سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
"الوسط" تحاور الرئيس السابق لاستخبارات الجيش اللبناني . غابي لحود : من تدخل في كارثة "الميراج" ال "سي آي ايه" ام "الموساد" ام الصدفة؟ ، تدخلنا في الانتخابات لكننا لم نبدّل الصناديق ، لو أخذنا برأي الجنرال لدفعنا الثمن باهظاً 2
في خريف 1969 شهد لبنان حادثاً اكبر من قدرته على الاحتمال ولطالما اختير لبنان مسرحاً لهذا النوع من الحوادث كونه الحلقة الأضعف بسبب طبيعة نظامه وتركيبته. والحادث باختصار مواجهة غير متكافئة بين استخبارات دولة صغيرة وجهاز عالمي مرهوب الجانب هو الاستخبارات السوفياتية. في حرب 1967 نجح العدوان الاسرائيلي في قصم ظهر سلاح الجو العربي معتمداً في صورة اساسية على طائرات "ميراج" الفرنسية. كانت الهزيمة مريرة للعرب وكذلك للسلاح السوفياتي الموجود في ترساناتهم وخصوصاً طائرات الپ"ميغ" العامود الفقري لسلاحهم الجوي. بحثت موسكو في سبل اعادة الاعتبار الى هيبة سلاحها واختارت في النهاية السعي الى خطف طائرة "ميراج" من سلاح الجو اللبناني. انه سوء الحظ الذي سيطبع العقود التالية من حياة لبنان. كان غابي لحود رئيساً لپ"الشعبة الثانية" حين ابلغ ضابط طيار شاب اسمه محمود مطر قيادته ان السوفيات اتصلوا به لخطف الطائرة في مقابل مبلغ مغرٍ من المال. ويقول لحود ان "الشعبة الثانية" كانت تدرك خطورة الدخول في مواجهة مع ال "كي. جي. بي" لكنها سعت الى الحصول على ادلة لحملها من دون اعلان الى السفير السوفياتي. ولهذا طلبت من مطر التظاهر بالموافقة للحصول على خط سير رحلة الفرار وعلى شيك باسم والده. وكان يفترض لعملية دهم الشقة خلال الاجتماع الاخير قبل التنفيذ بين مطر واثنين من الديبلوماسيين السوفيات ان تتم بهدوء لكن اطلاق نار حصل من قبل الجنود اللبنانيين المداهمين وسقط عدد من الجرحى بينهم الديبلوماسيان السوفياتيان. هكذا تحول النجاح الى كارثة بسبب اطلاق النار. اضطرت الدولة يومها، وربما لحماية بعض الضباط المشاركين في الدهم من الملاحقة، الى اصدار بيان غير صحيح يقول ان الديبلوماسيين قاوما ونشرت صورة مسدس زعمت انه لأحدهما. كان الحادث كارثة للدولة والشهابية والشهابيين. فبسببه امتنع كمال جنبلاط عن تأييد الياس سركيس في انتخابات الرئاسة في 1970 وترك الحرية لأعضاء كتلته وسقط سركيس الذي لم يكن يحتاج الى اكثر من صوت واحد. وعلى رغم مرور الوقت يشعر لحود بالألم حين يعود بذاكرته الى ملف "الميراج". يصمت ويسرح في التفكير ويقول: "من تدخل لاطلاق النار وتحويل الحادث كارثة سياسية. الپ"سي. آي. ايه" ام "الموساد" ومن اخترق عملية التنفيذ". ثم يسارع الى عدم استبعاد ان تكون الصدفة لعبت دورها وكأنه يبحث عن اسباب تخفيفية لبعضهم. وفاء لحود لمن عملوا في ظل قيادته لپ"الشعبة الثانية" يرغمه على تفادي بعض التفاصيل، لكن القصة الكاملة لعملية خطف "الميراج" لن تتأخر في الظهور. لا ينكر غابي لحود ان "الشعبة الثانية" تدخلت في السياسة والانتخابات. لكنه ينفي ان تكون لجأت الى ابدال صناديق الاقتراع. تاريخ "الشعبة الثانية" لم يكن في عهد لحود مقتصراً على "التجاوزات" الانتخابية فهي ادت خدمات للبلد وللعرب. وهو يقول ان الشعبة حذرت قبل 1967 من ان اسرائيل تعد لعمل عسكري واسع ضد الجانب العربي لكن الرئيس جمال عبدالناصر لم يأخذ بهذه المعلومات التي اعترف بوصولها اليه قبل الحرب. كما ان "الشعبة الثانية" توقعت ان تقصف اسرائيل مطار بيروت او ميناءها في 1968، لكن تنفيذ اجراءات الحماية تأخر. ويتحدث لحود في هذه الحلقة ايضاً عن نشوء "الحلف الثلاثي" في لبنان ويشيد بمزايا الرئيس شارل حلو، لكنه يسجل في الوقت نفسه ملاحظات على اسلوبه ونقطة الضعف التي لم تظهر يوماً في سلوك الرئيس فؤاد شهاب. وهنا نص الحلقة الثانية: هل توقعتم في "الشعبة الثانية" اندلاع حرب 1967؟ - بعد الحرب قال الرئيس جمال عبدالناصر نفسه ان الاستخبارات اللبنانية ابلغته ان اسرائيل تعد لعمل عسكري واسع لكنه لم يتوقف عند هذه المعلومات لأنها لم تتأكد من مصدر استخباري آخر. لا نريد ادعاء ادوار تفوق حجمنا وقدراتنا لكن ذلك حصل فعلاً. كان النقيب عباس حمدان مسؤولاً عن الاستخبارات الخارجية وضابط الارتباط مع مراقبي لجنة الهدنة، وكان يتقن العبرية ويستعين ايضاً بمترجمين يعرفونها. لم تكن لدينا امكانات مالية وشبكة واسعة لجمع المعلومات لكن عبر رصد التطورات وقراءة المعلومات الواردة الينا، وبينها حصيلة لقاءات مع ملحقين عسكريين اجانب، توصل الى خلاصة مفادها ان اسرائيل تعد لعمل عسكري واسع ضد الجانب العربي. ابلغنا هذه المعلومات الى القيادة المصرية عبر القيادة العربية الموحدة التي كانت قائمة آنذاك، لكن لم يؤخذ بها. لم تكن لدينا تفاصيل الخطط الاسرائيلية او ما يشبه ذلك لكن كنا على حق في قراءة اتجاهات الوضع. اندلعت الحرب فهل طلبت مصر او سورية من لبنان المشاركة فيها؟ - لم نتبلغ وجود طلب من هذا النوع. لكن شيئاً لافتاً حصل وكان يمكن ان يؤدي الى نتائج بالغة الخطورة لولا التعقل والتمهل. اندلعت الحرب وأعلنت البيانات العربية الأولى ان اسرائيل منيت بخسائر فادحة وأوحت ان اسرائيل تتجه نحو انهيار كامل. فجأة اعتبر العماد اميل بستاني قائد الجيش ان لبنان يجب ان يقوم بعمل ما ليشارك في الانتصار العربي. ويبدو انه خاف ان تتقدم الجيوش العربية وتحرر فلسطين ويسجل عليه ان الجيش اللبناني بقيادته لم يقم بأي عمل مع ما يمكن ان يعنيه ذلك الموقف من اتهامات بالتخاذل فضلاً عن انه سينهي دوره وطموحاته التي تأكدت لاحقاً. طلب العماد بستاني من اركان الجيش ان تدرس الخيارات الممكنة: هل يبدأ الجيش اللبناني قصف المواقع الاسرائيلية ام يختار موقعاً محدداً ويتقدم لاحتلاله؟ وطلبت الاركان الاطلاع على رأي "الشعبة الثانية" وتقديرها. كانت المسألة حرجة جداً ولم تكن لدينا معلومات دقيقة حول سير العمليات خصوصاً في اليوم الأول. جلسنا نفكر وبدأنا بطرح اسئلة بديهية: هل يمكن ان ينهار البناء العسكري الاسرائيلي في غضون ساعات؟ ولماذا تشن اسرائيل حرباً اذا لم تكن قادرة على خوضها؟ واضافة الى ذلك هل تسمح الدول الكبرى بانهيار اسرائيل؟ وأعتقد بأن الاجواء استمرت في اليوم الثاني للحرب وحاولنا جمع معلومات عن الوضع بالطرق العادية التي تعتمدها الاجهزة، وبينها السؤال عما لدى الملحقين العسكريين للدول الكبرى من معلومات. شعرنا ان اي سوء تقدير يمكن ان يتسبب في كارثة. فالقصف او التقدم لاحتلال موقع يعني اعلان الحرب. قدراتنا العسكرية محدودة وإذا لم تكن معلومات البيانات العربية صحيحة فان اسرائيل قد ترتد علينا وربما وصلت الى بيروت. اطلعنا رئيس الاركان الزعيم اول يوسف شميط على خلاصة تصورنا ولعب دوراً حاسماً في الحيلولة دون اي عمل متسرع بانتظار جلاء الصورة. ولم يتأخر مسار الحرب في الاتضاح وكانت النتيجة اشبه بزلزال. بماذا شعرتم عندما تبين ان اسرائيل احتلت سيناء والجولان والضفة الغربية؟ - ساد ذهول فائق بادئ الأمر، تلاه غضب على القيادات العربية التي قادت الحرب بالبيانات الكاذبة ثم غضب على الجهات التي سلحت اسرائيل على هذا النحو انتهاء بالاحباط والتفكير بالعواقب. وبالنسبة الى العواقب لا يمكن فهم القسم الثاني من عهد شارل حلو من دون التوقف عند محطة 1967 تماماً كما لا يمكن فهم عهد الرئيس الياس سركيس لاحقاً من دون الالتفات الى ما نجم عن زيارة الرئيس انور السادات الى القدس. لقد سقط الرهان على الجيوش العربية في المواجهة مع اسرائيل وضعف اي منطق عربي رسمي في مواجهة منطق المقاومة الفلسطينية. قبل 1967 كان ياسر عرفات يحلم بلقاء عبدالناصر فلا يحظى، متى حظي، الا بلقاء رئيس مكتبه سامي شرف. بعدها صار عبدالناصر يحرص على ان يضع ياسر عرفات الى جانبه في اطلالاته الجماهيرية. صارت العلاقة مع المقاومة الفلسطينية مصدر شعبية او طمأنينة او حماية للأنظمة. استقال عبدالناصر واجتاحت التظاهرات المدن اللبنانية ثم عاد عن استقالته. وشعرنا يومئذ اننا امام مرحلة بالغة التعقيد. اليأس من الانظمة والجيوش العربية اطلق الرهان على المقاومة التي ستنحصر في ساحتين الأردنولبنان لتنتقل بعد احداث 1970 في الأردن الى المدن والبلدات اللبنانية. التقصير في 1968 هاجمت اسرائيل مطار بيروت الدولي هل توقعتم ذلك؟ - طبعاً توقعنا ذلك. فقد تعرضت طائرة ركاب اسرائيلية لعمل فدائي في اليونان وركزت اجهزة الاعلام الاسرائيلية على كون الفدائيين قدموا من لبنان، فلفتني النقيب عباس حمدان الى خطورة الأمر. وجرياً على العادة، بعد حصول اي حدث يستدعي التحليل او اعطاء التوجيهات المناسبة، جمعت ضباط الشعبة وعرض عباس حمدان، خلال الاجتماع، ما لديه من معلومات عن الحادث. كان واضحاً من عرضه والسوابق التي اوردها ان اسرائيل سترد حتماً على عمل من هذا النوع، خصوصاً انها تحدثت عن انطلاق المنفذين من لبنان او عودتهم اليه. بدأنا عملية تحليل لما يمكن ان يكون عليه الرد، هل يتناول هدفاً عسكرياً ام مرفأ حيوياً، وخلصنا الى وضع لائحة بالاولويات المحتملة، اعطينا الموقع الأول فيها لمطار بيروت، خصوصاً ان الطائرة الاسرائيلية المستهدفة مدنية، ولم نستبعد كاحتمال ثانوي قصف مرفأ بيروت كذلك، انطلاقاً من ذلك نظمنا في اليوم نفسه مذكرة للقرار وحملناها باليد الى الشُعب للتشديد على توفير حماية عاجلة لمطار بيروت. عقد قائد الجيش اجتماعاً في اليوم نفسه لقادة المناطق العسكرية وتم تكليف قائد منطقة بيروت اتخاذ اجراءات لحماية المطار تحسباً لعمل عسكري اسرائيلي. انتهى الاجتماع وقصفت اسرائيل المطار ليلاً. اما ان قائد منطقة بيروت تأخر في اصدار التعليمات واما ان التنفيذ تأخر. كان ريمون اده وزيراً للاشغال وسارع الى المطالبة برأس "المكتب الثاني". شكلت لجنة تحقيق وعندما ابرز الكتاب الذي اعدته الشعبة انتهى الأمر وضاعت التدابير بحق المقصرين خصوصاً بعدما تبين ان نجيب علم الدين رئيس مجلس ادارة شركة طيران الشرق الأوسط قد أمّن الطائرات وحصل بالتالي على تعويضات. هل نجحت المنظمات الفلسطينية في اختراق الجيش خلال وجودك على رأس "الشعبة الثانية"؟ - اجزم ان ذلك لم يحصل والسبب هو شعور العسكريين والضباط بأن القيادة ملتزمة بنهج وطني لا يميل الى فريق داخلي من دون آخر. كنا ننسق مع الفلسطينيين ونجتمع معهم لكن لم نسمح مرة لأي فريق بأن يكلمنا وكأنه يمتلك اوراقاً داخل الجيش. في مواجهة الپ"كي. جي. بي" كنت رئيساً لپ"الشعبة الثانية" وحاول السوفيات خطف طائرة "ميراج" لبنانية ما هي هذه القصة؟ - جاءنا الضابط محمود مطر ذات يوم، وهو طيار "ميراج" في سلاح الجو اللبناني، وأفاد ان ديبلوماسيين من السفارة السوفياتية اتصلوا به محاولين اقناعه بخطف طائرة من هذا الطراز. المسألة خطيرة طبعاً. وخطورتها في الدرجة الأولى ان يكون الاتحاد السوفياتي بالذات، وهو السند الخارجي الرئيسي للفريق السياسي الذي يساند سياسة النهج على الصعيد الداخلي، هو الذي يقوم بمبادرة تجعلنا نخسر صداقته فيضعف صف النهج الى غير رجعة. جمعت ضباط "الشعبة الثانية" في جلسة تحليل ورحنا نطرح الاسئلة ونناقشها للتثبت اولاً من جدية المحاولة. في عالم المخابرات يمكن ممارسة الخداع لايقاع الاجهزة الاخرى لألف سبب وسبب. وكان بيننا، للوهلة الأولى، من استبعد اقدام السوفيات على ذلك. طرحت آراء كثيرة في الاجتماع. السوفيات يقومون بتسليح الجيوش العربية بعد هزيمة 1967 وتحديداً الجيشين المصري والسوري. واعادة التسليح تركز على سلاح الجو، خصوصاً ان طائرات "الميراج" الفرنسية انزلت خسائر فادحة بطائرات "الميغ" السوفياتية في تلك الحرب. وسبق لسورية ان طلبت اكثر من مرة اطلاع طياريها على هذه الطائرة وطريقة عملها. لكن القيادة العسكرية اللبنانية عارضت ذلك لأنه مخالف للشروط التي حصلنا بموجبها على "الميراج" من فرنسا. وتبين بنتيجة التحليل ان الامر جدي والمحاولة لها مبرراتها المعقولة فاستأت للأمر استياء شديداً. كنا ندرك اننا نتعامل مع دولة كبرى هي الاتحاد السوفياتي وهي اضافة الى ذلك دولة صديقة للعرب وندرك ابعاد التسبب في اي ازمة علنية. هنا واجهتنا مشكلة: لو ذهبنا الى السفير السوفياتي وروينا له ما يحصل لن يكتفي بالانكار بل سيتهمنا نحن بتلفيق تهمة ضد السوفيات خدمة للغرب او الاميركيين، ونحن ليست لدينا اي ادلة قاطعة على التورط السوفياتي. وبدا واضحاً ان الحصول على ادلة امر جوهري. خطة الهروب كانت الخطة السوفياتية تقضي بأن يقلع محمود مطر بالطائرة، لمناسبة خروجه في مهمة تدريبية روتينية، ثم يقطع الاتصال مع القيادة على الأرض متذرعاً بعطل في جهاز الراديو. وبانتظار اتضاح الامر لقيادة سلاح الطيران اللبناني يكون قد اجتاز مسافة معينة فتنطلق طائرات سوفياتية من قاعدة ما لمواكبته في رحلة تنتهي في مطار باكو اذربيجان. لقاء ذلك قدم السوفيات لمطر ضمانات طويلة عريضة بأنه لن يلحق به اي اذى وانه سيعامل كبطل عربي وسيعامل بحفاوة حينما ينزل طيلة الوقت الضروري لتسوية وضعه القانوني في لبنان. وبغرض الحصول على الأدلة تقرر الطلب من محمود مطر متابعة الاتصالات مع الديبلوماسيين السوفياتيين بانتظار ان يتوافر لدينا دليل حسي على الخطة فنحمله من دون اعلان الى السفير السوفياتي سيرفار عظيموف. لم نكن في وارد الدخول في عداء مع جهاز بحجم الپ"كي. جي. بي" لكنها وقد كتبت علينا خطى مشيناها ولو على مضض. الخطة المضادة ماذا كانت خطتكم؟ - طلبنا من محمود مطر متابعة اتصالاته، والتركيز على رغبته في الاطمئنان الى مصير عائلته في بيروت، وانه يريد ان يترك بين يدي زوجته شيكاً مصرفياً يؤمن حاجاتها المادية حتى موعد انضمامها اليه. والغاية من ذلك واضحة: الحصول على الشيك لابرازه للسفير السوفياتي. حين نضجت العملية زودنا مطر جهازاً صغيراً. كانت الخطة كالآتي: يذهب مطر للقاء الديبلوماسيين السوفياتيين في المكان المقرر للاجتماع، وهو شقة قرب ثكنة الحلو وقرب السفارة السوفياتية ايضاً. ويصعد النقيب عباس حمدان مع عنصرين من شرطة الجيش الى سطح البناية اثر دخول مطر الاجتماع، بينما يرابط الرائد سامي الخطيب في ثكنة الحلو مع مجموعة جاهزة للتدخل. كان باستطاعة حمدان الاستماع الى ما يقوله مطر. وتم الاتفاق على جملة معينة يقولها مطر، بعد تسلمه خط رحلة الفرار من المطار اللبناني الى باكو وبعد تسلمه الشيك الذي وعدوه به. اعدت كل الخطة على اساس الحيلولة دون حصول أية مقاومة قد تقود الى مضاعفات يصعب معها المحافظة على الكتمان المنشود. وفور تلفظ مطر بالجملة التي تفيد ان الشيك اصبح في حوزته قضت الخطة بأن ينزل حمدان مع مرافقيه بعدما يكون سامي الخطيب تبلغ بدوره وتحرك الى المكان مع مجموعته. يقرع حمدان باب الشقة فينهض احد الديبلوماسيين لفتح الباب عندها يسيطر مطر على الديبلوماسي الآخر لمنعه من استخدام السلاح اذا كان في حوزته ويسيطر حمدان على الديبلوماسي الذي فتح الباب. من اطلق النار؟ وماذا كانت الحاجة الى مجموعة سامي الخطيب؟ - ربما كنا شاهدنا افلام تجسس اكثر من اللازم وتحسبنا ان يكون الديبلوماسيان مدربين على طريقة جيمس بوند فيتمكنا من الافلات وتعود القصة من اولها. ولماذا لم يتم التنفيذ على هذا النحو؟ - حصل كل الذي خططنا لتفادي حصوله وهو اطلاق النار فأصيب عباس حمدان في بطنه وأصيب الديبلوماسيان بجروح طفيفة. من اطلق النار، هل اطلق الديبلوماسيان النار؟ - هذا السؤال ما زلت اطرحه على نفسي حتى هذه اللحظة. هل يا ترى وقعنا فريسة مؤامرة علينا وعلى السوفيات، كما تتداخلني الشكوك، نتيجة اختراق عملية التنفيذ من احدى الجهات، ام تراه مجرد حادث قضاء وقدر كأن تكون النار انطلقت عفوياً من بندقية احد العسكريين في هذا المكان الضيق فتصرف رفاقه كأن النار استهدفتهم من قبل السوفيات وردوا على النار بما ظنوا انه بالمثل... هكذا تحولت العملية الى كارثة. حصلت ضجة كبرى. سارع الملحق الصحافي في السفارة السوفياتية الى اصدار بيان بالحادث يتهمنا فيه، كما كان منتظراً، بأننا لفقنا العملية خدمة للأميركيين فزودنا صحيفة "الأنوار" على الفور بما لدينا من معلومات ووثائق لابعاد تهمة تلفيق الخبر كحد أدنى وتعمدنا السكوت على طريقة حصول اطلاق النار، لكن الضرر كان قد حصل وسيستمر. كيف حاولتم احتواء الأضرار؟ - الاحتواء كان مستحيلاً انما حاولنا الحد منها قدر الامكان عن طريق كمال جنبلاط. والواقع ان جنبلاط كان مستاء جداً. قال ان الاتحاد السوفياتي بلد صديق للعرب ولا يجوز ان نشرشحه على هذا النحو. واعتبر انه اذا كانت اسرار "الميراج" تخدم العرب فلماذا لا ندعهم يستفيدون منها. وذكر ان السفير السوفياتي اكد له انه لم يكن هناك سلاح في حوزة الديبلوماسيين. قلت له: هذا تلطي وراء القشور ولا يغيّر شيئاً في صلب الموضوع، ماذا لو كانا بالفعل من دون سلاح، وماذا لو كانا يقتنيان السلاح من دون علم السفير؟ تبسطنا في الشرح، لكنه لم يقتنع. لم يرد التوقف عند مجريات العملية وكان ينظر اليها في اطارها السياسي الكبير وأثّر الحادث في علاقته بالشهابية وفي موقفه حين خاض الياس سركيس انتخابات الرئاسة ضد سليمان فرنجية وخسرها في نهاية عهد شارل حلو. اتهمت "الشعبة الثانية" بلعب دور في انهيار "انترا"؟ - التهمة باطلة. ازمة "انترا" محض مالية لها علاقة بالتوسع والتسليفات وأخطاء مالية، وقد عولجت على مستوى الاختصاصيين. لم يكن لپ"الشعبة الثانية" دور في هذا الملف. لعب الياس سركيس دوراً في معالجته اضافة الى الشيخ ميشال الخوري وخبراء آخرين كانوا يجتمعون في القصر وفي رأس اهتماماتهم، احتواء المضاعفات على صعيد القطاع المصرفي. تردد انكم خفتم من يوسف بيدس وتحديداً من كونه فلسطينياً؟ - لم يكن لنا أي دور. ألم يحصل ان نوقش في اجتماعات "المكتب الثاني" ان بيدس خطير؟ - ربما يكون اسمه قد ورد وربما قيل ان من مصلحة الدولة ان تعرف مصادر هذه الثروة او شيئاً من هذا القبيل لكن من دون ان يتعدى الامر نطاق الاستعلام المحض. اي اجراء بتخطيط مسبق من "الشعبة الثانية" لا صحة لوجوده على الاطلاق. هل فرضتم على "انترا" دفع مبالغ لجهات معينة؟ - لا أبداً. "الحلف الثلاثي" هل تعتقد بأن نشوء "الحلف الثلاثي" بين كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده في 1968 ساهم في دفع البلاد نحو الحرب؟ - بلا شك. أنا لا أحمل "الحلف الثلاثي" وحده المسؤولية. اعتقد أن كل استقطاب طائفي حصل في عهد الرئيس حلو أو بعده ساهم في دفع البلد في اتجاه المواجهات الطائفية. أدرج في هذا السياق الاجتماع الإسلامي الذي عقد في دارة الرئيس صائب سلام احتجاجاً على قيام الرئيس حلو بتكليف عبدالله اليافي تشكيل الحكومة، واعتبر نشوء "الحلف الثلاثي" عنواناً كبيراً من عناوين الانزلاق نحو المناخات المتشنجة. وقد تداخلت هذه الأجواء مع موضوع المقاومة الفلسطينية فتصاعد الاستقطاب. طبعاً عبدالله اليافي صاحب تاريخ سياسي وثقافة عالية. والرئيس حلو فرح بأنه يستطيع أن يبحث معه الأمور السياسية بالفرنسية. المهم أن الطوائف بدأت تتجمع وتقلصت قدرة الدولة على التحرك، وكان من أهم هواجس الشهابية أن لا تترك الوضع يصل إلى هذا الحد. نحن بوضوح كنا مع بقاء رشيد كرامي في رئاسة الحكومة، فهو، إضافة إلى رصيده الكبير على الصعيد الإسلامي والعربي، رجل دولة بالمعنى الكامل للكلمة. والوضع الدقيق يحتاج إلى حنكته في معالجة الأزمات الحاصل منها والمبشّر لحصولها لاحقاً. هل حاولتم الحيلولة دون قيام "الحلف الثلاثي"؟ - بديهي، لكننا لم نفلح. لم يكن غريباً أن يبحث كميل شمعون عن أي صيغة تمكنه من توسيع المعارضة للشهابية. وكان لريمون اده حساب مع الشهابية يريد أن يصفيه. صحيح أنه كان لشمعون حضور سياسي في مناطق عدة، وأنه كان لإده بريق ما نتيجة دوره في البرلمان، لكن انضمام بيار الجميل إلى الحلف اعطاه ثقلاً غير عادي. من دون بيار الجميل لم يكن في استطاعة الحلف القول إنه يمثل غالبية المسيحيين ولا تحقيق فوز كاسح في الانتخابات النيابية. لهذا اثرت الموضوع مع الجميل وتحدثت عن الأخطار التي يمكن أن تنجم. فكل تكتل طائفي سيتبعه بالتأكيد تكتل مضاد. وقلت له: "انت موقفك السياسي مع النهج الشهابي لتحافظ على الثقل المسيحي داخله فيبقى متوازناً". بدا الجميل متفهماً لبعض ما طرحته، لكنه قال إن القاعدة راغبة في قيام الحلف. وهنا يمكن القول إنه إذا كان شارل حلو لم يشجع قيام "الحلف الثلاثي"، فإنه على الأقل لم يعارض أو يسعى لعدم قيامه. وثمة من اعتقد بأن عقدة الخروج من ظل شهاب تحكمت بموقفه في هذه النقطة. موقف بعض القيادات الإسلامية السلبي منه شخصياً وتأييدها للعمل الفدائي بشكل عام دفع شارل حلو إلى نوع من التعاطف مع قيام "الحلف الثلاثي"، وحين انتصر الحلف بات موقفه يؤثر في موقف حلو، خصوصاً أن الاستقطاب حصل أصلاً حول المشاركة وصلاحيات رئيس الجمهورية. كيف استقبل فؤاد شهاب قيام "الحلف الثلاثي"؟ - اعتبر الأمر تطوراً سلبياً ومزعجاً، إذ أنه تخوف من أن يكون الفعل ورد الفعل مقدمة لتهديد المعادلة اللبنانية التي سعى طوال عهده إلى تركيزها على قاعدة التوازن والاعتدال. ماذا كانت التوجيهات في "الشعبة الثانية" في انتخابات 1968 لمحاربة "الحلف الثلاثي"؟ - لم نكن نريد اسقاط قادة "الحلف الثلاثي"، لكن كنا نريد الحد من انتصارهم، واعتبرنا أن ذلك يمكن أن يخفف من الاحتقان. طبعاً الحلف كان موجهاً ضد النهج والشهابية وكانت للدولة مصلحة في ضبط نجاحه. توقعنا أن يحقق الحلف نجاحات لكن ليس إلى الدرجة التي حصلت. أدى استنفار المشاعر الطائفية إلى موجة كاسحة، مثلاً رتبنا تحالفاً في منطقة كسروان بين القوى العائلية التقليدية التي كانت تتصارع هناك، لكن هذا التحالف بين الخازن والبون وزوين ونقّاع لم يصمد أمام موجة الحلف التي اكتسحت المقاعد الأربعة في كسروان. اصيبت حساباتكم بهزيمة كبيرة؟ - صحيح. ماذا قال فؤاد شهاب عن الهزيمة في معقله في كسروان؟ - تألم، وأحدثت النتائج جرحاً لديه، وراح يتساءل إلى أن تتجه البلاد. تضاعف قلقه وتبين في ما بعد كم كان في محله. حلو ونقطة الضعف عملت رئيساً ل "الشعبة الثانية" طوال عهد شارل حلو، كيف رأيت شخصيته؟ - شارل حلو رجل علم متعقل ومعتدل، ثقافة واسعة وحس إنساني مرهف ورغبة أكيدة في المحافظة على الدولة وتقويتها وايمان راسخ بالحوار وتبادل الرأي. ليس صحيحاً ان فؤاد شهاب اختاره ليكون رئيساً ضعيفاً. وعلى كل حال فالرئاسة ما بدها رجل بطاش، بدها رجل عاقل ومؤمن بمؤسسات الدولة ويسهر عليها. شهاب وضع ثقته به، لأنه رأى فيه خير من يتمم مسيرة بناء الدولة التي أطلقها في عهده. ربما كانت قدرة حلو على الحوار أكبر من قدرته على القرار. لديه ميل مفرط إلى التحليل وتقليب الموضوع على كل أوجهه وتشريح كل النقاط بسلبياتها وايجابياتها. لكن في النهاية لا بد من قرار. هناك مركز شاغر ولا تستطيع أن تعين فيه اثنين. يجب أن تختار. اعتقد بأن هذا الميل إلى الاغراق في التحليل أوجد لديه قدراً من التردد كان هو يعتبره نوعاً من التبصر بالعواقب. ليس صحيحاً أبداً ان الأجهزة كانت تعمل خارج إرادته أو ضدها. كان على اطلاع على كل شيء قبل حدوثه أو فور حدوثه. لم نكتم عنه معلومات ولم نحاول احراجه أو تقييد حركته. هنا تدخل عقدة ظل شهاب. لكن المسؤول الأول عن تنمية الانطباع في ذهن الآخرين عن وجود هذه العقدة هو الرئيس حلو بالذات، وقد راجعته أنا شخصياً بهذا الأمر أكثر من مرة فكان يحرف الحديث في اتجاه المزاح. الرئيس حلو اعتبر أن مصلحته الايحاء، مراعاة لشعبيته المسيحية، ان القرار في النهاية موجود عملياً في يد غيره أو أن ثمة مراكز قوى تؤثر في حريته في الحركة. ولم يكن هذا سراً فقد كان يحكي لنا ان فلاناً زاره وانه قال للزائر أو لمح أمامه إلى نفوذنا أو معارضتنا. وكان غالباً ما يمرر هذا الانطباع عن طريق ممازحة الزائر. لا أشكك أبداً في حرص حلو على المصلحة الوطنية العليا المبنية على التعايش. لكنني لاحظت عبر الممارسة، كما لاحظ غيري، وجود نوع من نقطة ضعف لديه حيال مخاوف المسيحيين وكأنه يعتبرها مبررة بسبب تأثر الشارع الإسلامي وقياداته بالزعامة العربية الأبرز في حينه، وهي جمال عبدالناصر. أقول، وبأمانة، ان نقطة الضعف هذه لم تكن موجودة لدى شهاب الذي كان يعتبر أن الدولة هي وحدها الضمانة للبنانيين، كل اللبنانيين، وان البحث عن ضمانة أخرى لا يخدم أي فريق على المدى الطويل ولا يخدم لبنان بالتأكيد. كمال جنبلاط... واسكندر غانم كيف تفسر سر قوة "الشعبة الثانية" في عهدك؟ - بأمرين أساسيين: الأول، انني كنت شخصياً موضع ثقة السلطة السياسية والسلطة العسكرية على السواء، وكنت إلى ذلك لا استوحي بتصرفاتي سوى مصلحة الدولة والجيش، فسهل تركيز سلطتي على مرؤسييّ. الثاني، ان الشعبة ضمت نخبة من ضباط الجيش الاكفاء جرى اختيارهم فرداً فرداً وفقاً لمتطلبات المهمات التي أوكلت إلى كل منهم. انشأنا مؤسسة وكلفنا الحفاظ عليها الكثير. وهنا سأروي لك حادثتين، الأولى مع كمال جنبلاط، والثانية مع اسكندر غانم. للدلالة على ما جابهت في هذا السبيل. ذات يوم اتصل بي المرحوم كمال جنبلاط غاضبا، فقد نقل اليه احد الاشخاص ان سامي الخطيب قال: "بدنا نفقع رقبة كمال جنبلاط". قال لي جنبلاط: "يجب أن ينقل سامي الخطيب من الشعبة". وروى لي السبب. قلت له: "اسمح لنا قليلا لنحقق في الموضوع". سألت سامي فقال كما توقعت: انا لم أقل هذا الكلام، هذا تحريف يقصد منه اثارة كمال بك علينا، ربما أكون قلت اننا لا نقبل ان يفرض جنبلاط علينا أشياء لا نقرها. أبلغت ذلك الى جنبلاط وقلت له: "ان الخطيب يؤكد انه لم يقل هذا الكلام وهو مستعد حتى للاعتذار. ثم انه ضابط جيد وكلفنا كثيرا لتدريبه". قال جنبلاط: "سواء قالها ام لا، انا كمال جنبلاط أقول يجب أن تخرجوا سامي الخطيب من الشعبة. ولكم ان تقيسوا ما إذا كان تأييد كمال جنبلاط يوازي نقل نقيب من مركزه. ألم يعد كمال جنبلاط قادراً على أن يقول انقلوا هذا النقيب وتتجاوبوا". اجبته وبحكم علاقة قوية كانت بيننا: "يا كمال بك هذه مؤسسة وأنا مؤتمن عليها، لذلك فمهما علا شأن المرجع الذي يطلب مني نقل ضابط من مركزه، ومهما كانت درجة معزتي لهذا المرجع، لا يمكنني أن اتجاوب وتبقى المؤسسة مؤسسة. مش ما بريد، ما بقدر. اذا عندك لوم على تصرف أي مسؤول في الشعبة الثانية فلومك عليّ أنا واستقالتي بتصرفك". قال جنبلاط: "طيب، طيب" وأقفل الخط. بعد أيام قليلة اصطحبت الخطيب وزرنا كمال بك في منزله وسوي الأمر. واما الحادثة الثانية فقد حصلت لي مع العميد اسكندر غانم حين أوقفنا في 1968 نجله روبير النائب الحالي. كان روبير يعمل لمصلحة لائحة جوزف سكاف في الانتخابات النيابية آنذاك. ويوم الانتخاب أقدم مع بعض انصاره، في صغبين على احتجاز عسكريين من الشعبة كانا هناك بثياب مدنية وبحجة انه يعرف ان القيادة العسكرية لا تقبل التدخل في الانتخابات. هنا واجهت مشكلة. اسكندر غانم رئيسي ومعلمي ونجله محام ويحتجز عسكريين. اعتقد بأنني بحثت عنه ولم أجده. عندها فكرت انه لو أقدم اخي على ما فعله روبير فماذا أفعل؟ وكان ردي انني سأتصرف قانونياً، وهذا ما قلته لنعيم فرح ضابط "الشعبة الثانية" في البقاع. أبلغنا القضاء فأوقف روبير. قال لي اسكندر غانم: "يا غابي هذا ابني". فأجبت: "بحثت عنك ولم اجدك وأنا متألم كأنني أوقفت شقيقي ادوار رحمه الله. أنا تصرفت ليس كغابي لحود بل كرئيس ل "الشعبة الثانية"، وبعد تعرض عنصرين منها خلال تأدية الوظيفة للاحتجاز". ردي على كمال جنبلاط وردي على اسكندر غانم يعطي فكرة عن طريقة تصرفنا آنذاك. كيف كانت "الشعبة الثانية" تتدخل في الانتخابات؟ - طبعاً نحن نتحدث عن بلد كانت التجربة الديموقراطية فيه طرية العود، وعن دولة كانت تشعر باستمرار بالحاجة إلى أن تكون قوية، لأن ضعفها يضع البلاد أمام مخاطر كبيرة. أحياناً تشعر الدولة أن حمايتها لنفسها ولنهجها الذي تعتبره صحيحاً يستدعي قدراً من التدخل. للسلطة تقليدياً رصيد لدى قسم غير ضئيل من الناس، فهناك في المجتمع من يعتبر أصلاً أن المسؤولين في الدولة متى أخلصوا أقدر على تحديد مصلحة الدولة والبلد، وهناك أيضاً عنصر المصالح. هناك رأي يقول إن 15 في المئة فقط من الشعب هم المجموعة التي تنشط في السياسة، وأحياناً تنشطر إلى مجموعتين متساويتين، وان من ينتصر لا يصعب عليه استقطاب معظم ال 85 في المئة الباقين. ولدى السلطة ما تقدمه للطمأنة أو التشجيع أو الاسترضاء. التدخل في الانتخابات كنتم تكلفون ضابطاً في المنطقة لإدارة المعركة؟ - نعم، وكانت لدينا دراسة دقيقة للوائح الناخبين والقوى المؤثرة والاشخاص الفاعلين. واستناداً إلى ذلك اسقطنا الرئيس كميل شمعون في انتخابات 1964 وكانت النتيجة استياء فؤاد شهاب. أخذ شهاب على انطون سعد عدم تحسسه بخطأ ظهور الدولة كأنها فريق واعطاء الفرصة لكميل شمعون للظهور بأنه الفريق الآخر، بدلاً من أن تكون الدولة حكماً، كما يرغب فؤاد شهاب أن تكون، وهو كان عدّل قانون الانتخاب كي لا يبقى بيار الجميل وعدنان الحكيم خارج البرلمان، فكيف بكميل شمعون؟ ماذا كنتم تقدمون للناس، رخصاً للسلاح؟ - لم تكن لدى "الشعبة الثانية" أموال. بعد "الثورة" و"الثورة المضادة" كان هناك أشخاص يعتبرون أنهم بحاجة إلى رخصة سلاح، واراد آخرون الرخصة كمصدر وجاهة ولاثبات صلتهم الطيبة بالسلطة. أثبتت هذه المسألة فعاليتها في استمالة هؤلاء الاشخاص واجتذابهم إلى معسكر الدولة. ورثت أنا هذه المسألة. أحياناً كانت تقدم مساعدات في التوظيف من دون تخطي القواعد الأساسية، أي يتم دعم أحد الناجحين لا التدخل لانجاح راسب. هل كانت لديكم ماكينة لترويج الاشاعات ضد خصومكم؟ - انكار هذا الشيء بشكل قطعي قد لا يكون دقيقاً، لكننا لم نخترع أكاذيب لترويجها. كانت لدينا علاقات بالصحف ومع صحافيين عاملين فيها. أنا شخصياً لم تكن تزعجني معارضة صحيفة "النهار"، إذ كان موقفها يقدم دليلاً على أننا لا نعيش في ظل ديكتاتورية أو حكم عسكري. كنا ننزعج حين تتخطى لهجة "النهار" الحدود المهنية لتصل إلى حدود الاهانة أو التحقير. هل تم في عهدك في "الشعبة الثانية" ابدال أحد صناديق الاقتراع؟ - لا، وجوابي قاطع في هذا المجال. هذا كلام للتاريخ؟ - لهذا أقول ذلك. لم تتخذ أنت أو أحد معاونيك قراراً من هذا النوع؟ - أبداً على الاطلاق، وإذا ثبت حصول ذلك فتكون لي مفاجأة، ولو بعد ثلاثين سنة. لكن "الشعبة الثانية" استخدمت أساليب ترغيب وترهيب مع المفاتيح الانتخابية؟ - لا استطيع انكار ذلك. أنا كنت أفضل حصر المسألة في الترغيب وهي كافية في لبنان، لكن بعض التخويف قد يكون حصل. كان هناك من يستدعى ويضرب؟ - لا اريد الجزم بأن ذلك لم يحصل، لكنني أجزم انني لم أكن أقر هذا الاسلوب الذي ينفر الناس ويزيد الاعداء. الحالات الفردية من هذا النوع كانت تعالج بتأنيب المسؤول ومطالبته بالاقلاع عن مثل هذه الممارسة الحلقة المقبلة: انتخابات ومحاكمات