منتزه الملك فهد (غابة سقام) بنجران.. وجهة طبيعية نابضة بالحياة في موسم الأمطار    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    توقيع عقود استثمارية لتطوير 3 متنزهات وطنية بالرياض والحدود الشمالية    أصول استثمارية بأكثر من مليار ريال ضمن محفظة شركة الأمانة (بوابة الاستثمار) في تبوك وحقل    رئيس وزراء باكستان يصل إلى جدة    نائب أمير المنطقة الشرقية يطلع على أنشطة جمعية " رائد "    ضبط شخص في مكة لارتكابه عمليات نصب واحتيال    أمير المنطقة الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية " رائد "    أمير جازان يوجه باعتماد مسار تمكين واستدامة مشروع مركز تطوير البن السعودي بالمنطقة    81% من مستخدمي الإنترنت في السعودية واثقون بقدرتهم على كشف الاحتيال    تشابا سيندري: ماذا يمكن للمبتكرين أن يتعلموا من الشركات التي استمرت لأكثر من 150 عاماً؟    وزير العدل يرفع الشكر للقيادة بمناسبة الموافقة على نظام التنفيذ الجديد    مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة يقر إستراتيجية 2026 - 2030    الرئيس الأمريكي يلمح إلى جولة مفاوضات جديدة محتملة مع إيران    وزير الخارجية الباكستاني يبحث مستجدات محادثات الولايات المتحدة وإيران مع مسؤولين دوليين    غارات إسرائيلية مكثفة على جنوب لبنان تسفر عن 7 جرحى وأضرار واسعة    أكثر من 4700 متطوع من طلاب التعليم العام يشاركون مع 10 أمانات في مبادرة "مدن الجمال الحضري"    اتفاقيات مبرمة وإنجازات محققة للهيئة الملكية للجبيل وينبع بالربع الأول من 2026م    برنامج الإقراء بالمسجد الحرام يعزّز تعليم القرآن الكريم    منطقة حمى في نجران: متحف مفتوح للفنون الصخرية    بدعم كريم من الأميرة فهدة بنت فلاح آل حثلين.. بيش تزفّ 50 شابًا وفتاة في زواج جماعي يعكس روح التكافل    القيادة تهنئ الرئيس الجنرال تو لام بمناسبة انتخابه وأدائه اليمين الدستورية رئيسًا لجمهورية فيتنام الاشتراكية    ولي العهد يستعرض مع رئيس المجلس الأوروبي الشراكة الإستراتيجية    15 سفينة حربية و10 آلاف عنصر لتنفيذ العملية.. واشنطن تنشر قوة بحرية لحصار الموانئ    روبيو: فرصة تاريخية رغم التعقيدات.. إسرائيل تسعى ل«سلام وتطبيع» مع لبنان    معادلة الاقتصاد العالمي والدور السعودي المتوازن    تكريم رجل أمن لإنقاذه حياة آخرين في حريق عنيزة    تمديد مدة برنامج مشروع جدة التاريخية لعامين.. مجلس الوزراء: الموافقة على نظام التنفيذ وتعديل نظام مكافحة غسل الأموال    إلى أين تتجه بوصلة الإدارة المدرسية؟    20 ألف ريال غرامة الدخول دون تصريح.. 100 ألف ريال عقوبة نقل وإيواء المخالفين في الحج    تخطى الوحدة في ثمن نهائي نخبة آسيا.. الاتحاد يواجه ماتشيدا زيلفيا الياباني في ربع النهائي    في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا.. «الريمونتادا».. أمل ريال مدريد أمام بايرن.. وآرسنال لتأكيد التأهل    تسريع إنجاز أول مدرسة للموهوبين في الطائف    ناصر القصبي في دراما تاريخية توثق «رحلات التجار»    هل الملعقة الذهبية مؤشر للنجاح؟    عبدالله عبود: روح متعددة الأبعاد في «هجير»    في روشن.. القادسية يقتنص تعادلاً مثيراً من الشباب    «إسلامية الشرقية» تنفّذ 34563 جولة رقابية    «الشؤون الإسلامية» تحقق أكثر من (15) مليون ساعة تطوعية    السديس: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية    استقبل الربيعة واطلع على خطط موسم الحج.. نائب أمير مكة: القيادة حريصة على تسخير الإمكانات لخدمة ضيوف الرحمن    "نجران الصحي".. إنجاز علمي    «القصيم الصحي» يطلق حملة «رشاقة القصيم»    «إدمان الشوكولاتة» يثير الجدل في بريطانيا    نبتة برية تحارب البكتيريا المقاومة للعلاج    إطلاق المسح الصحي الوطني للسكان    النصر في مهمة التزود بالنقاط أمام الاتفاق    مجتمع وصل ينظم جلسة تناقش تحول الخطاب الاتصالي لرؤية السعودية 2030 من الطموح إلى الأثر    مركز الملك فيصل يطلق «كرسي الكتاب العربي» لدراسة تاريخه وتطوير مجالاته    ضربة قوية لوسط القادسية.. انتهاء موسم محترف الفريق ومنح الفرصة لأوتافيو    في الدقيقة 120.. الاتحاد يطيح بالوحدة الإماراتي ويضرب موعداً مع ماتشيدا الياباني    ترقية 1935 من منسوبي الأمن العام وحرس الحدود    هرمز يغير قواعد الاشتباك.. على حافة المضيق حصار أمريكي وترقب لجولة تفاوض    الأمير جلوي بن عبدالعزيز يرعى حفل تخريج 5872 طالبًا وطالبة بجامعة نجران    أكثر من 90 ولادة للحياة الفطرية بمحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية في الربع الأول 2026م    نائب أمير منطقة مكة يستقبل وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026    أمير منطقة جازان يستقبل شيخ شمل محافظة جزر فرسان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الوسط" تسأل وزير الثقافة المصري وابن زوجها وكاتبي سيرتها وشاعرها أم كلثوم ... ماذا بقي منها؟ هل يكفي هذا لتكريمها ؟
نشر في الحياة يوم 21 - 02 - 2000

ما الذي يجعل أم كلثوم ملء السمع والبصر على رغم مرور ربع قرن على غيابها؟ وكيف حافظت على مكانتها في الوجدان المصري والعربي؟ لم تعد أم كلثوم حاضرة بأي شكل من أشكال النفوذ، وليست ثمة مجاملة لها في أي مكان. كما أن النظرة الماضوية الحانية التي يلتفت بها الناس عادة للأمس البعيد ليست كافية أبداً لاستمرار تكريسها. كما أن الدولة المصرية لم تفعل شيئاً حتى الآن لتكريمها، كأن أم كلثوم عصية على التكريم بعيداً عن آذان السميعة. وعلى رغم ذلك استمر تكريمها من قبل جمهورها التقليدي من محبي الغناء العربي الأصيل، وتحصد في الوقت نفسه جمهوراً جديداً التقى في صوتها مع قصة حبه أو ذكرياته أو مجريات حياته.
وفي ذكرى مرور 25 سنة على غيابها عُرض المسلسل الشهير الذي يتناول قصة حياتها وكتبه محفوظ عبدالرحمن وأخرجته إنعام محمد علي. ولعبت دور أم كلثوم صابرين، فتعانق المسلسل مع الذكرى مجدداً الشوق والحنين الى أم كلثوم.
صحيح أن المسلسل من إنتاج تليفزيون الدولة، ولكن هل كان هذا كافياً لتكريم سيدة الغناء العربي؟
قال وزير الثقافة المصري فاروق حسني ل"الوسط": إن الدولة دأبت على تكريم أم كلثوم منذ عهد الملكية نيشان الكمال، ثم منحها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى في 1960، وقلادة الجمهورية في 1965، وجائزة الدولة التقديرية العام 1968، كما منحها الرئيس الراحل أنور السادات لقب "فنانة الشعب" مع محمد عبدالوهاب ويوسف وهبي العام 1972. كما حصلت على أوسمة ونياشين من جميع البلاد العربية.
وأشار الوزير حسني إلى متحف أم كلثوم المقرر إقامته هذا العام ليكون جاهزاً في الذكرى السادسة والعشرين لغيابها. وقال: اخترنا مبنى صغيراً في منيل الروضة في القاهرة ولكن قيمة المبنى كبيرة، وعلى رغم أن المقتنيات الباقية من أم كلثوم قليلة منها جوازات سفر وخطابات وصور وبعض الفساتين، إلا أن المتحف صمم على أحدث تكنولوجيا، وسنضع به كل تراث أم كلثوم الخالد، بطريقة علمية حديثة تساعد من يريد دراسة أم كلثوم أو الاستمتاع بتراثها.
ويعترف حسني بأنه لا يوجد أقوى من تكريم الشعب، "فعلى رغم مرور ربع قرن على غيابها، فان الاجيال الجديدة أعادت اكتشاف أم كلثوم، وهذا مؤشر على أن الجيل الذي لم يولد بعد سيعرف أم كلثوم بسبب قناعات الجيل الجديد بها، وليس بسبب معاصريها". ويلفت حسني إلى أن وزارة الثقافة المصرية في احتفالها بالألفية الثالثة التي أخرجها الفرنسي ميشيل جار عند سفح الأهرامات اختارت أم كلثوم لتمثل الفن العربي الأصيل، ولكن لماذا تركت الدولة فيلتها تحت معاول أحد المقاولين الذي أقام مكانها عمارة سكنية فقيرة معمارياً، تبدو كشاهد رخامي على إهمالنا بحق فنانينا الكبار، وتم استغلال الأمر بشكل تجاري، إذ سمى المقاول كل طابق في مبناه باسم أحد أغاني أم كلثوم من دون أن يدفع شيئاً عن استخدام تلك الاسماء التي تخضع لقانون حق الأداء العلني؟
وذكر الوزير حسني أنه أثناء عمله في الاكاديمية المصرية في روما، وفي زيارة له للقاهرة شاهد لافتة فوق فيلا أم كلثوم مكتوباًَ عليها "مقاول الهدم السريع" واصابه الحزن ولكنه لم يكن بيده شيء. وقال: "لي صديق مغربي تمكن من دخول الفيلا قبل هدمها وصور كل شيء فيها من الداخل والخارج، ووعدني بنسخة من هذه الصور لوضعها في المتحف، الذي سنضم إليه كل ما كتب عن أم كلثوم في الداخل والخارج". وعاد الوزير الى احتفال الألفية متذكراً ما قاله المخرج جان ميشيل جار قبل أن تغني أم كلثوم: وما نيل المطالب بالتمني. قال: سوف نسمع أقوى صوت سُجل في التاريخ، ونقل ذلك الى العالم كله. كما أن مسلسل "أم كلثوم" وفيلم محمد فاضل "كوكب الشرق" يمثلان تكريماً فنياً رفيعاً لأم كلثوم.
سألت "الوسط" حسني عن خطوات تنفيذ متحف أم كلثوم؟ فأجاب: قام مصمم إيطالي بتصميم المتحف، وهو له تجربة سابقة في هذا المجال، إذا شيد معرض الموسيقي العالمي سون بيرج، وهو معرض مقتنيات شاهدته بنفسي وأذهلني، فقررت أن أكلفه تصميم متحف أم كلثوم، وانفقنا 160 ألف جنيه للتصميم والإشراف، وموقع المتحف بجوار المانسترلي في حديقة المنيل، وأنادي كل من يملك شيئاً خاصاً بأم كلثوم، ليتبرع به، كما أدعو القادرين من محبيها على التبرع لاستكمال المتحف، وقد وعدنا رئيس مجلس ادارة مؤسسة "أخبار اليوم" بأنه سينقل إلى المتحف البروش الماسي الخاص بأم كلثوم الموجود حالياً في خزينة المؤسسة، إن موازنة المتحف موجودة ولكن - يؤكد الوزير حسني - "معنوياً نحب أن يشارك الناس في تأسيس هذا المكان، لأن أم كلثوم ليست ملك الدولة فقط".
ويعترف الدكتور محمد حسن الحفناوي استاذ الأمراض الجلدية والتناسلية في طب عين شمس ابن زوج أم كلثوم بأنه يشارك في حالة الندم القومي على هدم فيلا أم كلثوم التي ما كان ينبغي أن تهدم أبداً. ويقول: إن هذا الذنب اقترفته الحكومة والورثة وأنا واحد منهم.
ويشرح الدكتور الحفناوي أنه بعد عامين من رحيل السيدة أم كلثوم عرض علينا أحد المقاولين مليون جنيه، فتم الاتصال بالحكومة لتشتري هي الفيلا، فعرضت الحكومة 50 ألف جنيه فقط. ويتساءل الدكتور الحفناوي: كيف بالله عليك تقنع 12 وريثاً من بينهم بسطاء في الريف بأن يضحوا بالمليون في مقابل 50 ألفاً؟ كيف تقول لهم: ضحوا!؟
ولاحظ الحفناوي انه بعيداً عن فيلا ام كلثوم والبكاء على اللبن المسكوب، فلماذا لا نتساءل عن تحويل بيوت عبدالناصر والسادات وعبدالحليم حافظ وعبدالوهاب الى متاحف؟
ولكن أين مقتنيات ام كلثوم لدى عائلتها؟ اجاب الدكتور الحفناوي: بقى كل شيء تركته ام كلثوم.. الفساتين... العود.. النظارة الطبية.. الصور.. النياشين.. كل الهدايا التي جاءتها من الملوك والرؤساء والهلال الماسي، كل شيء سلمناه لوزير الثقافة حسني من اجل المتحف المزمع اقامته. ويضيف: "كما بقي كل ما زرعته فينا في وجداننا كما في وجدان الشعب. أم كلثوم ما زالت خالدة وموجودة في خلايانا ودمنا وفكرنا واحساسنا. هذا البقاء يصعب على أي كائن تحقيقه، إذ لا بد له من "كاريزما" خاصة". واثنى الحفناوي على مسلسل "أم كلثوم" الذي شاهد فيه الجيل الجديد القدوة والمثل والانتماء، "وعن طريق هذا المسلسل تحرك إحساس الكبار بالزمن الجميل، وامتلأ الشباب بالمعاني الجديدة".
عصر من الفن
هذه المعاني كانت هدفاً لعدد من المؤلفات لمصريين حول أم كلثوم، أشهرها كتاب "أم كلثوم... عصر من الفن" للدكتورة نعمات احمد فؤاد، وكتاب "أم كلثوم معجزة الغناء العربي" لرتيبة الحفني، وكتاب "أم كلثوم التي لا يعرفها أحد" لمحمود عوض.
صاحبة كتاب "أم كلثوم... عصر من الفن" الدكتورة نعمات فؤاد ترى أن ام كلثوم لم تفقد شيئاً كي نبحث عما بقي منها، وأن كل تراثها، لم تضع منه لمحة واحدة، وأن أم كلثوم زادت وكبرت أكثر مقارنة بالفراغ الذي تركته، على رغم أنها لم تترك فراغاً فعلياً، بل زادت نتيجة الدراسة لأعمالها وسيرتها، وبإحساس الناس بها. وتؤكد الدكتورة فؤاد ان ام كلثوم ملء حياة الناس الآن وستظل، "لانها تاريخ وأصالة وكلاهما لا يضيع. وهي موهبة، والموهبة خالدة". وتقول: "لا يمكن ان أقر صيغة السؤال ما الذي بقي من أم كلثوم؟ لأنها باقية بتمامها، وموهبتها باقية لم نفقدها، والحمد لله أن العلم حفظ لنا صوتها بالتسجيل والزمن حفظ موهبتها بالتأصيل، فهي تزداد أصالة ونقاء". وترى الدكتورة فؤاد أن أم كلثوم ابقت لنا دروساً في الفن، من فطرتها وذكائها وقوة شخصيتها، وبحثها الدؤوب لكي تحيط نفسها بأساتذة الموسيقى والادب والفكر، وكانت طفلة من قرية عادية في ريف مصر، لكنها عرفت كيف تعلم نفسها، وتواصل التعلم من دون انقطاع.. مجموعة القيم هذه باقية ولا ينقص سوى الاستفادة منها.
وأشارت الدكتورة فؤاد الى انها كتبت في احدى مقالاتها في صحيفة "الاهرام" عن أم كلثوم "ان أغانيها بطاقاتها وقدراتها الخاصة وأسلوبها المميز ستظل طابعاً متفرداً وفريداً لا يتكرر ولا يتناهى ولا يضاهي، وستبقى لأنها تاريخ في التاريخ، لأنها في الحياة علامة وقيمة، وبعد الحياة ذخر وتراث، وفي الحالين معاً، ملحمة أمة".
الهرم الرابع
أما رتيبة الحفني رئيسة الاوبرا المصرية سابقاً وصاحبة كتاب "أم كلثوم معجزة الغناء العربي" فقد وصفت أم كلثوم بأنها "الهرم الرابع" وقالت إنها باقية بقاء الاهرامات نفسها وتضيف: "هي باقية مع العصور القادمة كلها، لأنها قيمة فنية، وكل اعمالها الغنائية تتميز بجودة عالية، وتم تسجيل اغانيها لكي تعيش للأبد". وأكدت الحفني أن أم كلثوم جزء من نجاح منظومة متكاملة هم كتاب كلماتها وملحنوها. وقالت: يبقى طريقها محفوراً بالضوء لكل من يريد من الفنانين ان يصل الى مكانتها، فحياتها وكفاحها مدرسة غنائية يمكن الانتماء إليها والدرس فيها لكل راغب، وأحد عوامل بقاء صوت أم كلثوم أنها مطربة الكل: شعب وارستقراط، رجل الشارع غنى الاطلال، والملوك سمعوا الآهات. ولاحظت الحفني ان صدى ام كلثوم كان عظيماً في الغرب، واعتبروها علامة مميزة في الشرق كله. وتطرقت مغنية الاوبرا الشهيرة الى مسلسل "أم كلثوم" وقالت ان هذا المسلسل بما فيه من إيجابيات وسلبيات أحدث صدى كبيراً، إذ اوضح للجيل الجديد أن لديه قمماً عالية، وأن هذه القمم لم تصل الى مجدها بسهولة، فقد تابع الجيل الجديد خطوات صعود أم كلثوم، وبدأ يسأل عنها ويبحث عن اشرطتها، وكسبت الموسيقى العربية جمهوراً جديداً، وأملي ان يتماشى مطربونا الحاليون مع التقاليد التي ارستها ام كلثوم.
لن تتكرر
إلا أن الموسيقى العربية ما زالت تحارب حتى الآن في رأي استاذ الموسيقى المعروف احمد شفيق أبو عوف الذي قال إن المؤمنين بالموسيقي الغربية لا يعلِّمون الموسيقى العربية، وعلى ذلك فهي مهملة في التعليم، ويُعد صوت أم كلثوم الخالد احد المدافعين على رغم مرور ربع قرن على رحيلها عن هذه الموسيقى واصالتها. وارجع ابو عوف بقاء تراث ام كلثوم الى أنه مسجل بصوتها، بينما اعمال عبده الحامولي ومحمد عثمان ضاعت لانها لم تكن مسجلة. وقال: "كنا نأخذ اعمال الحامولي وعثمان من على ألسنة من سمعوها، ثم نحولها الى نوتة موسيقية، بعكس اغاني ام كلثوم لأنها كلها مسجلة بصوتها، ولذلك ستبقى زمناً طويلاً". وأضاف: تراث ام كلثوم باق ومفيد وصحي، لان كلمات اغانيها جيدة وموسيقاها جادة وممتازة، وتسجيل الصوت على أحسن مستوى، ولذلك ستبقى ثروة لهذه الامة.
ورفض أي احتمال لتكرار ام كلثوم، "هي معجزة آلهية لن تتكرر، جاءت وعشنا في جلبابها زمناً وسنظل". وعاد أبو عوف بالذاكرة الى قصة حصولها على جائزة الدولة التقديرية التي كان له دور فيها. قال: "كنت رئيساً لمعهد الموسيقى العربية. وذهبت الى بيت الرئيس عبدالناصر. وقلت له إن رئيس اللجنة المانحة للجائزة حسين فوزي لن يرشح ام كلثوم للجائزة التقديرية، لأن الجائزة حسب نص القانون تعطى لمبدع مؤلف او ملحن ولا تعطى لمطرب مؤد، فما كان من عبدالناصر الا ان تناول سماعة التليفون وتحدث مع أحد الوزراء وأمر بمنح الجائزة الى أم كلثوم. لقد راح تكريم الدولة وكل الدول وبقي التكريم الشعبي الذي هو أهم تكريم، ويكفي ان الناس تسمعها ليل نهار في كل حي وفي كل زقاق.. أما الحروب ضد ام كلثوم التي بدأت منذ ان وطأت أقدام هذه الفتاة الريفية ارض العاصمة لم تنته حتى وفاتها، كل هذا الصراع الذي خرجت فيه أم كلثوم منتصرة دائماً، كل هذا راح وراحت ايامه، وراح محاربوها وحسادها واعداؤها وبقيت هي".
ويتأسف ابو عوف على ضياع فيلا ام كلثوم، وقال: لم اسكت وذهبت الى وزير الثقافة السابق عبدالحميد رضوان وسألته كيف تسكتون على هدم فيلا ام كلثوم؟ فرد عليّ قائلاً: ليست لدى خمسة ملايين جنيه يطلبها الورثة. فقلت له: اعطني ورقة رسمية اذهب بها في جولة بالبلاد العربية وسأجمع لك اضعاف هذا المبلغ، لكنه رفض، وتشاجرت معه.
بناء وصرح...
لم يبق من الملحنين الذين تعاملوا مع أم كلثوم أحد على قيد الحياة باستثناء كمال الطويل الذي رفض الحديث للصحافة. لكن "الوسط" التقت الموسيقار محمد سلطان وكانت أم كلثوم تحدثت معه قبل وفاتها في لحن اغنية من كلمات الشاعر الراحل عبدالفتاح مصطفى صاحب "لسه فاكر" و"ليلي ونهاري".
يقول سلطان: أم كلثوم فنانة في القمة ولم يزد مرور الايام هذه النجمة إلا تألقاً، كما زاد حب الناس لها. ان أعمال أم كلثوم موجودة وباقية، وهي رسخت مثلاً عليا لاخلاق الفنان ووفائه لفنه. عرفت ام كلثوم كيف تنتقي الكلمة واللحن، وكيف تدرس وتتعمق.
ويحدد الموسيقي اللبناني سليم سحاب اربع محطات في حياة أم كلثوم الفنية لعلاقة هذه المحطات بالاجيال الشابة:
- الأولى: مونولوج "إن كنت اسامح وانسى الآسية" ألحان محمد القصبجي في سنة 1928 الذي وزَّع مليون اسطوانة فكسبت أم كلثوم شباب الثلاثينات.
- المحطة الثانية: أغنية "يا ظالمني" ألحان رياض السنباطي التي شدا بها شباب الخمسينات من المحيط الى الخليج وأنا بينهم، فقد كنا نسمع عبدالوهاب وليلى مراد، ونعتبر ام كلثوم مغنية من القرن التاسع عشر.
- المحطة الثالثة: اغنية "أنت عمري" ألحان محمد عبدالوهاب التي شدا بها شباب الستينات الثائر، وكنت في لبنان طالباً في الكونسرفتوار، وكان لبنانيون من أقراني يكرهونها باعتبارها بوقاً لعبد الناصر لكنها جذبتهم الى حبها.
- المحطة الرابعة: مسلسل "أم كلثوم" الاخير، بعد 25 سنة على رحيلها. لقد أبكى المسلسل الناس في البلاد العربية، وكنت في لبنان في رمضان الماضي خلال عرض المسلسل، ووجدت اساتذة جامعات ومثقفين كباراً يلاحقون المسلسل على جميع الفضائيات العربية التي كانت تعرضه، فهذا المسلسل تعرض لأشياء ومواد نعرفها عن أم كلثوم وسبق أن قرأناها كمادة ميتة ولكننا شاهدناها حية تنبض على شاشة التلفزيون.
ولاحظ سحاب ان عظمة وفن ام كلثوم باقيان. ويقول: إنها اعظم صوت أنجبه الغناء العربي الحديث، ويبقى أن أي دارس لتقنيات الغناء العربي الصحيحة، والتجويد القرآني، وتجويد ايقاعات الكلمة العربية بشكل صحيح، يكفيه أن يسمع أم كلثوم، وكذلك إذا اراد أن ينطق ايقاع الكلمة العربية بشكل صحيح، وينطق جميع تقنيات الغناء العربية الكلاسيكية والصوتية. ويقول سحاب: "انها تشكل كل عناصر دراسة تقنيات الغناء العربي غير الموجودة خارج صوت أم كلثوم، إن فنها خالد وسيبقى طالما بقي وجدان عربي. واتمنى - يقول سحاب - اصدار كتاب يتضمن تقنيات صوت أم كلثوم التي لم نستفد منها بشكل علمي بعد، وآمل أن يتوافر لي الوقت لعمل هذا الكتاب. "صوت أم كلثوم معجزة لن تتكرر، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن ام كلثوم هي مؤسسة وكوكبة من عباقرة الكلمة واللحن والسمع أيضاً. كان لها مستمعون محترفون، والمستمع الجيد مفيد للثقافة والفن العربيين أكثر من الموسيقي السيئ".
أجمع خبراء الموسيقى العربية على أن مكانة أم كلثوم فوق السحاب، والكلمة الاخيرة استخدمت للدلالة على لقاء ام كلثوم بعبدالوهاب في اغنية "أنت عمري"، والطرف الثالث في هذا اللقاء لم يكن سوى الشاعر الرومانسي احمد شفيق كامل الذي كتب لها ايضاً: "أمل حياتي" و"الحب كله" و"ليلة حب".
يذيع كامل سراً وهو يتحدث ل"الوسط"، إذ أن "أنت عمري" لم تكن لقاءه الاول مع أم كلثوم، إذ سبقتها اغنية لا تذاع حالياً وهي أغنية "باسم مين" من ألحان رياض السنباطي. يقول كامل: "عندما حدث الانفصال بين مصر وسورية في 1962 كتبت هذه الاغنية "باسم مين" التي يقول مطلعها: يا خارجين على الشعب. قمتم باسم مين. وأذيعت الاغنية مرتين أو ثلاثاً ثم منعت إذاعتها بأمر من عبدالناصر الذي أعلن بعد ذلك ان مصر تبني ولا تهدم، ولم تذع الأغنية حتى الآن". ويذكر أن لأم كلثوم اغنية لا تذاع ايضاً قالتها في مناسبة رحيل عبدالناصر من كلمات نزار قباني وألحان رياض السنباطي.
يضيف كامل: ماذا بقي من أم كلثوم؟ أم كلثوم لا يوجد غيرها! يبقى منها صوتها وتسجيلاتها. كانت خلاصة زمن متكامل يبدأ من اجتماع طه حسين والعقاد والزيات واحمد امين. ومن عبدالوهاب وفريد وعبدالحليم. ومن القصبجي والسنباطي ومحمود الشريف.. أين هذا المستوى الآن؟! من الصحافة والسياسة والفن والفكر والادب. حتى البيوت والشوارع كانت أجمل. أما أم كلثوم فهي درة فريدة في ذاتها. وزمانها كان درة بين الأيام. إنها تقاليد وقيم غابت..
ويؤكد كامل: لم تغب ام كلثوم.. افتح الراديو.. ألا يعيش معها كل مواطن عربي ساعة واحدة في اليوم الواحد على الاقل؟ الذي غاب هو الجسد لكن الصوت حاضر، وهي تعيش بيننا لم نكن نأخذ منها غير فنها وصوتها، والآن نفس الشيء.
وأشاد كامل بمسلسل "أم كلثوم" لقد جذب جيلاً جديداً، ومبيعات اشرطتها زادت، وفي جمعية المؤلفين والملحنين يحصل ورثة كتاب وملحني أغانيها على أعلى عائد وأكبر إيراد من الجمعية التي تحصل حقوق الأداء العلني عن الأغاني المصرية في العالم، واسأل ورثة الموجي وبليغ والشناوي ورامي والسنباطي وعبد الوهاب.
ويحكي كامل قصة محطة إذاعة أم كلثوم، فيقول: "بعد ضرب الاذاعة المصرية الرسمية في عدوان 1956 تم إنشاء محطة سرية حتى إذا انقطع الارسال عن المحطة الرسمية، ينتقل البث إليها، وحتى يتم جذب الناس إليها أذاعوا أغاني أم كلثوم، فتحولت محطة المقاومة إلى محطة أم كلثوم التي يسمعها أهل القاهرة يومياً من الخامسة الى العاشرة مساءً، والناس هي التي اطلقت عليها اسم "محطة أم كلثوم"!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.