الرجل بالمال ركنت اليه آمنة، وشرب الاثنان نخب اللحظة تحت شجرة في الغابة الكثيفة، وحين أشبعا الرغبة انتبها الى ان الرضيع اختفى، وتروي الحكايات ان الذئب افترسه. ونسج اهل الدار البيضاء وغيرها اساطير عن وحشية الذئب وعن المرأة التي ضحت بفلذة كبدها في نزوة عابرة. بيد ان الذئب - الوحش اصبح هذه المرة رجلا اسمه مصطفى ثابت. ثابت الذي كان يعتز بانتسابه الى الدار البيضاء، غادر مدينته مرتين، الاولى حين انتسب الى سلك التعليم في الاعوام الاولى للاستقلال بعد نيله الشهادة الثانوية التي كانت تؤهل حامليها للالتحاق بوظيفة في الدولة واستقر بعض الوقت في ورزازات ثم اغادير على الساحل المتوسطي ثم اسفي الشهيرة بسمك السردين والمصانع الكيماوية، والثانية الى بني ملال شرق الدارالبيضاء عند سفوح جبال الاطلس وسط البلاد، حيث عمل ضابطاً في الشرطة بضعة أعوام. لكن حنينه الى الدار البيضاء لم ينقطع ابدا، اذ انحدر منها وسط زغاريد الاسرة الصغيرة، وأعدم فيها بالرصاص من دون ضجة. المعلومات لم تتوافر عن فترة عمله في قطاع التعليم جنوب البلاد، لكن اقامته في بني ملال لم تخل من الشبهات. اذ تردد ان فتاة رمت بنفسها من شرفة منزل أحد أصدقائه، لكن الملف لم يتجاوز ما كانت تتداوله الالسن عن مغامرات كهذه. ويعتقد بعض سكان بني ملال ان ما حال دون افتضاح ممارساته هناك، عزوف ضحاياه عن اللجوء الى القضاء بعد اعتقاله. لكن قضية انتحار فتاة بني ملال ستعود الى الظهور خلال فترة المحاكمة عندما تحدثت صحف عن تعرض ثابت لعقوبات ادارية اثر الحادث. وصرح نائب سابق للمدينة انه كان كتب الى السلطات في شأن ممارسات ثابت. أسابيع قليلة فصلت بين صدور حكم الاعدام في حق ثابت وتنفيذه، ما يعني ان الموافقة على تنفيذ الحكم ارتدت طابع السرعة الذي يطبع جرائم الشرف، على عكس التريث الذي يسم ادانات اخرى، باستثناء القادة العسكريين الذين تورطوا في المحاولة الانقلابية الاولى لاطاحة الملك الراحل الحسن الثاني صيف 1971، ومتورطين آخرين في حوادث قتل وقلاقل قدموا من الجزائر عام 1973. في تلك الليلة من منتصف آذار مارس 1993 تقدم الضابط الى الموت خائر القوى، وقبل ان يلفظ كلماته الاخيرة التي استهلها بآيات قرآنية في المغفرة وطلب الثواب، قال ان كافة المتابعين قضائيا في ملفه ابرياء. صمت قليلا وبدأ يهذي عن الشيطان الذي يسكنه. قال انه كان يسمع صراخاً وعويلاً حادين، وان الزمن ينفلت منه، وان المكان يصيبه بالدوار. لكن حدة الصراخ تتراجع حين يبدأ طقوسه التي لا يشابهها غير الرغبة في الانتقام من نفسه ومن ضحاياه، وما يلبث يركن الى الهدوء. وتنتهي الوليمة عندما يعيد رؤية الشرائط التي يسجلها مرة واكثر. لم تكن محاكمة الرجل لتستأثر بذلك القسط الوافر من الاهتمام الى حد الصدمة، لولا انها كانت في جوهرها ادانة لرجل سلطة اذ يعتبرها واقية من اي متابعة، واذ يعتبر نفسه فوق القضاء والناس والتقاليد. فالرمز في القضية كان محورياً. ولم يكن التشابه بين ثابت وبين ذلك الشاب القوي المفتول العضلات الذي وضع في القفص مربوطا بالسلاسل للتشهير باقترافه جريمة اغتصاب فتاة في مدينة فاس قائماً الا في التشهير. ففي الاعوام الاولى لاستقلال البلاد كان فاحشة كبرى ان يحدث ذلك. لكن في عام 1993 كان فضيحة ان يرتكب رجل السلطة ما فعل الضابط ثابت. ومازاد في حنق الناس ان ثابت كان رجل استخبارات، ما جعل الروايات تتناسل حول استخدام اساليب محرمة في الضغط على الناس لانتزاع الاعترافات او تأويل المواقف والاحداث. في الدار البيضاء، شأنها شأن أي مدينة كبرى، ترتبط الجريمة بالجنس والمخدرات وحياة المواخير والملاهي. وفي غالبية الملفات الامنية المتعلقة بتهريب السلاح او محاولة شن هجمات ارهابية او تشكيل عصابات، يأتي الخيط الاول من حانة منزوية او من عراك في آخر الليل. لكن الضابط ثابت الذي كان يتباهى بكونه يعرف الدار البيضاء مثل كف يده كان يجدّ في ابعاد الشبهات عنه، فلم يكن يرتاد الحانات او يشرب الخمر، على رغم انه كان يقيم علاقات مشبوهة مع بعض اصحاب الحانات والنوادي الليلية. كان يقود سيارته الفاخرة مساء عبر شارع الجيش الملكي المحاذي للميناء على امتداد بضعة كيلومترات تنتهي عند الكورنيش غربا وتنحرف يساراً في اتجاه شارع المقاومة حيث كانت عمارة عادية من اربع طبقات لا تبدو مثار اهتمام في منطقة تضم متاجر صغيرة ومرائب للسيارات واخرى لاصلاح الدراجات النارية ومصارف ومباني ادارية لا يزال بعضها يحتفظ بهندسة المعمار الفرنسي. في الشارع ذاته الذي يحمل اسم الروائي الفرنسي اميل زولا لم يخطر في البال ان الضابط ثابت سيصنع روايات يندى لها الجبين وستتحول عند اكتشافها الى حكايات يطلق فيها العنان لامتزاج الخيال بالواقع. وفي محكمة الاستئناف غير البعيدة عن الموقع ذاته في شارع الجيش الملكي سيجري تقليب صفحات تلك الروايات البشعة، وبعدما كانت المحكمة التي بنيت على مساحة واسعة تتخللها الاشجار الباسقة من المدخل الرئيسي الى بوابات القاعات الرئيسية تستقطب محاكمات ذات طابع سياسي، اختلط الامر في محاكمة ثابت بين الحدة السياسية والتداعيات الاخلاقية لملف دين فيه رجل سلطة. لكن الصحافة المغربية التي اقتنصت الفرصة لزيادة مبيعاتها على امتداد شهر رمضان المبارك المقترن عادة بكثافة القراءة ركزت على الابعاد السياسية في الملف، لتحول محاكمة ثابت من الطابع الاخلاقي لامتهان الرذيلة الى شبه محاكمة للسياسة. فالرجل كان مسؤولاً كبيراً في الاستخبارات الداخلية، وجاءت محاكمته في ظروف دقيقة لتشير الى التداخل بين السياسي والامني والاخلاقي. ويا له من تداخل...