نائب وزير الخارجية يستقبل نائب وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية    أمير جازان يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة    مجلس الشورى يعقد جلسته العادية الرابعة والعشرين من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة    أمانة تبوك في المركز الأول على مستوى الأمانات في نتائج تقييم مؤشر "صمود"    11 مايو بدء الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة مع روسيا    مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    نائب أمير المدينة يطلع على أعمال فرع الديوان العام للمحاسبة    94 % من مستخدمي الإنترنت في المملكة يتبنون الحلول الرقمية لحفظ بياناتهم الحساسة    الدفاع المدني يؤكد أهمية الالتزام بالتعليمات المعلنة بعد ورود تنبيهات باستمرار الأمطار    أمير الرياض يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي الإعلام الحديث    فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية    مدينة الملك فهد الطبية والإسعاف الجوي ينقذان حياة مريض تعرض لجلطة قلبية    سر الاجتماع بين انزاغي ولاعبي الهلال    الموارد البشرية تعلن عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مهنة    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    أبو زهرة بالعناية المركزة    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    دعماً لاستقرار السوق.. 206 آلاف برميل زيادة إنتاج «أوبك+» خلال مايو    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    في أول مباراة بملعبه الجديد.. ميسي يتألق وإنتر ميامي يتعثر    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شبكات جنرال "مثلث الموت" ترعب أوروبا . حطاب الجزائري يأمر بتفجير المونديال
نشر في الحياة يوم 01 - 06 - 1998

حين داهمت الشرطة البلجيكية، في 6 آذار مارس الماضي، مخبأ تابعاً للجماعة المسلحة الجزائرية، في شارع "فيري" في بروكسيل، واعتقلت سبعة ناشطين يتزعمهم فرنسي من اصل جزائري، يدعى فريد ملوك، وصادرت منهم وثائق ومخططات تشير الى انهم كانوا يعتزمون القيام بتفجيرات خلال مونديال كرة القدم في فرنسا، كان الهم الشاغل للمنظمين الفرنسيين طمأنة الرأي العام، والايحاء بأن الامر كله من تدبير فرقة صغيرة ومعزولة، وان الخطر زال تماماً.
وعلى رغم ان معلومات من مصادر متعددة اشارت الى ان الامر لا يتوقف عند جماعة ملوك، وان "فتوى" "تفجير المونديال" صادرة في الواقع عن "امير المنطقة الثانية" في "الجماعة المسلحة"، حسن حطاب، الا ان اجهزة الامن الفرنسية تعاملت مع الموضوع بحذر بالغ.
لكن اكتشاف عبوة متفجرة، يوم 11 ايار مايو الماضي، امام مكتب لشركة "فرانس تيليكوم"، احد ابرز ممولي المونديال، غير بعيد عن مقر القنصلية الجزائرية، في الدائرة التاسعة عشرة في باريس، أثار قلق المشرفين على المونديال، خصوصاً ان تلك الحادثة تزامنت مع اعتقال تسعة ناشطين جزائريين، قرب لندن، عثر لديهم على وثائق ومخططات مطابقة تماماً لتلك التي حجزت لدى فرقة فريد ملوك في بروكسيل. فإلى "فتوى" التفجير الموقعة من حسن حطاب، عثر ايضاً على تخطيطات وبطاقات سفر وتذاكر لدخول الملاعب، تبين ان الفرقتين كلتيهما كانتا تعتزمان تدبير تفجيرات تستهدف بالخصوص المباراة، بين فريقي تونس وانكلترا، في 15 الشهر الجاري في مارسيليا، ما دفع بقاضي التحقيق، جان لوي بروغيير، المتخصص الاول في قضايا الارهاب في فرنسا، الى استعجال تفكيك "شبكة اوروبية" تابعة للجماعة المسلحة الجزائرية، كانت الاجهزة الامنية الاوروبية ترصد تحركاتها، منذ قرابة اربعة اشهر.
وذكرت مصادر أمنية ايطالية ان اجتماعاً تنسيقياً عقد في باريس، وضم مسؤولين عن اجهزة الامن في خمس دول اوروبية، هي فرنسا والمانيا وبلجيكا وسويسرا وايطاليا صدرت على اثره 120 مذكرة اعتقال بحق أعضاء "الشبكة الاوروبية" التي أعاد بناءها حسن حطاب.
وفجر يوم الثلثاء 26 ايار، داهمت الشرطة الفرنسية 43 مركزاً تابعاً للجماعة المسلحة الجزائرية في ضواحي باريس وليون ومنطقة مارسليا وجنوب كورسيكا. وفي التوقيت ذاته داهمت الشرطة البلجيكية 9 مراكز مماثلة في بروكسيل، ومركزاً عاشراً في الضاحية الجنوبية لمدينة شارل روا. فيما داهمت الشرطة الالمانية بدورها خمسة مراكز في بيرن وكولوني، واعتقلت اثنين من الناشطين البارزين في صفوف "الجماعة" الجزائرية. بينما اعتقل تسعة ناشطين في ايطاليا وناشطان اثنان في سويسرا.
وأسفرت هذه المداهمات، الاولى والاكبر من نوعها التي تجري بالتنسيق بين خمس دول اوروبية، عن توقيف 74 من مجموع الناشطين الپ120 الذين صدرت ضدهم مذكرات اعتقال. ومن ابرز هؤلاء الموقوفين، عادل مشاط في المانيا، وعبدالله كيناي في فرنسا، الى جانب عمر سايكي، الذي تقول الاجهزة الامنية الاوروبية انه كان يشرف على نقل الاخبار والوثائق وتنسيق الاتصالات بينهما. ويعد مشاط وكيناي من اكثر المقربين من "الأمير" حسن حطاب، الذي يُجمع الخبراء على انه "العقل المدبّر" لمخطط "تفجير المونديال".
"الوسط" تسلط الضوء على الرجل الذي يؤرق مصالح الامن الاوروبية، ويتوعد باحياء المشروع الذي كان شرع به "استاذه" جمال زيتوني، في تصدير العنف الجزائري نحو الضفة المقابلة من المتوسط.
ولد حسن حطاب يوم 14 كانون الاول ديسمبر 1967 في بلدة رويبة 30 كيلومتراً الى الشرق من مدينة الجزائر، من عائلة معروفة بتعاطفها مع الحركة الاسلامية المسلحة، منذ منتصف الثمانينات، حيث كان شقيقه الاكبر، مولود حطاب، احد قدامى الناشطين في حركة مصطفى بويعلي الذي تزعم تمرداً مسلحاً ضد الحكم في منطقة الاربعاء 25 كيلومتراً الى جنوب العاصمة، في ما أصبح بعد ذلك "مثلث الموت" في سهول متيجة من سنة 1984 الى 1987.
وبعد احباط حركة التمرد تلك، سجن مولود حطاب برفقة الكثيرين من اقطاب الاتجاه "الجهادي" في الحركة الاسلامية الجزائرية، ابرزهم علي بلحاج وعبدالقادر شبوطي، الذي تلقى، عشية الغاء الانتخابات واعلان حالة الطوارئ، مطلع العام 1992، اوامر من علي بلحاج في سجنه بتأسيس "الحركة الاسلامية المسلحة الجزائرية". وعلى غرار اغلب قدامى حركة بويعلي، انضم مولود حطاب الى العمل المسلح تحت "امارة" شبوطي، بعد الرسالة الشهيرة التي سربها بلحاج من السجن واختتمها بقوله انه لو كان خارج المعتقل، لانضوى تحت "امارة" شبوطي، الذي لقبه بپ"الجنرال".
وبتكليف من "الجنرال" شبوطي، اسس مولود حطاب، في ربيع العام 1992، "كتيبة الفتح"، التي كانت تنشط على امتداد الشاطئ الشرقي لمدينة الجزائر من برج الكيفان غرباً الى بومدراس والاخضرية غرباً، وحتى سيدي موسى والاربعاء جنوباً. بينما اسس الشقيق الثاني لحسن حطاب، عبدالقادر، كتيبة اخرى ارتكز نشاطها في ضاحية "بوزريعة"، بأعالي مدينة الجزائر. وسرعان ما اشتهر نشاط "الاخوين حطاب"، في كامل الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، بوصفهما اكثر الناشطين الاسلاميين عنفاً. الا ان عبدالقادر حطاب لم يلبث ان قتل، مطلع العام 1994، في كمين نصبته له قوات الامن، في منزل كان يتخذ منه مخبأ في بوزريعة. بينما اعدم مولود حطاب، في ربيع العام ذاته، في ظروف غامضة في جبال الزبربر، قرب الاخضرية، بأمر من "أمير" حركة الدولة الاسلامية، سعيد مخلوفي.
وكان ذلك دافعاً مباشراً لحسن حطاب، اصغر اخوته، كي يدخل ساحة العنف بدوره. حيث اسند اليه عبدالقادر شبوطي، الذي كان على معرفة شخصية به منذ خروجه من المعتقل، سنة 1989، امارة "كتيبة الفتح" ذاتها، التي كان يتزعمها شقيقه الاكبر. وكانت ميول حسن حطاب "الجهادية"، وتأثره بالاخص بفكر جماعة بويعلي برزت للمرة الاولى في فترة ادائه الخدمة العسكرية الالزامية، سنة 1988، حيث حاول القيام بحركة تمرد، اسوة ببويعلي الذي كان بدوره ضابطاً في الجيش وانشق برفقة فيلق من اتباعه، شكلوا النواة الاساسية لحركته المسلحة التي دامت ثلاثة اعوام ونيف، في الاحراش القريبة من مدينة الاربعاء.
وتشير مصادر امنية جزائرية موثوقة الى ان حسن حطاب تمكن بالفعل من اقناع عدد من الضباط المظليين، الذي تم تجنيده في صفوفهم بالانشقاق، تمهيداً للقيام بتمرد مسلح. الا ان العملية انكشفت، واحبط التمرد بسرعة.
بعد مقتل "الجنرال" شبوطي، انضم حسن حطاب واتباعه من عناصر "كتيبة الفتح" الى "الجماعة الاسلامية المسلحة"، اثر صدور بيان "توحيد الفصائل الاسلامية"، في ايار مايو 1994. وبعد عام واحد، تمت ترقية حسن حطاب، اميراً لپ"المنطقة الثانية"، وهي معادل ما يصطلح عليه اعلامياً بپ"مثلث الموت": الجزائر العاصمة - البليدة - المدية، بالاضافة الى القسم الغربي من منطقة "القبائل" البربرية كقاعدة خلفية، من قبل "الأمير الوطني" للجماعة الاسلامية المسلحة آنذاك، جمال زيتوني، الذي تعود اصوله هو الآخر الى منطقة الضواحي الشرقية لمدينة الجزائر برج الكيفان.
واستطاع حسن حطاب بسرعة ان يبسط نفوذه على "المنطقة الثانية"، وصار يتزعم، قبل نهاية العام 1995، كتيبتين جديدتين هما: "القدس" و"الانصار"، بالاضافة الى كتيبته الاصلية "الفتح". ولا يزال حسن حطاب يوقع كل بياناته حتى الآن باسم "أمير المنطقة الثانية"، تعبيراً عن وفائه لخط زيتوني، الذي برز وترقى تحت امارته، ووقف في صفه اثناء المواجهات الداخلية التي نشبت في صفوف "الجماعة"، في تموز يوليو 1996، وانتهت بتصفية زيتوني وحسم الصراع - في مرحلة اولى - داخل "الجماعة" لمصلحة خصمه اللدود عنتر زوابري.
وعلى غرار مصطفى قرطلي، الذي انشق عن "الجماعة"، بعد مبايعة زوابري، وانفصل بكتيبته "الرحمن" في الاربعاء، وسيد علي بن حجر الذي انشق ايضاً، وأسس "رابطة الدعوة والجهاد"، في "المدية"، اختار حسن حطاب الانفصال بدوره عن زوابري، لكنه فضل عدم التخلي عن تسمية "الجماعة المسلحة". كما احتفظ بلقب "امير المنطقة الثانية"، لكن نشاطه في الميدان انحسر كثيراً، تحت السطوة المتزايدة لأنصار زوابري. وصارت "منطقة" اتباع حطاب، منذ مطلع العام 1997، تكاد تقتصر على البوادي والاحراش القريبة من مسقط رأسه، في الضاحية الشرقية لمدينة الجزائر.
ولأن بن حجر ومصطفى قرطلي، لم يلبثا ان اعلنا، في خريف 1997 على التوالي، انضمامهما الى "بيان الهدنة" الذي قرره امير جيش الانقاذ، مدني مرزاق، بدءاً من أول تشرين الاول اكتوبر من العام نفسه، فان حسن حطاب واتباعه سرعان ما عادوا بقوة الى ساحة العنف، بعد فترة "سبات جزئي"، امتدت لقرابة عام ونيف.
التراجع إلى الغرب
وترجع اسباب بروز اسم حسن حطاب بقوة منذ مطلع العام الحالي، وعودته مجدداً الى الواجهة بعد انحسار، الى النقمة المتزايدة في صفوف اتباع زوابري، حيث يرفض كثيرون منهم استراتيجية "الارض المحروقة" التي يعتمدها، وبالأخص تعميم المجازر الجماعية ضد المدنيين العزل. وبالطبع لم يجد الراغبون في الانشقاق عن زوابري بديلاً عن حسن حطاب، بعد تسليم السلاح من قبل قرطلي وبن حجر.
ويجمع العارفون بخفايا الصراع بين مختلف فصائل الحركة الاسلامية في الجزائر، على ان موازين القوى داخل "الجماعة المسلحة" بدأت تميل لغير مصلحة زوابري، منذ منتصف الخريف الماضي. الشيء الذي يفسر قراره المفاجئ، في اواخر تشرين الثاني نوفمبر وبداية كانون الأول ديسمبر الماضي، بنقل العنف الى غرب البلاد، التي تراجع اليها برفقة 20 فرقة مسلحة موالية له، مما تلته موجة المجازر المعروفة التي حولت مناطق غيليزان - تيارت وسيدي بلعباس الى "مثلث موت" جديد في الغرب الجزائري.
الا ان هذا الانتقال نحو الغرب، الذي اعتبره اغلب المحللين، في حينه، تراجعاً تكتيكياً تحت ضغوط مداهمات قوات الأمن، سرعان ما تبين انه في الواقع "هزيمة داخلية" لأنصار زوابري في مواجهة "حركة الناقمين" التي استرجعها حسن حطاب لمصلحته، ما سمح له باعادة بسط نفوذه مجدداً في كامل "المنطقة الثانية - مثلث الموت" حيث تقدر مصادر خبيرة في شؤون الجماعات الجزائرية عدد اتباع حطاب حالياً بقرابة ثلاثة آلاف مسلح، موزعين على فرق من 30 الى 50 شخصاً، على رأس كل منها "امير" محلي، وتمتد مناطق نشاطها من الشلف غرباً الى منطقة "القبائل" البربرية شرقاً، مروراً بپ"طوق العنف" الممتد من مشارف العاصمة الى بوادي المدية جنوباً. وتشرف على ضبط الاتصال والتنسيق بين هذه الفرق جميعاً، "هيئة اركان"، تضم خمسة قادة من اتباع حسن حطاب المقربين، هم:
- حمزة نور الدين، وهو من الكوادر السابقة في جماعة مصطفى قرطلي، في منطقة الأربعاء، وكان التحق بحسن حطاب بعد انضمام قرطلي الى "هدنة" جيش الانقاذ.
- عادل مشاط، الذي اعتقل الأسبوع الماضي في المانيا، وتشتبه اجهزة الأمن الفرنسية انه كلف من قبل حطاب باعادة تنشيط "الشبكة الأوروبية" التي اسسها زيتوني، خلال تفجيرات صيف 1995 في باريس. وكانت الشرطة الألمانية تقتفي اثر مشاط عن بعد، منذ اواخر شباط فبراير الماضي، بعدما ضبطته - من دون ان يدري - وهو يجري مكالمة هاتفية، انطلاقاً من هاتف عمومي في فرانكفورت، مع اذاعة "ميدي1" المغربية، تبنى من خلالها، باسم حسن حطاب، عملية مهاجمة دورية عسكرية جزائرية، غير بعيد عن مدينة تيزي وزو، قتل خلالها 25 جندياً.
- محمد شنوف لزرق، المدعو ايوب، وهو من الكوادر البارزة في "الجماعة المسلحة" وتعود اصوله الى منطقة الشلف. ويلعب دوراً مركزياً في بسط نفوذ اتباع حسن حطاب على "نقاط التماس" الغربية مع اتباع زوابري.
- عبد الله كيناي، الذي اعتقل بدوره الاسبوع الماضي في ضاحية باريس الشمالية، وتعتقد الاجهزة الفرنسية بأنه من اقرب اصدقاء حسن حطاب، وأن الأخير اوفده الى فرنسا للحلول مكان علي تاوشنت، المدعو طارق، كمنسق بين الناشطين في شبكات "الجماعة الاسلامية المسلحة" في مختلف مناطق فرنسا.
- ناشط خامس، غير معروف سوى باسمه الحركي "ميمون"، يعد من أبرز عناصر "كتيبة الفتح"، منذ تأسيسها على يد الشقيق الأكبر لحسن حطاب. ويرد اسم ميمون هذا ضمن المشتبه بهم واغتيالات ارتكبت في الضاحية الشرقية لمدينة الجزائر، منذ سنة 1993، ابرزها اغتيال رئيس الحكومة السابق ومدير مخابرات الرئيس هواري بومدين، قاصدي مرباح.
وللوقوف على الأهمية الاستراتيجية لتشكيلة "هيئة الاركان" التابعة لحطاب، لا بد من العودة الى "التصنيف الرسمي" الوحيد الذي صدر عن الاجهزة الأمنية الجزائرية، بخصوص أبرز "الرؤوس الارهابية". وكان قد كشف عن هذا التصنيف، اواخر العام 1996، ضمن حملة تهدف الى تشجيع المواطنين على الوشاية برؤوس الجماعات المسلحة، في مقابل مكافآت مالية سخية. حيث تم تصنيف "الزعماء الارهابيين"، الذين احتلت صورهم صفحات الصحف وجدران شوارع المدن الكبرى آنذاك، الى اربع فئات او مراتب: تضم الأولى خمسة زعماء بارزين، يمنح لكل من يشي بهم مبلغ 450 مليون سنتيم جزائري 90 الف دولار، بينما نجد في المنزلة الثانية 17 من "الكوادر العليا" للجماعات المسلحة، اقترح على من يشي بهم 300 مليون سنتيم، ومبالغ أقل للفئتين الثالثة والرابعة.
قرنفل والسهم
وقالت مصادر خبيرة في شؤون الجماعات الجزائرية لپ"الوسط" ان 19 مسلحاً فقط، من مجموع 37 شملهم التصنيف الرسمي المذكور، لا يزالون ينشطون في ساحة العنف. وحسب المصادر ذاتها، فإن الفئتين الثالثة والرابعة، الأقل خطورة، هما اللتان تضررتا اساساً من مداهمات قوات الأمن، حيث قتل منها 36 من مجموع 51 مسلحاً. وبين هؤلاء القتلى ناشطان شهيران، هما يحيى ريحان، الملقب بپ"قرنفل"، الذي دوخ اجهزة الأمن الفرنسية، خلال تفجيرات صيف 1995، وفريد عشي، الملقب بپ"فليشا" السهم، الذي قض مضاجع سكان العاصمة الجزائرية، في اواخر السنة الماضية، حين ادخل المجازر الجماعية الى مشارف العاصمة وبعض احيائها الشعبية، وهو قتل في اشتباك مسلح، بينما لا يزال اتباعه يخوضون معارك ضارية ضد قوات الأمن، تدور منذ اكثر من شهرين، في مجاري المياه تحت شوارع مدينة الجزائر.
اما الفئتان الأولى والثانية، في "التصنيف الرسمي" لعام 1996، واللتان تضمان القيادات الرئيسية للجماعات المسلحة، فلم يبق منها سوى اربعة رؤوس فقط ما تزال تنشط في ساحة العنف. حيث انضم الى "بيان الهدنة"، الذي اعلنه "جيش الانقاذ"، 12 قائداً من المسلحين. اثنان من الفئة الأولى، هما: مدني مرزاق وأحمد بن عائشة، و10 من الفئة الثانية، اشهرهم: مصطفى قرطلي، سيد علي بن حجرو ومصطفى كبير. بينما قتل ستة آخرون، ابرزهم: سعيد مخلوفي، مصطفى عقال، مولود حبي وخالد سهالي. وبذلك لم يبق من الناشطين في ساحة العنف، سوى أربعة قادة اساسيين، هم: عنتر زوابري، الذي فقد كثيراً من انصاره، ومختار بن مختار، الذي يتزعم "جماعة" مستقلة وهامشية، تنشط في منطقة الجنوب الصحراوي، وحسن حطاب، الذي يبدو المرشح الارجح لخلافة زوابري، وحمزة نور الدين، "الرجل الثاني" في "هيئة الاركان" التابعة لحسن حطاب.
ويقارن معظم المطلعين الوضع الحرج الذي يواجهه زوابري حالياً بالوضع المشابه الذي تعرض له امير "الجماعة" السابق، زيتوني، في الفترة ما بين أيار مايو وتموز يوليو 1996، والذي انتهى بعزلته ثم تصفيته. وفي حال تكرر السيناريو نفسه، فان حظوظ حسن حطاب هي الارجح في تولي الخلافة محل زوابري. وبالاضافة الى تعزيز مواقعه في الميدان، واستقطابه ابرز ما تبقى من كوادر "الجماعة المسلحة"، ولثلاثة آلاف من مقاتليها، يسعى حطاب لتلميع صورته، عبر استراتيجية تقوم على "احتواء مزدوج"، بهدف تحسين سمعة "الجماعة" وشعبيتها لدى الرأي العام المحلي، بإدانته الشديدة للمجازر الجماعية التي يسلطها زوابري وأتباعه على المدنيين العزل، وتركيز عملياته على اهداف عسكرية او امنية، لكن من دون التخلي عن خط التشدد الذي توارثه عن "استاذه" جمال زيتوني، حتى لا يثير ضده التيار التكفيري المتشدد، الذي يشكل النواة الأساسية للجماعة المسلحة.
ولتحقيق هذا الاحتواء المزدوج للرأي العام ولمتشددي "الجماعة" معاً، يعتمد حسن حطاب اسلوباً اقرب الى "امساك العصا من الوسط"، معلناً وفاءه لإرث "الجنرال" شبوطي، الذي كان يرى ان العنف يجب ان يرتكز اساساً على اهداف عسكرية، وتمسكه في الآن نفسه بمواقف زيتوني، في ما يتعلق بقتل الاجانب ومن يعتبرون "عملاء للنظام" من مثقفين وكوادر ادارية، بالاضافة الى "الافتاء" بتكفير دعاة الحوار والهدنة من قادة "جيش الانقاذ" والفرق الاخرى التي انضمت اليه، معتبراً اياها "طائفة ممتنعة"، واعتماد اسلوب السيارات المفخخة بديلاً عن المذابح والمجازر الجماعية، والدعوة الى "تصدير العنف" الى الدول التي تدعم الحكم في الجزائر، والى فرنسا بالاخص.
وتبلورت هذه الاستراتيجية الجديدة في الميدان، منذ مطلع العام الحالي، من خلال عودة اتباع حسن حطاب، للمرة الأولى منذ مقتل شبوطي، قبل أربع سنوات، الى شن هجمات كبيرة ضد اهداف عسكرية، كان اولها الهجوم الذي ادى الى مقتل 25 جندياً، قرب تيزي وزو، في شباط فبراير الماضي، وكان تبنيه في اتصال هاتفي باذاعة "ميدي 1" سبباً في توصل الشرطة الألمانية الى الامساك بطرف الخيط الذي مكنها في ما بعد من اعتقال عادل مشاط في فرانكفورت، فجر يوم الثلثاء الماضي، كما اسلفنا.
اما اخطر هذه العمليات، المدبرة ضد اهداف عسكرية، وأكثرها دموية، فكانت في الهجوم على ثكنة عسكرية في بلدة الأربعاء 25 كيلومتراً جنوب العاصمة، ليلة 22 نيسان ابريل الماضي، قتل خلاله 80 جندياً واختطف 40 آخرون، بينهم ضباط، كما تم الاستيلاء من قبل رجال حطاب على كميات خطيرة من الاسلحة.
وتشير عدة مصادر متوافقة الى ان مثل هذه العمليات التي تستهدف جنوداً او رجال شرطة، والتي كثيراً ما لا تسمح الرقابة العسكرية بالكشف عنها، تشهد تصعيداً خطيراً، منذ بداية أيار مايو الماضي.
لكن هذا التوجه الموروث عن شبوطي، والقائم على تركيز العنف على الأهداف العسكرية، تفادياً لتوسيع رقعة العنف بما ينعكس سلباً على شعبية "الجماعات المسلحة" وتأييد الناس له، يبدو في سباق محموم مع توجه آخر مناقض تماماً، هو الخط الموروث عن زيتوني، الذي تشكل التفجيرات والسيارات المفخخة سلاحه المفضل.
وقد عاد اسلوب التفجيرات الى الواجهة بشكل فجائي منذ مطلع السنة الحالية. ولاحظ الخبراء ان التفجيرات بدأت بمعاودة الظهور في الغرب الجزائري، طيلة شهر رمضان الماضي. وكان اول تلك التفجيرات استهدف قطاراً بين المحمدية وبشار.
ويربط الخبراء حركة انتقال التفجيرات من الغرب الى الشرق، بتزايد انشقاق الناقمين عن زوابري، والتحاقهم مجدداً بمواقع انصار حطاب، في "طوق الموت" المحيط بالعاصمة. ويتوقعون ان تكون انعكاسات ذلك، على المدى المنظور، طغيان "خط زيتوني" على "خط شبوطي"، اي ان تذوب استراتيجية استهداف الأهداف العسكرية من دون غيرها، تدريجاً، في سيل جارف من التفجيرات والسيارات المخففة والاغتيالات.
ولا شك في ان حسن حطاب يضع نصب عينيه عدم تكرار تجربة شبوطي، الذي سحب البساط من تحت رجليه تدريجاً من قبل "الجماعة المسلحة"، لأنه كان "عقلانياً اكثر من اللزوم"، وأصرّ على ان تبقى نشاطات الفرق الموالية له منضبطة، وأن تقتصر على اهداف مخطط لها بدقة، ولم ينتبه الى ان "الجماعة المسلحة" كانت تكتسح الميدان بعنف اعمى لا يستثني احداً، وخط تكفيري متشدد سلط عليها الاضواء، وجذب اليها السواد الأعظم من مقاتلي الحركة الاسلامية.
ولتثبيت مواقفه نهائياً على رأس "الجماعة"، بعد ازاحة زوابري التي باتت مسألة محسومة في رأي اغلب الخبراء، ليس امام حطاب سوى ورقة رابحة واحدة، هي اعادة تصدير العنف مجدداً الى أوروبا، ما يفسر تخطيطه لتفجيرات خلال مونديال فرنسا. وتعتقد الاجهزة الفرنسية انه تدليلاً على الأهمية الاستراتيجية التي تكتسبها هذه المسألة لديه، كلف بالتحضير لها اثنين من اقرب مساعديه، هما عادل مشاط، "الرجل الثاني" في هيئة الاركان المحيطة به، وعبدالله كيناي، رجل ثقته وصديقه الشخصي.
ولا شك في ان انكشاف امرهما، واعتقالهما في اكبر عملية مداهمات بوليسية تجري، للمرة الأولى بالتنسيق بين اجهزة الأمن في خمس دول اوروبية كبرى، لن يزيد حطاب سوى اصراره على رفع تحدي "تفجير المونديال". فالى الرغبة في الانتقام لمعاونيه المقربين، هناك دافع معنوي مهم يفرض عليه "فعل المستحيل" لاختراق التعزيزات الأمنية الفرنسية المشددة. لأنه اذا فشل، بعد كل ما كشف عنه، في تدبير "شيء ما" خلال المونديال، فإن صورته وهيبته بين رجاله ستتعرضان لانتكاسة، قد تكون قاتلة بالنسبة الى مستقبل موقعه على رأس "الجماعة"، ما يبين ان امام اجهزة الأمن الفرنسية مهمة شاقة، وفي غاية التعقيد، اذا أرادت لپ"العرس الكروي" ألا يتحول الى مأتم .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.