مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    جهاز اتصالات مشفر يسهم في إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته جنوب غربي إيران    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    أبو زهرة بالعناية المركزة    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    أمير الباحة يطلق فريق «طوق التطوعي»    التقرير السنوي للتجارة على طاولة الشورى    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    بتبرع ولي العهد.. أمير الجوف يسلم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    ثماني «أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج 206 آلاف برميل يومياً    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    حليب الإبل.. مشروب الربيع في «الشمالية»    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    غالتييه: نقاط الفيحاء تعزز ثقافة الانتصار    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    اعتماد الصحي للقيادة مركزاً متعاوناً مع «المنظمة العالمية»    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    تأكيد على التنسيق المشترك بما يدعم الاستقرار.. وزير الداخلية ونظيره السنغافوري يستعرضان التطورات الأمنية بالمنطقة    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    مستشفى الملك فهد الجامعي يقود مسيرة متقدمة في زراعة القوقعة ورعاية فاقدي السمع    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    الأخدود يكسب الفتح بهدف في دوري روشن للمحترفين    وزير الداخلية يتلقى اتصالاً من نظيره السنغافوري بشأن الاعتداءات الإيرانية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    نائب أمير جازان يستقبل مدير فرع الهيئة العامة للنقل بالمنطقة    ليدار للاستثمار تختتم مشاركتها في مكة بيلدكس 2026 بإقبال لافت على مشروع دار مكة    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شهادة الأمير "كاكار" في الجماعة الاسلامية المسلحة . يوميات مرعبة من الحرب الجزائرية عن جز الأعناق ودفن الأحياء
نشر في الحياة يوم 22 - 02 - 1999

تنطوي الحرب الاهلية الجزائرية، كغيرها من الحروب، على أسرار ومناورات وقدر كبير من الغموض. ولعل تنظيم "الجماعة الاسلامية المسلحة" من أبرز الحلقات الغامضة في هذه الحرب. فعلى رغم تعاقب القادة على رأس هذا التنظيم خلال السنوات القليلة التي تلت ظهوره 1992 لم يتمكن صحافي واحد من لقاء أي منهم، وظلت صلة هذا التنظيم بوسائل الاعلام قاصرة على الفاكس والبيانات المرسلة الى ادارات التحرير في الخارج وهي تبزّ بعضها البعض عنفاً وتطرفاً.
ولم يُنسب الى "الجماعة المسلحة" مشروع سياسي محدد المعالم، وكل ما وصل منها وعنها لا يمكن التأكد تماماً من اصوله. وفي غالب الاحيان كانت "الجبهة الاسلامية للانقاذ" تنقل تصوراً عن "الجماعة" متعدد المناحي وفقاً للظروف السياسية والعسكرية الجزائرية فتارة تصفها بانها "افضل واهم تنظيم عسكري في الجزائر" وتارة اخرى ترى فيها ايادي السلطة الجزائرية. اما الحكم الجزائري فكان يتيح للعالم صوراً دموية عن "الجماعة" ويُعرّف بها بوصفها التيار الاسلامي كله العدمي والمتوحش وغير الجدير بأي حوار سياسي او المشاركة في الحكم.
ومن الاسئلة المحُيّرة حول هذا التنظيم الذي يُقدّر اعضاؤه بالآلاف. كيف يمكن ان يقتل زعيم له مرة كل عام في حين ان زعماء المنظمات والحركات المشابهة يستمرون عقوداً على رأس حركاتهم. وكيف يمكن لزعيم لا ماض معروفاً له في "العمل الاسلامي" او "الجهادي" ان يقود آلاف المقاتلين من دون ان يكون حائزاً على مؤهلات علمية او خبيراً بشؤون الحرب والسياسة والقتال.
تبدو هذه السطور ضرورية للفت القارئ الى شهادة ادلى بها "أميرٌ" من امراء الجماعة لكاتب فرنسي وصدرت منذ اسابيع في كتاب مستقل يحمل عنواناً مثيراً "اعترافات احد امراء الجماعة الاسلامية المسلحة" ويحمل توقيع باتريك فورستييه الذي يهتم عادة بالقضايا الغامضة، اذ اصدر من قبل كتاباً عن خفايا مجزرة "اوفييا" التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية في احدى مغاور كاليدونيا الجديدة 1988 واصدر كتاباً آخر عن مسيرة الشاعر الفرنسي رامبو على ضفتي البحر الاحمر في اثيوبيا وعدن ونقل سيرة الرهينة الفرنسية روجيه اوك في بيروت …الخ. وقد اعدّ الكاتب اعترافات الامير الجزائري المذكور بالتعاون مع احمد سلام وهو "صحافي يعمل بالقطعة" بحسب التعريف الوارد على متن الكتاب.
ويحمل "الأمير" اسماً مستعاراً "كاكار" ويعيش، حسب الكاتب، في اوروبا ورفض الافصاح عن اسمه لاسباب امنية لانه لا يحتفظ بأوراق ثبوتية في البلد الذي يعيش فيه، ونعرف في خاتمة الكتاب، ان "الأمير" هو من التائبين الذين لجأوا الى اجهزة الامن الجزائرية وافرج عنه لاحقاً لينقل الى اوروبا بطريقة سرية وما زال مقيماً فيها بطريقة سرية. ويؤكد المؤلف انه تحقق من المعلومات التي وردت في اعترافات "أمير الجماعة" ومن بين وسائله الخاصة في ذلك انه، اي الكاتب، على معرفة بالاسلحة التي وردت في حديث "الأمير".
ويقدم المؤلف "الأمير كاكار" بوصفه سائق تاكسي سابق وصل الى المرحلة الابتدائية في تعليمه. لكنه يعود ويُنسب اليه معرفة بالاقتصاد والسياسية اذ يقول "… اللاوعي والنقص في البراغماتية وغياب البرنامج الاقتصادي والمشروع السياسي عند أمراء الجماعة كل ذلك حمله على التخلي عن القتال" ويضيف "… لقد اكتشفت الوعي الاسلامي المصطنع لدى رفاق السلاح" ما يعني ان "الأمير" الشاب في العشرينات قادر ايضاً على استخدام مقاييس اسلامية للحكم على اللاوعي او الوعي الاسلامي لهذه الجماعة او غيرها علماً انه يقدمه في البداية بوصفه نصيراً بسيطاً للجبهة الاسلامية للانقاذ وانخرط فيها لاسباب شخصية وغير اسلامية سائق تاكسي اصطدم بشرطي فاسد.
لكن هذه الملاحظات التي تثير الحيرة لا تبرر حجب الشهادات الفظيعة الواردة في الكتاب، فهي تظل على مسؤولية الراوي المجهول الهوية والمؤلف الذي تعهد شخصياً صحتها وصدقيتها وعندما نصف هذه الشهادات بالفظيعة فالوصف لا يكفي للإحاطة بها ذلك ان مرويات الكتاب تفوح برائحة الدم على امتداد الصفحات وتعكس عالماً وحشياً خارج العوالم البشرية المألوفة، ولعل هذا ما يدفع الراوي في خاتمة الكتاب الى اجراء مقارنة اخرى عجيبة بين ما عاش ورأى وفعل وبين تجربة "الخمير الحمر" في كمبوديا او طالبان في افغانستان ما يعني اننا ايضاً في حضرة "أمير" محلي من "امراء" الجامعة وسائق تاكسي وحاصل على الشهادة الابتدائية فقط ولم ينخرط في تجربة سياسية وكان ينصرف الى اللهو لكنه في الوقت نفسه يملك خبرة سياسية واطلاعاً واسعاً على تجربة "الخمير" و"طالبان".
تبدأ سيرة "الأمير كاكار" من وهران حيث كان يعيش في أسرة لن نعرف تفاصيل كثيرة عنها. لكن بداية عمله السياسي انطلقت مع "الجبهة الاسلامية للانقاذ" وعبر التيار الذي كان يقوده سعيد مخلوفي الذي كان يميل الى العنف المسلح اكثر من قادة الجبهة الآخرين، ولم يكن "كاكار" على صلة مباشرة به وانما من خلال مسؤول محلي في وهران يدعى عبدالقادر مكي "الذي كان قائداً لاول مجموعة سرية مسلحة في وهران وانا عضو فيها. وكنا نسمي انفسنا عملاء الله ونفرض الخوات والضرائب لتكوين صندوق مالي للجبهة وبواسطة هذه الاموال اشترينا شققاً في المدينة وضواحيها اصبحت مخابئ لاعضاء المجموعة بعد حلّ الانقاذ والغاء نتائج الانتخابات النيابية العام 1992".
قبل ان يلتزم بحرب العصابات في ريف وهران، مارس "كاكار" اعمالاً ارهابية من بينها تهريب السلاح بين المغرب والجزائر، ويروي ما ترويه السلطة الجزائرية من ان المتمردين حصلوا على اسلحة اسرائيلية من نوع "عوزي" ويلاحظ انها ربما جاءت من طهران التي تخلت عن هذه الاسلحة بعد الحرب العراقية - الايرانية فوصلت الى المغرب ومنها الى الجزائر. ويقول ان تجاراً اغنياء كانوا يزودون مجموعة وهران بالاموال والسيارات وانه قتل بيديه رجال شرطة وماسونيين وبصارّة وعملاء للدولة وترأس خلال هذه الفترة مجموعة صغيرة.
اغتيال علولة
لن نعرف بالضبط في اية سنوات عمل مكي مع الجماعة المسلحة في وهران قبل ان تنكشف هويته ويضطر للانتقال الى الجبال في ريف المدينة، لكننا في المقابل سنلاحظ ان هذا الانتقال تم على اثر اغتيال المسرحي الجزائري الشهير عبدالقادر علولة وهو يروي التفاصيل.
"لم يكن عبدالقادر مكي يعلم مدى ردود الفعل التي ستنجم عن اغتيال عبدالقادر علولة عندما خطط لاغتياله، فما كان يعرفه هو ان علولة مدير المسرح الاقليمي في وهران. ولم يكن يهمه ان الرجل مسرحي مذ عرض اعمالاً لغوركي وغوغول وتشيخوف ودستويوفسكي ذلك ان هذه الاعمال كانت مسألة مجردة بالنسبة الى غالبية المجاهدين. كل هذه الاعمال وغيرها كانت بالنسبة لنا مجرد تفاهات. ومكي فلاح مؤمن لكنه أمّي قرر اغتيال علولة لانه علم ان هذا الاخير أخرج في الثمانينات مسرحية لكاتب ياسين عنوانها "محمد خذ حقيبتك" وهاجر الى فرنسا. ويعرف مكي ايضاً ان "ياسين" مثقف آخر مثل علولة، كان يتهكم على الدين.
"ان ينتقد مسلم الاسلام كان بالنسبة الينا كأنه يوقّع قرار موته بيده. وهذه قاعدة لم يكن اي منا مستعداً للتساهل فيها. وليس مهماً ان كانت مسرحية "ياسين" تتحدث عن توجه المهاجر للعمل في فرنسا. كان العنوان يعني لنا "محمد"، خذ حقيبتك، اي "اطوي اسلامك وامشي". لذا قررنا ان علولة يُدنّس الاسلام ومرتد عنه، فضلاً عن كونه شيوعياً وملحداً. وهو بالفعل كان مناضلاً في حزب الطليعة الاشتراكية الجزائري الذي كان ممنوعاً من النشاط العلني حتى العام 1989 وكان صديقه ياسين، كما اصدقاؤه الكثر في المسرح الشعبي في وهران ينتمون جميعاً الى التيار نفسه وهو نظير الحزب الشيوعي في فرنسا".
ويتابع قائلاً: "كان علولة رجلاً سياسياً يلتقي وزراء ويحتفظ بصلات مع الحزب الشيوعي الفرنسي ويعرف المسؤولين في النظام الطاغوتي الذي نحاربه. وهو كان يحقد علينا لدرجة انه طالب بالغاء نتائج الانتخابات النيابية الجزائرية العام 1992. كان اذاً عدواً حقيقياً يعادل اغتياله اغتيال فصيلة كاملة من الاعداء. ولم ننس ابداً ان علينا ان نغتال هذا الشيوعي الذي يسكن في شقة في شارع مستغانم ويحتفظ في مكتبه بصورة لماو تسي تونغ. ولو لم يمت صاحبه كاتب ياسين فانه كان سيلقى المصير نفسه. وعندما مات بكينا عليه ليس حزناً، بل لاننا لم نقتله بأيدينا. لقد انتقد هذا الكافر رسول الله لكنه لم يُشر مرة واحدة الى آلاف المسلمين الذين هجرّهم واعتقلهم ستالين ولينين.
كان "محمد سان بيار"، وهو "أمير" مجموعة صغيرة في وهران مكلفاً بتصفية عبدالقادر علولة، و"سان بيار" لقبه جاء من الحي السكني الذي يقطن فيه ويحمل اسم "سان بيار" كما هي اسماؤنا المستعارة جميعاً. واتفقت المجموعة على ان يتم الاغتيال قبل نهاية شهر رمضان بأيام قليلة.
"شاهدت علولة قبل يوم من اغتياله، ينظر في واجهة محل للمجوهرات، كنت اصادفه غالباً ولا ألقي التحية عليه، فهو عدو الله، في تلك اللحظات كان يرتدي بدلة بنية اللون ويتفحص خواتم وعقوداً ذهبية. فقلت في نفسي بأن هذه ستكون الهدية الاخيرة التي سيقدمها لزوجته او لبناته الثلاث كان بالنسبة لي رجلاً ميتاً مع وقف التنفيذ لساعات.
"قبل اغتياله خضع علولة للمراقبة الدائمة خلال اسبوع كامل وملاحقة شبان تعودوا على الجلوس في مقهى بالقرب من منزله ولاحظوا انه يخرج يومياً الساعة العاشرة صباحاً من بيته ويتجه نحو وسط المدينة سيراً على الاقدام. وفي يوم الخميس 10 آذار مارس 1994، رأيت الشخصين المكلفين بالاغتيال في شارع مستغانم ينتظران ساعة التنفيذ. كنت في سيارتي واشعلت نور السيارة ثم أطفأته للتحية فردّا عليّ بابتسامة خاطفة.
"كانت مجموعة الاغتيال قد تناولت فطور رمضان في شقة وسط المدينة ثم تمركزت بالقرب من منزل علولة وتولى اثنان تغطية المجموعة المنفذة بمسدسين من عيار 9 و7.65 ملم. اما محمد سان بيار وسيد احمد فقد اخفى كل منهما رشاش عوزي صغيراً تحت معطفه جاهزاً للاطلاق. قبل لحظات من الساعة التاسعة مساء خرج علولة من منزله واتجه نحو قصر الثقافة لالقاء محاضرة عن المسرح الجزائري. والفطور لم يكن يهمه لانه لا يصوم شهر رمضان ولم يغيّر شيئاً من عاداته في حين كنا نصوم عن الطعام والشراب طوال اليوم.
"لم يكن من الصعب ان تختلط هوية علولة على القاتلين فهو في ال 55 من العمر شعره اجعد وشارباه كثيفان يشكلان حاجزاً بارزاً في وجهه الدائري لذا كان من السهل التعرف عليه. عندما غادر المبنى تبعه سيد احمد خطوات ثم تجاوزه وعندما وصل الى مستوى ظهره اطلق عليه رصاصتين فسقط ارضاً، غير ان سيد احمد لاحظ انه ما زال حياً وكان يريد اطلاق رصاصة ثالثة كما تقضي السنة، غير ان محمد سان بيار منعه من ذلك لأن صوت الرصاص لفت انظار الناس الذين أحاطوا بالقاتلين اللذين أطلقا رشقات في الهواء وفرا سريعاً نحو محطة القطارات وهناك سلّما سلاحيهما الى شخص موثوق، حسب الخطة المرسومة. مررت في المكان بعد دقائق من العملية للتأكد مما حصل فوجدت ابنة علولة تبكي عليه وعرفت انه لم يمت بعد.
"اعتقد عبدالقادر مكي في البداية ان هذا الكافر قتل فعلاً. فقال "الحمد لله لقد مات"، ولكن في اليوم التالي علمنا انه غادر مستشفى وهران متوجهاً الى مستشفى سالبيتريار في باريس ولو بقي في وهران لكنا تخلصنا منه في المستشفى متنكرين بثياب موظفي البريد. بعد 4 ايام اذيع نبأ موته في مستشفى "فال دو غراس" الباريسي. وقلنا انه لو نجا من الموت هناك، فسيعود يوماً الى الجزائر وعند عودته لن نخطئه مرة اخرى".
ويعلّق "كاكار" على هذه الحادثة بقوله: "الفنانون والمثقفون ينتمون بغالبيتهم الى التيار الشيوعي وينتقدون الاسلام وكان علينا ان نصفّيهم جميعاً ولو استلمنا السلطة ذات يوم كان سيتحتم عليهم الاختيار بين حقيبة الهجرة او الموت، تماماً كما هي حال "الاقدام السود" غداة الاستقلال".
الشاب حسني
اتخذ قرار اغتيال الشاب حسني، مغنى الراي الجزائري الوهراني، في 5 تموز يوليو العام 1993، حسب "كاكار" الذي يروي دائماً التفاصيل. والسبب في ذلك انه غنى "في عيد الاستقلال في الجزائر العاصمة. هددناه مراراً بالقتل من قبل لكنه لم يعبأ بالتهديدات معتقداً ان شعبيته الواسعة بين الشبان ستنقذه من الموت. في ذلك المهرجان الغنائي قبّل فتاة امام 150 الف شخص مقلّداً المطربين الفرنسيين الذين يلجأون الى مثل هذه الحركات لبث الحرارة في جمهورهم وقد أثارت هذه الحادثة "الجماعة المسلحة"، فأحرق حسني نفسه بنفسه.
"كنت ضد اغتياله ومع اصابته بجروح فقط فيتنبه ويفهم ثم يكفّ عن الغناء للجنس والكحول، خصوصاً انه لم يكن يتعاطى السياسة ولم يدن الاسلاميين، لكن اغانيه كانت تحمل رسالة معينة لا نوافق عليها ولا يوافق عليها ايضاً جيش الانقاذ الاسلامي الذي هدده بالقتل ايضاً في العام 1993.
"قبل اغتياله ارسل اليه ناصح وهو "أمير" الحي الشعبي المعروف ب "الحمري" رسالة تهديد هي عبارة عن باقة زهر مرفقة بقطعة قماش وقطعة صابون وزجاجة عطر وهي من ضروريات غسل الميت. وفي اليوم نفسه تلقى الشاب صحراوي مغن آخر التهديد نفسه، وهو متزوج من الشابة فضيلة صاحبة اغنية "انا لم اعد احب النوم" وتحمل معاني المضاجعة وتناول الكحول وهما كانا على رأس قائمة الاغتيال.
"الأمير ناصح وأخوه اعتمدا هذه الوسيلة كانذار اخير قبل تنفيذ الاغتيال. وناصح كان يحتفظ بمشاعر ثأرية لان احد رجال الشرطة قتل أخاه، وجاء يخبره التفاصيل قائلاً: لقد سحقت اخاك كحشرة. وابتداء من ذلك اليوم اصبح مجنوناً. فالتحق بالجماعة المسلحة في الجبل لبعض الوقت ثم عاد الى وهران وبدأ يقتل كل من يعتبره عدواً لله.
"اما حسني فلم يكن جاهلاً بالمخاطر التي تهدده لأن مغني الراي يعرفون بعضهم ويعرفون التهديدات التي يتلقاها احدهم لكنه كان مفرطاً بثقته بنفسه. اشترك ثلاثة في قتل الشاب حسني. "أمير" الجماعة ناصح واخوه وشخص ثالث يدعى "ابن الرومية" نسبة الى والدته الفرنسية المتزوجة من والده الجزائري. علمتْ المجموعة من أحد الجيران ان الشاب حسني يتردد على مقهى في حي غاميتا بالقرب من منزل اهله فتوجهت الى المكان واطلق عليه "ابن الرومية" رصاصتين ثم صرخ "الله اكبر"، فأصابته الاولى في رأسه والثانية في صدره، وهو حاول ان يصيبه في حنجرته لتقطيع حباله الصوتية ولكي يكفّ عن الغناء الى الابد".
ويتشنج "كاكار": "بعد كل عملية من هذا النوع كنا نلتزم السكينة، لان البوليس يتحرك على نطاق واسع وينشر الحواجز في كل مكان، لكن بعد ايام تعود الامور الى مجراها الطبيعي ونعود الى استئناف عملياتنا… وكان العقاب في هذه اللعبة واحد، فكل من يعتقل مصيره الموت".
بعد اغتيال الشاب حسني وعلولة سيقتل عبدالقادر مكي المسؤول عن "كاكار" وسيتمكن البوليس من اعتقال شبان في "الجماعة" أفشى احدهم باسم "كاكار" الذي اضطر الى مغادرة وهران والالتحاق بالجماعات المقاتلة في الجبال، وفي هذه المرحلة شارك في عمليات قتل مباشرة ونصب حواجز مموهة بثياب الشرطة ونجا مراراً من الموت وهو يروي تفاصيل رهيبة عن الاشخاص الذين التقاهم.
"في الجبال كان بين شيحا أمير المنطقة وتحت إمرته فريق من كتيبة "الاهوال" واعضائها ينتشرون في كافة انحاء الجزائر وهم من الافغان الاكثر وحشية والقتلة المحترفين القادرين على ارتكاب ابشع المجازر. قال لي احدهم انه سيذهب الى تونس والمغرب بعد نهاية الحرب. فسألته لماذا؟" قال: اريد ان اقتل ولا اريد ان اتزوج واربي اسرة فكل بلد أمرّ فيه آخذ امرأة وهذا يكفيني.
ويتحدث ايضاً عن مجموعة سرية يدعى اعضاؤها "المرتزقة بالله" وكانت هذه المجموعة متخصصة باغتيال الشخصيات الكبيرة والماسونيين والاطباء والصحافيين. ويعتبر هؤلاء ان كلمة مرتزقة لا تتناقض مع الدين. "فنحن نحترم الله وهو يُقدّم لنا الجنة، نعطيه ارواحنا فيعطينا الجنة".
عمي سليمان
ومن بين الشخصيات الرهيبة التي يصفها "كاكار" في اثناء عمله في الجبال شخصية "عمي سليمان" الذي كان يتولى ذبح السجناء والاسرى الذين تقبض عليهم الجماعة، ويعتمد تقنيات معينة لهذه الغاية. ويروي قائلاً: "عمي سليمان يده سحرية في الذبح وكان لكثرة ما ذبح، مطلوباً في كل مكان ويمكن ان يقضي على اي حاجز مفاجئ.
ولانه الماهر الوحيد في هذا المجال فلم يكن بوسعه ان يلبي طلبات الجميع لذا قرر ان يدرب مجموعة من الشبان على الذبح. وتطوع ستة منهم لهذه الغاية. كنا نسمعه يشرح اولاً نظرية الذبح وبصوت عال مع حركات ايضاحية من يديه. فيقول لتلاميذه: عندما تريدون ذبح سجين يجب تركيعه اولاً على الارض لتعطيل حركة قدميه وقوة رجليه، ويجب تقييد يديه وراء ظهره بشريط حديدي ومن ثم الضغط باليسرى على جبهته وباليد اليمنى تحرّك السكين بحركة دائرية حول رقبته واذا كانت الحركة صحيحة والسكين مشحوذة جيداً فان الشخص ينتهي بسرعة اكبر. ويواصل عمي سليمان الشرح حول استخدام المنشار الحديدي لقطع الرأس وفصله عن الجسد واستخدام البلطة في بعض الحالات".
ومن بين اكثر الروايات بشاعة وهولاً حادثة كان ينقلها "كاكار" عن دفن شاب حياً، فيقول: "كنا نسيطر على منطقة طولها 250 كلم تمتد من السعيدة الى وهران. ذات يوم قطعنا المياه عن منطقة سيغ لافهام الناس اننا نسيطر على الوضع وان الجيش لا يستطيع ان يفعل شيئاً، وبقيت المياه مقطوعة بالفعل اياماً الى ان اضطر الجيش لنصب معسكر ليلاً نهاراً بالقرب من محطة المياه لاعادتها الى المنطقة. وكان معنا في هذه المنطقة "اسطنبول" مجموعة افغانية يعيش افرادها مع بعضهم البعض في خيمة مستقلة. ذات يوم ذهبت هذه المجموعة الى الطريق العام ونصبت حاجزاً وهمياً بثياب الشرطة ولم تتمكن من القبض على اي من العسكريين او المطلوبين من الجماعة، وعندما كادت تهم بمغادرة المكان مرة سيارة يقودها شاب في الثامنة عشرة من عمره وبعد تفتيش السيارة عثر احدهم على بطاقة التجنيد خبأها الشاب في احدى زوايا السيارة. وعندما علم بهوية رجال الحاجز اخذ يبكي وقال لهم: لا. لا. ارجوكم اتركوني وسأحمل لكم من بعد رشاشات كلاشنيكوف فلم يعبأوا بكلامه ومن ثم جاؤوا به الى المغارة ووضعوه مقيداً بالقرب من شجرة وكلما مرّ احدهم بالقرب منه كان يقول له: "ستذهب قريباً الى المسلخ المجزرة" واجبروه على العمل طيلة يوم بكامله في حمل الماء والمعدات الثقيلة واكياس البطاطا، ما حمله على الاعتقاد بانه سينجو من الموت. لكن جمال الافغاني قرر ان يدفنه حياً. فأعطاه رفشاً وطلب منه ان يحفر حفرة لما وصل عمقها الى متر ونصف المتر رماه فيها، فانهار تماماً. كنا اربعة من حوله نضربه بأعقاب بنادقنا كلما نهض فصار يصرخ ويبكي ويرجونا فقلنا له يمكنك ان تصرخ ما تشاء من الصراخ فلن يأتي احد لنجدتك. لقد عمل طوال اليوم حتى خارت قواه ولم يعد قادراً على المقاومة فصرنا نهيل التراب عليه وهو يسعل ويبصق ويمسح وجهه الى ان اختفى جسده تحت التراب ولم نعد نسمع صوته. انتظرنا عشر دقائق ثم سوّينا التراب بأرجلنا وغادرنا المكان".
ليست هذه الرواية هي الوحيدة في هولها بين مرويات كتاب "اعترافات امير في الجماعة الاسلامية المسلحة" فصفحاته البالغة 285 صفحة جديرة بمنع الشبان غير الراشدين من قراءتها، لكن بغض النظر عن دقة ما ورد فانه مرتبط شئنا ام أبينا بحرب الجزائر الدموية التي لا يصل من فظاعتها الى الخارج الا النذر القليل


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.