بلغ التضخم في اسرائيل العام 1999 نحو 3.1 في المئة، في مقابل 6.8 في المئة في 1998، وهو مؤشر ايجابي كبير، عكس ارتياحاً لدى القيادة الاسرائيلية، خصوصاً أنه يساوي أقل من نصف نسبة التضخم في الولاياتالمتحدة التي وصلت الى 7.2 في المئة، وقد اوردت هذه الارقام بدهشة كبيرة صحيفة "معاريف" التي أشارت إلى "أنه من الصعب التصديق، ولكن هذه هي حقيقة". ولكن يبدو ان التضخم خلال العام 2000 سيكون اعلى من ذلك، وقد اختلفت التوقعات حسب مصادرها مما يدل على عدم وضوح الرؤيا للمعطيات التي تؤثر في قياس معدلات التضخم، مثلاً بنك "هيوعليم" توقع ان يكون المعدل 5.3 في المئة، وبنك "هبينليئومي" نحو 8.3 في المئة، وتوقع حزاي غوتمان كبير الاقتصاديين في بنك "هبينليئومي" ان تتسارع وتيرة التضخم مع بدء الربع الثاني من العام الحالي بحيث يراوح المعدل بين 5 و5.5 في المئة نتيجة للارتفاع السريع نسبياً في اسعار الشقق. واذا كان خفض معدل التضخم يعكس مستوى الاسعار فهل الحياة رخيصة في اسرائيل؟ ولكن كل المعطيات تدل على عكس ذلك. وفي دراسة اشارت اليها اسبوعية "تايمز" لسلة من المنتجات بين عدد من المدن الرئيسية، وتبين منها ان باريس هي الأغلى ثمناً 36.407 دولار، تليها روما 82.401 دولار، ولندن 48.394 دولار، وتأتي اسرائيل في المرتبة الرابعة بسلة تصل كلفتها الى 98.352 دولار. أما العواصم الأخرى فقد كانت ارخص من اسرائيل وهي: برلين 88.334 دولار، ستوكهولم 34.323 دولار، مدريد 21.238 دولار، ولوس انجليس 87.227 دولار. وثمة أسباب لارتفاع كلفة المنتجات الاسرائيلية، اهمها ضريبة القيمة المضافة المتغيرة التي تبلغ 17 في المئة، في مقابل 5 في المئة بالمتوسط في الولاياتالمتحدة، و16 في المئة في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، و5.17 في المئة في بريطانيا ونحو 6.20 في المئة في فرنسا. اضافة الى ذلك فإن المنتجين والمستوردين الاسرائيليين يسارعون الى رفع الاسعار مع كل خفض لقيمة الشاقل، ولا يخفضون الأسعار حين يهبط سعر الدولار. مثال آخر أوردته مجلة "ذي ايكونوميست" عن "مؤشر القطعة" الذي ابتدعته لتحديد كلفة شطيرة ال"بيغ ماك" في دول عدة مقارنة مع سعرها في الولاياتالمتحدة البالغ 44.2 دولار. وتبين ان ثمن القطعة في اسرائيل 50.3 دولار، وهو الاعلى في العالم. وعزت الصحيفة السبب الى الاجحاف في سعر التبادل، ولو كان سعر الدولار قريباً من 6 شاقلات وليس 14.4 شاقل كما هو الآن، لكان سعر القطعة في اسرائيل مماثلاً لسعرها في الولاياتالمتحدة. ويستدل من ذلك ان سعر الشاقل أعلى بنسبة 45 في المئة من قيمته الحقيقية، الامر الذي يثقل على قدرة المنافسة للتصدير الاسرائيلي في العالم ويحسّن جداً شروط الاستيراد، ويسبب تدهوراً كبيراً في ميزان التجارة والخدمات. من الطبيعي انه في حال حافظت اسعار المستهلك في بلد عملته مرتبطة بالدولار الاميركي على مستويات اعلى من اسعار المستهلك في الولاياتالمتحدة، فإنه مع مرور الزمن تصبح عملة ذلك البلد مقومة بأكثر مما يجب مقارنة بالعملة الاميركية. واذا استطاعت مثل هذه العملة الصمود لوقت قصير، فهي لا تستطيع الاستمرار، لأن قوتها ستؤدي الى ارتفاع العجز في الحساب الجاري، وتراجع الاحتياطات الخارجية للبلد المعني، فضلاً عن تشويه اسعار الخدمات المحلية، وتأثيرها السلبي على اداء الاسواق المالية. ولا شك في ان أحد الأسباب الأساسية اذا لم يكن السبب الرئيسي لارتفاع قيمة الشاقل، يعود الى الفائدة المرتفعة في داخل اسرائيل مقارنة مع الفائدة في الخارج ولا سيما في الولاياتالمتحدة، حيث ان الفجوة الكبيرة تجذب عرضاً كبيراً للعملة الاجنبية، مع العلم ان الفائدة المرتفعة كانت السبب الرئيسي لاستمرار الركود الاقتصادي الذي بدأ في 1996، وهي تعرقل مهمة الخروج منه في عام 2000. ان سعر الصرف في اسرائيل غير منظم، بل يحدد من قبل قوى السوق، ولكن هذه القوى ليست حرة، بل تتأثر بعوامل مختلفة منها السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة، كما ان بنك اسرائيل يسيطر تماماً على سعر الصرف حيث يمتلك ادوات عدة اهمها الفائدة المصرفية. ما هو رأي الحاكم الجديد لبنك اسرائيل دايفيد كلاين؟ في كلمته اثناء أداء قسم اليمين في مقر رئيس الحكومة ايهود باراك، أكد الدكتور كلاين على "أن الهدف الأهم للحكومة احراز استقرار في الاسعار والحفاظ عليها". وأوضح "أن مهمة السياسة المالية في العامين المقبلين تعزيز التضخم حسب الهدف الذي حددته الحكومة. ان الاعتياد على التفكير واتخاذ قرارات في دائرة التضخم المنخفض يحتاج الى وقت. وما زلنا في بداية الطريق، وإذا توصلت الحكومة في السياق الى استنتاج بأنها تستطيع تحديد استقرار الاسعار كهدف يجب ان نتقدم نحوه طوال الوقت، فإننا سنعرف اننا وصلنا الى نهاية المرحلة الجديدة". وأضاف: "نحن نسير نحو تبني قواعد ادارة ماكرو - اقتصادية مألوفة في العالم، يتصدرها الانضباط المالي وايداع مهمة تطوير الاقتصاد بيد القطاع الخاص. ان الاقتصاد الاسرائيلي الذي يرتبط مجال نموه باندماجه بالسوق العالمي لا يستطيع ان يتصرف على نحو آخر". في الواقع، بدأ بنك اسرائيل بعملية تخفيض الفائدة البالغة حالياً نحو 9 في المئة، ولكن ببطء شديد، وذلك خوفاً من ان يؤدي التخفيض السريع الى تبادل مكثف من الشاقل إلى الدولار، مما يؤدي بالتالي الى تخفيض حاد في قيمة الشاقل وإلى ارتفاع في الاسعار بسبب مركزية الدولار في سلة السلع والخدمات وبما ان لهدف التضخم افضلية على اعتبارات النمو وميزان المدفوعات، فإن وتيرة تخفيض الفائدة ستبقى بطيئة جداً. ويقول حاكم بنك اسرائيل "ان الامر سيحتاج الى وقت غير قصير كي يعتاد الجمهور على تضخم منخفض"، لذلك تجب ملاءمة تخفيض الفائدة، وليس بوسع اسرائيل الا ان تأمل بأن لا ينطبق على التصدير والنمو مثل الحصان الذي حاول صاحبه تعويده على العيش دون شعير، فيما سيواصل الاسرائيليون شراء قطعة "بيغ ماك" بأعلى سعر في العالم، على الاقل، بمصطلحات الدولار