انتهى شهر العسل بين فريق مسرحية "قشطة وعسل"، وأسدل الستار سريعاً على العرض الذي أكمل بالكاد عامه الاول، وهو الذي كان مخططا له ان يتجاوز ذلك بكثير. أو على الأقل يتخطى حاجز السنوات الثلاث التي امتد خلالها عرض مسرحية فيفي عبده السابقة "حزمني يا بابا" والتي تحولت لاحقاً الى عرض سينمائي. وحتى الآن ليست هناك أسباب معلنة تبرر قرار منتج المسرحية ومخرجها جلال الشرقاوي ايقاف عرض "قشطة وعسل" في ذروة الموسم الصيفي، في الوقت الذي ترفع فيه الستارة عن عروض أخرى جديدة سعياً وراء اقتطاع جانب من كعكة الرواج السياحي العربي في القاهرةوالاسكندرية طوال أشهر الصيف. ولذلك فإن شيئاً مهماً قد حدث بالتأكيد في كواليس المسرحية عجل بإطفاء الأنوار في مسرح جلال الشرقاوي قبل الأوان. المخرج نفسه والمتضرر الاول من ايقاف عرض مسرحيته، سرّب، على ما يبدو، معلومات مفادها أنه أوقف العرض بسبب توعك ركبة فيفي عبده مستفيداً من الكلام الذي أثير حول رحلات الراقصة المتكررة الى أوروبا لمباشرة علاج ركبتها. فيما نفت هي صحة هذه المعلومات من دون أن تفصح عن الأسباب الحقيقية لإسدال الستار على مسرحيتها. لكنها سعت عملياً للتدليل على سلامة ركبتها ونفي هذه المعلومات، فوافقت على العرض الذي تلقته من أحد المطاعم الكبرى بالرقص فيه يومياً. وامتلأت الصحف والشوارع بإعلانات الدعاية عن الفقرة التي تؤديها الراقصة المعروفة في المطعم الشهير. هذا فضلاً عن مشاركاتها في حفلات عدة في القاهرةوالاسكندرية والغردقة. وهو ما ينفي تماماً تعرض ركبة فيفي عبده لإصابة تمنعها من الرقص أو ممارسة نشاطها الفني بشكل عام. فماذا حدث بالضبط داخل مسرح جلال الشرقاوي المشهود له بخلافاته المتكررة في معظم مسرحياته؟. لقد نشبت خلافات حادة، بين البطلة والمنتج - المخرج، وصلت الى حد التراشق بالألفاظ على مرأى ومسمع بعض الحاضرين بسب ما اعتبرته فيفي عبده اجحافاً مادياً في حقها مقابل موافقتها على عرض المسرحية يوم الأحد من كل أسبوع على مسرح جلال الشرقاوي في حدائق المنتزه في الاسكندرية، وهو ما لم يكن متفقاً عليه من قبل عند بداية العرض في القاهرة في العام الماضي. فضلاً عن اعتراض الراقصة على حجم الدعاية والموازنة المخصصة لها، خصوصاً في ظل ظهور أكثر من خمس عشرة مسرحية جديدة هذا الصيف، علماً بأنها كانت قد عرضت عند افتتاح المسرحية العام الماضي أن تساهم في موازنة الدعاية كعادتها في معظم أعمالها الفنية. لكن الشرقاوي رفض بشدة، وأكد في حينه أنه المسؤول الأول عن العرض، نافياً أي دور لها في الانفاق على الدعاية. ومهما يكن فإن خلافات كهذه، مهما تنوعت اسبابها، كانت متوقعة بين شخصيتين قياديتين مثل شخصيتي الشرقاوي وفيفي، وفي مسرحية لم يبق من أبطالها الاساسيين مع فيفي سوى المطرب مدحت صالح، فيما تم خلال عام واحد فقط استبدال خمسة أبطال آخرين، حيث كان المخرج قد اتفق أولاً مع فؤاد خليل، ثم أتى بوحيد سيف للدور نفسه، فاضطر لأن يدفع للأول خمسين الف جنيه قبل ان يقف يوماً واحداً على خشبة المسرح، ثم انسحب الممثل الآخر هذا الموسم. بعد ذلك تمت الاستعانة بفاروق فلوكس. أما حسين الشربيني فآثر العودة الى مسرحية "الملك هو الملك"، تاركاً مسرحية الشرقاوي الذي اضطر الى اسناد الدور الى جمال اسماعيل فلم يمض هو الآخر الا اسابيع قرر بعدها صاحب المسرحية إغلاقها لأجل غير مسمى. والمتتبع لمسرح جلال الشرقاوي يعرف جيداً أن هذا ليس خلافه الأول مع ابطال عروضه، ففي العام 1974 وأثناء نشاط فرقة عمر الخيام المسرحية حدث بينه وبين المطربة وردة وزوجها - آنذاك - الملحن بليغ حمدي خلاف حاد في اوج نجاح اوبريت "تمر حنة"، أدى الى إسدال الستار عليها لمدة عشرة أشهر كاملة قبل أن يستأنف عرضه ويسارع التلفزيون بتصويره. وفي شهر تموز يوليو 1977 رفع الشرقاوي دعوى قضائية ضد الممثلين محمد نجم وبدر الدين جمجوم وأبو لمعة لأنهم تركوا له، مجتمعين، مسرحية "8 ستات" على إثر خلافات مادية وانضموا الى فرقة عبد المنعم مدبولي. وفي العام 1988 أصدرت محكمة الازبكية بحقه حكماً بالحبس لمدة شهر لأنه أزال من على مسرحه في وسط القاهرة الشمع الأحمر الذي وضعته الشرطة. وفي مسرحية "إنقلاب" التي قامت نيللي ببطولتها وصل الصدام بينه وبين بطل العرض المطرب ايمان البحر درويش الى القضاء، حينما ترك له المطرب المسرحية في يوم إعادة افتتاحها بعد جولات عدة من المناقشات والبلاغات المضادة، الأمر الذي أدى الى تعرض الشرقاوي لخسائر فادحة بسبب اعتماد العرض في جانب كبير منه على التقنية السينمائية، ومن ثم استحالة إبدال ايمان البحر بمطرب آخر. كذلك اختلف المخرج المنتج مع اثنين من أهم الكتاب:الاول كان يوسف ادريس، في شأن مسرحية "البهلوان" التي استبدلها الشرقاوي في اللحظة الأخيرة بمسرحية اخرى هي "البغبغان" من بطولة محمد صبحي، والثاني اسامة أنور عكاشة في شأن مسرحية "القانون وسيادته"، حين رفض المؤلف التعديلات التي أصر المخرج على إدخالها على النص. ولئن كان خلاف الشرقاوي - ادريس قد وصل الى المحاكم، فإن عكاشة آثر الانسحاب واغلاق المسرحية. على أن أشهر خلافات الشرقاوي واقواها كانت مع النجمة الهام شاهين في ايلول سبتمبر 1984 اثناء قيامها ببطولة مسرحية "افرض" حيث وصل الامر الى حد رفسها أمام الجميع، لأنها استضافت اصدقاء لها في غرفتها في المسرح من دون إذنه، ما دفعها الى التقدم ببلاغ الى قسم شرطة الازبكية فقام هو الآخر بالتقدم ضدها ببلاغ معاكس. ولأن القضاء يفصل في كل بلاغ على حدة فإن صدام الشرقاوي والهام لم ينته بمنتصر ومهزوم وانما بسيل من الاتهامات المتبادلة على صفحات الصحف. أما آخر خلافات المخرج الكبير قبل موقعته مع فيفي عبده، فكان طرفها الآخر أحمد بدير بطل مسرحيته قبل الأخيرة "دستور يا أسيادنا". التي أدت الى إغلاق المسرحية على رغم المردود السياسي الطيب لهذا العرض الجريء. فهل تطفو على السطح في الأيام المقبلة خلافات الشرقاوي وفيفي عبده في شأن "قشطة وعسل" أم يكتفي الطرفان بإنهاء علاقتهما الفنية في هدوء؟ ومهما يكن فإنه يجب في النهاية التأكيد على ان تعدد الخلافات بهذه الصورة لا يعني بالضرورة تحميل المسؤولية في كل مرة لطرف بعينه. وانما هي فقط مجرد ظاهرة تستحق الرصد والتأمل.