ترامب: لا أعتقد أن هناك خلافات جوهرية كثيرة مع إيران    الأهلي يقصي جوهور الماليزي ويتأهل لنصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة    اكتمال مشروع الصيانة الشاملة للكعبة المشرفة    لاعب القادسية "العمار" مصاباً حتى نهاية الموسم    المملكة تدشّن حزمة برامج تدريبية للنساء وأسرهن في مديرية سيئون بحضرموت    سعود عبدالحميد يسجل ويقود لانس للفوز على تولوز    إنترميلان يهزم كالياري بثلاثية ويقترب من حسم اللقب    كوفنتري سيتي يصعد للدوري الإنجليزي بعد غياب 25 عاماً    «سلمان للإغاثة» يوزّع (3,716) سلة غذائية في مدينتي دير البلح وخان يونس    الاتحاد يودّع نخبة بطولة آسيا من ربع النهائي    متطوعو دوري أبطال آسيا للنخبة يكتسبون مهارات تنظيمية متقدمة في جدة    وزارة الحج: غدًا تصل أول رحلة لضيوف الرحمن إلى المملكة    مبادرة وقفية من مدير مركز التدريب الزراعي بمنطقة جازان    رحم الله الظاهري، رجل الإنسانية    هيئة الأدب والنشر والترجمة تختتم مشاركة المملكة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026    «منارة العلا» و«محمية الغراميل» أولى المواقع للسماء المظلمة في المملكة    159 ألف راكب في تبوك.. النقل العام يعيد تشكيل حركة المدينة    "الأرصاد": التوقعات تشير إلى هطول أمطار على منطقة الرياض    صُنّاع الإيجابية يحتفلون بحفل معايدة مميز ضمن فعاليات معرض بيلدكس بمكة المكرمة    آل الشيخ: نعيم القلب في القرب من الله    الدوسري: الإيمان بالقضاء والقدر أصل الطمأنينة    الذهب يستقر ويتجه لتحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي    إحباط تهريب 29 كيلوغرامًا من الكوكايين في ميناء جدة الإسلامي    ليلة بهيجة في حفل زواج المهنا وآل لبده    فتح باب التسجيل في برنامج الشباب الصيفي    وليد الفراج يكشف: تكتل اقتصادي يستعد للاستحواذ على الأهلي    غرفة تبوك تستضيف برنامج عطاء    عبدالعزيز بن سعد يشهد حفل اعتماد حائل "مدينة صحية" من منظمة الصحة العالمية    سفير خادم الحرمين الشريفين لدى المملكة المتحدة يلتقي الطلبة المبتعثين في بريطانيا    الشقق المخدومة ترفع الشواغر ومكة تتصدر    جهاز ذكي لرصد ضغط الدم    نجاح عملية عاجلة لفصل توأم ملتصق سعودي بعد عملية جراحية دقيقة استغرقت 6 ساعات ونصفًا    هدنة تنتظر التمديد تحرك باكستاني وأمريكا تصعد لهجتها    الشؤون الإسلامية في جازان تنفّذ أكثر من 300 ألف منجز خلال الربع الأول من عام 2026م    ترقب للتحركات الأمريكية بيروت بين هدنة معلقة ومفاوضات مؤجلة    تشاور أوروبي لإعادة هيكلة الناتو    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تحتفي بإنجازات "راية البحثي" وتدشن نسخته الثانية    فرع غرفة الشرقية بالجبيل ينظم لقاءاً إستشارياً لرائدات الأعمال    سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى تكريم 121 طالبًا وطالبة بجائزة "منافس" لعام 2025    رئيس وزراء باكستان يزور المسجد النبوي    نائب أمير منطقة مكة يرأس اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة        رئيس وزراء باكستان يُغادر جدة    بحث تعزيز التعامل مع الحالات الحرجة للأطفال    مهرجان «مالمو 16» يكرم عبد الله المحيسن    «تعليم الشرقية» تنظم لقاء التجارب المتميزة    1.8 % معدل التضخم    انفراجة مرتقبة في الأيام المقبلة.. واشنطن ترجح اتفاقاً قريباً مع طهران    تأكيد على أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية لإعادة الاستقرار.. ولي العهد ورئيس الوزراء الباكستاني يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية    رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية يصل إلى جدة    مروج تصاريح دخول المشاعر في قبضة الأمن    طفل بريطاني يطلق النار على رأس صديقه    تذكرة بمليون جنيه.. حفل «الهضبة» يشعل مواقع التواصل    اطلع على تقريره السنوي .. أمير نجران يؤكد أهمية دور التدريب التقني بالمنطقة    أمير نجران يقدّم تعازيه في وفاة آل جيدة    أمير الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية رائد    «إدمان الشوكولاتة» يثير الجدل في بريطانيا    نبتة برية تحارب البكتيريا المقاومة للعلاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أم كثوم والخلافة المستحيلة : طيفها يخيم على قرن من الاحلام والهزائم !
نشر في الحياة يوم 13 - 02 - 1995

أشياء كثيرة تغيّرت منذ رحيلها في الرابع من شباط فبراير 1975، أما أم كلثوم فبقيت حاضرة بشكل يومي، ترافق كعادتها الاحداث الصغيرة والكبيرة، كأنها لم ترحل أبداً. ما زالت هنا، بصوتها وأغنياتها، بما تختزنه من ذاكرتنا القريبة والبعيدة، الفردية والجماعية. فشبحها يخيّم على القرن الذي شهد صعود الاحلام ثم انهيارها المدوّي. من خلال الشهادات التي تنشرها في هذه الحلقة الثانية والأخيرة، تمضي "الوسط" في محاولة سبر أغوار الأسطورة الكلثومية، محتفية على طريقتها بذكرى مرور عشرين عاماً على وفاة "كوكب الشرق".
الموسيقي توفيق الباشا: ليست صوتاً وحسب
إن العصر الذي ظهرت فيه ام كلثوم، كان عصر تحولات فنية واجتماعية في المنطقة، وخصوصاً في مصر بعد الحرب العالمية الكبرى. في هذا الاطار الخاص ظهرت فتاة كانت تتنقل في قرى الريف المصري، لتنشد الأناشيد الدينية في المناسبات، قبل أن يتعرّف عليها أحد فناني ذلك الزمن بالمصادفة ويعرض عليها الإنتقال الى العاصمة حيث وقعت بين أيدي فنانين كبار، من أبي القصيدة الغنائية الشيخ ابو العلا محمد ومحمد القصبجي العود والقانون وجرجي سعد ناي وكميل حلمي كمان الخ... وهؤلاء شكّلوا في منتصف العشرينات نواة فرقة موسيقية محترمة، أي ما يسمى في عصرنا الحاضر ب "التخت الموسيقي الشرقي". في هذا الجو تكونت شخصية ام كلثوم الفنية.
ما أريد قوله هو أن ام كلثوم ليست صوتاً وحسب كما يعتبر البعض، انها شخصية فنية متكاملة، تكونت من التقائها بكبار الفنانين وشعراء الأغنية. واذكر في هذا الصدد ان احمد رامي الآتي يومها من بعثة دراسية في باريس، تحول عندما سمعها الى شاعر غنائي، بينما كانت عودته الى مصر هي لمنافسة احمد شوقي.
وفي استماعنا الى غنائياتها بدءاً من القصيدة العلائية نسبة الى ابو العلا محمد ووصولاً الى آخر ما غنته لمحمد عبد الوهاب، لم تكن ببغاء ألحان بل شخصية كلثومية. علماً ان الملحن، كان بالنسبة إليها معلماً سواء ابو العلا محمد بقصائده او زكريا احمد بأدواره وطقاطيقه، او محمد القصبجي بتطويره للألحان واخذه عن الأوبرا الغربية صيغة المونولوج في الأغنية العربية وبالتنافس الشديد الذي حصل بينه وبين عبد الوهاب في تطوير الموسيقى والغناء الشرقي.
كانت وسيلة عبد الوهاب صوته، بينما كانت ام كلثوم مع القصبجي تجديداً، ومشاركة في الإبداع. ونسمي في هذا الإطار قصيدة لأبي العلاء "بحقك أنت المنى والطلب" التي سجلت اولاً بصوته، ومن ثم بصوت المطربة فتحية أحمد - وكانت لا تقل ام كلثوم في مقدرتها الفنية - وأخيراً بصوت ام كلثوم. ولو قارنّا بين التسجيلات، لوجدنا في صوت فتحية أحمد خروجاً عن الخط الفني او المبدأ الفني الذي رسمه الملحن - فهذا النوع من الغناء كما نعلم، كان يسمح للمطرب المؤدي أن يتلاعب في الأداء واظهار براعته الإبداعية - بينما نجد شخصية كلاسيكية فنية ثابتة في صوت ام كلثوم التي كانت تشارك في العمل الفني، ولم تكن مجرد مؤدية وحسب".
ولا شك أن اجادتها للمدائح وتلاوة القرآن الكريم في بداياتها، كان لهما دور أساسي في تكوينها الفني، وجعلا منها قمة في مدرسة الأداء للشعر العربي، سواء كان هذا الشعر شعبياً أو فصيحاً. فهناك كثير من السقطات لأصوات عظيمة ظهرت في العالم العربي، في مضمار لفظ الشعر، وسبب ذلك بأن اللغة مقدسة عند المستمع العربي الذي درس الأدب والشعر ولم يدرس الموسيقى. من هنا سيطرة ام كلثوم على عناصر الأغنية لغة وموسيقى واحساساً، التي اقترنت بقوة صوت نادرة. ولا ننس في هذا الصدد بأنها متذوقة للشعر والأدب، وكانت لها وجهة نظر أساسية في اختيار او تغيير بعض الكلمات، يأخذ بها شعراء كبار أوّلهم احمد رامي دليلها الشعري والأدبي.
حين نقارن ام كلثوم مع معاصرتها فتحية أحمد صاحبة الصوت الكريستالي، نجد أن الأخيرة قد تأخرت عن الركض، ولم تستطع ان تهب كل وجودها للغناء كما فعلت ام كلثوم التي جعلت فنها فوق اي اعتبار، بل دخلت المجتمعات الكبرى واصبحت المرأة الثانية الملقبة ب "صاحبة العصبة" وزوج النحاس باشا، ورفعت بالتالي اسماء المطربات وقيمة من كان يمتهن الفن الغنائي في ايام لم تكن شهادة الفنان مقبولة. ولو شئنا فعلاًَ أن نبحث الآن عن خليفة لأم كلثوم، بما في هذه الخلافة من ثقل فني واجتماعي، لفكّرنا ربّما بصوت الفنانة سعاد محمد، أما ما تبقى فلا!
فأم كلثوم تمتعت بما لم تتمتع به أي امرأة في العالم. فهي لم تأت لتقلد غيرها، وكانت فريدة في عطائها الفني، وهذا ما نفتقده كثيراً على الساحة الفنية.أما الذين يغنون بعد ام كلثوم، فيبرعون في جانب معيّن دون غيره. كنت اتمنى بدل التناسخ القائم، ان يكون هناك نوع من التلوين في العطاء، شرط استمرارية التواصل وليس القفز الى ما يسمى اليوم بالأغنية الشبابية، لتبرير العطاء غير المستند على اي جذر في الفن. ألم تكن ام كلثوم شابة حين غنت وعمرها 18 سنة؟ وكذلك عبد الوهاب؟
غياب أم كلثوم أحدث فراغاً هائلاً، وعلى رغم المحاولات، لم يستطع احد ملء تعويض هذا الغياب. يجب ان نعتز بأننا عشنا في عصر صوت ام كلثوم". وللأسف حين زرت القاهرة منذ فترة، وجدت برجاً تم تشييده مكان شقتها، بدل من تحويل فيلا ام كلثوم الى متحف، باعتبارها ثروة قومية كما توت عنخ آمون.
الملحّن محمد الموجي: أخذت القرن كلّه
إن محمد حسن الشجاعي كان رئيسا للاذاعة المصرية هو الذي اقترحني على أم كلثوم كي ألحن قصيدة أحمد رامي "انشودة الجلاء" ومطلعها: يامصر إن الحق جاء...". كان ذلك عام 1954 بعد جلاء القوات البريطانية عن مصر في حزيران يونيو. وشاركت رياض السنباطي في الحان فيلم "رابعة العدوية" الذي شاركت فيه أم كلثوم عام 1955، حيث لحنتُ كلمات طاهر ابو فاشا "إنقروا الدفوف" و"حانة الاقدار".
ثم لحنت لها عام 1957 من كلمات صلاح جاهين "محلاك يا مصري". ولم أتعاون معها بعد ذلك، إلا بعد مرور سبع سنوات، وبالتحديد في تموز يوليو 1964 حيث لحنت لها من كلمات عبد الفتاح مصطفى "صوت بلدنا" وكانت تحية للاذاعة. وفي العام نفسه غنت من ألحاني "للصبر حدود" من كلمات عبد الوهاب محمد. وبعدها جاءت أغنية "ياسلام على الأمة" من كلمات عبد الفتاح مصطفى سنة 1965 وآخر مالحنت لها "اسأل روحك" من كلمات عبد الوهاب محمد سنة 1970.
أذكر أن أم كلثوم ارهقتني كثيراً في لحن "للصبر حدود" على عكس الراحة التامة في الأغاني الوطنية والدينية التي وضعتها لها، وكان أن تجاوبت معها وهي تتدخل في اللحن. أذكر أيضا أن "للصبر حدود" اغنية غير محظوظة لأنها غنتها عام 1964، وهو العام نفسه الذي غنّت فيه "انت عمري" التي كانت حديث العالم العربي لأنها سجّلت لقاء عبد الوهاب وأم كلثوم للمرة الاولى. وعلى الرغم من ذلك وجدت "للصبر حدود" مكانها، وحققت رواجاً في السنوات التالية. وعندما لحنت "اسأل روحك"، لم اسمح بتدخل أم كلثوم إلا في نطاق محدود، مع أنه كان من الصعب طبعاً منع سيدة الغناء من التدخل في الكلمات واللحن بصفة عامة.
وبقاء أم كلثوم متربّعة على عرش الاغنية العربية بعد هذه السنوات، يثبت جدارتها وحسن اختيارها وحسّها الفنّي، اضافة الى شخصيتها وصوتها وموهبتها. حتّى ليسعنا القول إنها أخذت القرن العشرين كله. فهذا القرن هو قرن أم كلثوم. وستدخل القرن المقبل أيضا من دون أن تتنازل عن هذه المكانة التي وصلت اليها بالصوت الجميل وقوة الشخصية والذكاء الحاد.
عازف الكمان عبده داغر: كل شيء جميل راح
أم كلثوم فتاة ريفية انحدرت من عائلة اغلبها مقرئين ومنشدين. والفن المصري في الغناء نشأ اصلا من الانشاد، فكبار الملحنين في مصر كانوا منشدين أساساً: الشيخ أبو العلا محمد، والشيخ زكريا احمد، والشيخ محمد القصبجي، والشيخ المنيلاوي، والشيخ سيد درويش...
أم كلثوم كانت منشدة تشتغل في افراح الريف وموالده واحتفالات الحجاج... وكانت هناك منشدات كثيرات في هذا المجال يملكن أصواتاً هائلة مثل الشيخة منيرة في ديرب نجم في الشرقية والشيخة هنيات شعبان في قلين التابعة لدسوق في كفر الشيخ. وأنا عملت مع الشيختين، وأشهد أن صوتيهما كانا يساويان صوت أم كلثوم. ولكن الأخيرة هيمنت بسبب من ساعدوها من المشايخ الموسيقيين مثل ابو العلا محمد والقصبجي وزكريا أحمد. واليوم هناك شبه اجماع على أن أم كلثوم فنّانة لن يظهر مثلها مرّة ثانية. وحتى لو ظهرت أم كلثوم اخرى في الأيام الحالية، فإن ذلك لن ينفع، لأنها لن تجد من حولها الكوكبة التي كانت من حول السيدة وأعطتها هذا البعد الكلاسيكي والاستثنائي. الاسماء الكبيرة انقرضت.
بدأ عصر أم كلثوم منذ الثلاثينات، هذا العقد الذي شهد ازدهار الغناء والموسيقى. واستمر الازدهار حتى العام 1965، حيث بدأنا رحلة الهبوط المستمرّة الى الآن. كل شيء جميل راح، ولا يستطيع القيمون على الغناء في مصر تربية بدائله. فالكم الغنائي ضخم والاصوات كثيرة، لكن الالحان وكلها تافهة. أصبح كل شيء "راقص": الأغاني التي يذيعها التلفزيون راقصة والمسرحيات بالرقص والتمثيل واعلانات السلع في التلفزيون يصاحبها الرقص... كل شيء في بلدنا اصبح بالرقص، ولم يعد هناك احترام للطرب والفنّ الأصيل. أم كلثوم كان يحفظ كلمات أغانيها الفلاح الجاهل ويردد قصائدها أهل النخبة، ويتجاوب معها أبناء الشعب من المحيط الى الخليج.
أما تجربتي معها فبدأت حين حضرت من مدينة طنطا مصاحباً للشيخة هنيات شعبان. تقدمنا الى اختبار الأذاعة المصرية كان يرأسها محمد حسن الشجاعي ونجحت هنيات وعملت في برنامج "ركن الريف"، وانطلقت انا في القاهرة مصاحبا للكثير من المطربين امثال كارم محمود وعبد العزيز محمود ومحمد عبد المطلب. وطلبني رئيس فرقة أم كلثوم محمد عبده صالح للعمل في الفرقة، فتملصت خوفاً من أن يغضب مني عازف الكمان الكبير احمد الحفناوي. ولما طلبتني أم كلثوم بنفسها من المايسترو عبد الحليم نويرة رئيس فرقة الموسيقى العربية وكنت عضواً فيها، وافقت. عملت معها في أغاني: "هوه صحيح الهوى غلاب"، و"القلب يعشق كل جميل"، و"الحب كله"، و"سيرة الحب".... كما بدأت في بروفات "أغداً القاك" التي استمرت فترة طويلة فطلبت اجرا اضافياً، لكن أم كلثوم رفضت طلبي. كان أجر الموسيقيين في فرقتها ضعيفاً، ومصاريف البروفات كثيرة ولم أحتمل.
الناقد محمود كامل: شخصية لن تتكرر
أم كلثوم شخصية لن تتكرر. فهي ليست مطربة تبسط الناس، ولكنها شخصية اكتملت لها عناصر التنوع والتفوق والإبداع، ولذلك لن يكون لها خلافة من أي نوع. ولن يأتي من تعادل أم كلثوم في ثقافتها وذكائها واحساسها. أم كلثوم سيدة مجتمع وليست مجرد سيدة غناء. مصر شهدت مطربات أخريات من المستوى الرفيع، مثل منيرة المهدية وفتحية احمد وغيرهما... ولكن أين منهما ملامح الشخصية الفذّة التي تشكّل جوهر تجربة أم كلثوم؟
يبقى من أم كلثوم السيرة العطرة ومشوار حافل بالمعاناة والعذاب والوصول الى القمة. كما تبقى اغانيها دليلا على كل ذلك. وبعد عشرين عاما من وفاتها، مازالت أكثر مطربة يستمع الناس اليها، ولا يلحقها الآخرون من راحلين وأحياء الا من بعيد. إنه حظ لا يعوّض أننا عشنا في عصر أم كلثوم، واتصلنا بها عن قرب، وحضرنا لها ولادة الحان وبروفات. أنا لعبت الورق مع أم كلثوم وهزمتها، فحزنت جدا لأنها لا تقبل أن ينتصر عليها أحد في أي شيء...
وتحضرني هنا حادثة طريفة. فحين غنت أم كلثوم قصيدة "آراك عصيّ الدمع" سنة 1929 أو سنة 1930، وسجلتها على اسطوانة، كنا نعتقد كلنا أن القصيدة من تلحين الشيخ ابو العلا محمد، وظل هذا الاعتقاد سائدا لفترة طويلة. وذات يوم خلال الستينات، كان مقررا أن تقدم فرقة الموسيقى العربية بقيادة الراحل عبد الحليم نويرة قصيدة "آراك عصيّ الدمع"، وكلّفت بكتابة برنامج الحفلة، فكتبت أن القصيدة من تلحين عبده الحامولي.
لكن أم كلثوم اتصلت بي مؤكدة أن اللحن لأستاذها الشيخ ابو العلا محمد، فرويت لها أنني سمعت اسطوانة "كباية" قديمة لدى صديق مسجل عليها الأغنية بصوت الحامولي. وسألتني السيدة: وكيف عرفت انها للحامولي وكل الأصوات في تلك الفترة كانت متشابهة؟ فأخبرتها كيف أنني وأنا اسمع الاسطوانة، فوجئت بصوت أحد الموجودين اثناء التسجيل يقول: "الله يشفيك ياسي عبده". ولم يكن هناك من يطلق عليه في هذا الزمان "سي عبده" سوى عبده الحامولي، كما انه ليس من المعقول أن يغني الحامولي من الحان أحد أعضاء فرقته وهو الشيخ ابو العلا محمد. أضف الى ذلك أن الشيخ أبو العلا لا يستطيع أن يغني بصوته المتواضع اغنية بهذه الصعوبة. وأخيرا فإن جميع الأغاني التي حفظتها أم كلثوم عن الشيخ ابو العلا مسجلة في اسطوانات بصوته، ما عدا "اراك عصي الدمع". فسلمت أم كلثوم برأيي، وكان حديث الوسط الفني كله.
الموسيقي زكي ناصيف: لا اعتقد بوجوب خليفة لها
طالما هناك تسجيلات، تثبت أهلية ام كلثوم، لأرقى مدرسة غنائية في العالم العربي، لا اعتقد بوجوب خليفة لها، لأن كل مزايا الغناء العربي متجسدة في صوتها واسلوبها الفذ. فأم كلثوم تمثل ثقافة، والا فالله كريم ليجود علينا بما يضاهي مزاياها.
وليد غلمية : لا مقدسات في الفن !
تمثل أم كلثوم عملاقاً لملايين المستمعين العرب. وهذه الجحافل من الجماهير التي تعملق ام كلثوم، لها الحق بهذا الرأي الذي لا يلزمني. صحيح أن ام كلثوم تمثّل فترة زمنية في مسار الغناء الشرقي والعربي، اجتذب الملايين من المستمعين، وبالتالي هي جزء لا يمكن اغفاله من تاريخنا الغنائي. لكن لا بد من طرح مسألة مقدرة هذه الظاهرة على الاستمرار، خارج حدود الجيل الذي عايشها وتأثر بها. وإلا فكيف نتكلّم عن حكم التاريخ؟
أما حين نسمع أن أم كلثوم هي التراث، فلا بد من التوضيح: المقصود هو تراث النمط التلحيني المصري! وبمعنى آخر انا ارفض منطق تناول المدرسة الكلثومية وكأنها من المقدسات. إذ لا مقدسات في الفن، وليس من قيمة مطلقة الا الله عزّ وجلّ. لذا لا يجوز البحث عن خليفة لأم كلثوم، لأننا نكون بذلك كمن يحكم سلفاً عليها او على المستمع العربي. فهل يجوز ان تقتصر امة على شخص؟
الكاتب محمد حسنين هيكل: خلاف مع السادات؟
كانت أم كلثوم متحمسة، فيها شيء من شخصية فلاحة طالعة من الارض. لم يكن عندها أي نوع من أنواع النقص، بل بدت دائماً واثقة من نفسها. أغلب الرجال الذين عرفت، رأيتهم أمام السياسيين والسلطة يتصرّفون بنوع من الانكسار والخضوع. أما هي فكانت مختلفة، ولم أعرف كثيرين مثلها!
لكن ليس صحيحاً ما أشيع عن خلافها مع أنور السادات لأنها رفضت أن تغنّي له... وفاة عبد الناصر انعكست عليها بصدمة كبيرة جداً، أقوى مما أصابها على أثر النكسة. فهي لم تتراجع بعد العام 67، بل اندفعت وغنت أكثر للمعركة. أما رحيل عبد الناصر فعاشته كنوع من اليتم، شأن كثير من المصريين والعرب. وفي يوم من الأيام كنا مدعوين عند سيد مرعي، وكان نائب رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب في مصر، وشخصية مرموقة ومهمة. والذين شاهدوا الحادثة عددهم محدود لايزيد على العشرة اشخاص بينهم المهندس سيد مرعي وحرمه، اخوه مرعي مرعي وحرمه، أنا وزوجتي، الرئيس السادات وحرمه.
جاء السادات يومها لابساً "بليزر" أسود وقميصاً أبيض، فنظرت اليه أم كلثوم قائلة: "ايه ده يا ريس، انت عامل أبيض وأسود زي الشجر في الضلمة، بيحطوا عليه أبيض علشان ماحدش يخبط فيه". ضحك السادات لكن حرمه انزعجت فخرجت، واستدعت حرم سيد مرعي ويبدو انها كانت متضايقة. وبعد ذلك استدعوا زوجتي وأنا أيضا خرجت... وقالت لي حرم السادات : يرضيك هذا ؟ قلت لها إنها مجرّد نكتة، لكنّهم ذهبوا وانتهت المشكلة. هذا كل ما حصل، وكانت بداية المشكلة. لكن الامور تطورت. وأم كلثوم لم يكن لها مزاج للغناء بعد موت عبد الناصر، وبدأت صحتها تتدهور. ثم فكرت في انشاء مؤسسة أم كلثوم الخيرية، لكن المشروع لم ينجح أو تم الاعتراض عليه بشكل أو بآخر. وماتت السيدة بعد حسرة.
الكاتب محمود عوض: ماتت كمداً
أم كلثوم ماتت كمداً بسبب ملابسات مشروعها الخيري الذي فكرت فيه سنة 1971، وجمعت له الدعم من وجهاء مصر. كانت تريد مشروعا خيريا بسيطا، وتبرعت بعشرين الف جنيه، لكن المهندس عثمان احمد عثمان تسبب في تضخيم المشروع بصورة افزعت أم كلثوم وتطور المشروع الي يانصيب وجوائز. وخسرت أم كلثوم بسبب ذلك 40 الف جنيه، لتغطي الجوائز فقط. هذا المشروع في رأيي أحد العوامل التي أدت الى الحساسية بين أم كلثوم وجيهان السادات.
وهناك عوامل أخرى منها أن أم كلثوم كانت شديدة التعلق بعبد الناصر واعتزلت فترة بعد وفاته. وفي أول حفلة بعد ذلك، غنت "ودارت الايام"، ما اعتبر رأىا سياسيا في الحكم الجديد، ورجل الشارع لم يكن يعتقد أن السادات سيملأ الفراغ. ولم يحدث هذا إلا بعد حرب اكتوبر وعندما كان مشروعها الخيري يذوي. كانت أم كلثوم تشعر بالقهر لاعتقادها أن الدولة كان يمكن أن تساعدها. وشعر الناس أن علاقتها مع جيهان السادات متوترة، إذ كانت الاخيرة تعتقد أن على الناس الذين يريدون التعامل مباشرة مع السادات، الا يعاملونه بأقل مما كانوا يعاملون به عبد الناصر! ولم تكن أم كلثوم تشعر بالارتياح تجاه من جاء بعد عبد الناصر...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.