نائب وزير الخارجية يستقبل نائب وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية    أمير جازان يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة    مجلس الشورى يعقد جلسته العادية الرابعة والعشرين من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة    أمانة تبوك في المركز الأول على مستوى الأمانات في نتائج تقييم مؤشر "صمود"    11 مايو بدء الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة مع روسيا    مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    نائب أمير المدينة يطلع على أعمال فرع الديوان العام للمحاسبة    94 % من مستخدمي الإنترنت في المملكة يتبنون الحلول الرقمية لحفظ بياناتهم الحساسة    الدفاع المدني يؤكد أهمية الالتزام بالتعليمات المعلنة بعد ورود تنبيهات باستمرار الأمطار    أمير الرياض يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة نادي الإعلام الحديث    فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية    مدينة الملك فهد الطبية والإسعاف الجوي ينقذان حياة مريض تعرض لجلطة قلبية    سر الاجتماع بين انزاغي ولاعبي الهلال    الموارد البشرية تعلن عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مهنة    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    أبو زهرة بالعناية المركزة    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    دعماً لاستقرار السوق.. 206 آلاف برميل زيادة إنتاج «أوبك+» خلال مايو    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    في أول مباراة بملعبه الجديد.. ميسي يتألق وإنتر ميامي يتعثر    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أشهر ميادين القاهرة الحديثة . ميدان التحرير ... بين ثناياه تسمع دقات نبض مصر !
نشر في الحياة يوم 07 - 10 - 1996

يعتبر ميدان التحرير - أشهر ميادين القاهرة - بانوراما حية لمشاهد يرمز كل منها لعصر يتجاور مع عصور أخرى، مثلما هو ملخص بليغ لتاريخ مصر كله منذ الفراعنة.
لم يكن في القاهرة منذ ان بناها جوهر الصقلي 969م، وحتى تولي محمد علي وأسرته حكم مصر 1805م سوى ميدانين فقط: أحدهما ميدان الازبكية، والثاني ميدان قراميدان تحت القلعة. اما الميادين التي تحدث عنها "المقريزي" في خططه وعددها 49 ميداناً فكانت انعدمت كلها.
ولما فرغ محمد علي من حروبه، اهتم بتنظيم المدن المصرية وتطويرها، وحذا حذوه خلفاؤه، وصار في مدينة القاهرة وحدها 16 ميداناً جديداً من أهمها "ميدان الاسماعيلية" الذي اصبح ميدان التحرير منذ العام 1953.
حاول الخديوي اسماعيل على حد تعبيره: "ان يجعل مصر قطعة من اوروبا". وعقد العزم على ان يمنحها وجهاً عصرياً، هو الذي نلمس بعض بصماته الواضحة حتى يومنها هذا. وطوال فترة حكمه 1863-1879 أنفق ببذخ شديد على شتى مظاهر الدولة العصرية، بدافع من رغبته القوية في توطيد مكانة مصر بين دول العالم، وتعزيز مكانته الشخصية بين الملوك.
فقد كلف المهندس الفرنسي باريل دي شمب بتخطيط القاهرة الحديثة. فوضع تخطيطاً من سبعة مشاريع رئيسية أهمها تحويل مجرى النيل ليكون أقرب الى العاصمة وفي قلبها مثلما يجري نهر "السين" في قلب باريس. وترتب على نقل المجرى انشاء احياء عمرانية جديدة، منها حي "جاردن سيتي" من أرقى احياء القاهرة الحديثة الذي احتل الحيز نفسه الذي كانت تشغله حدائق مزارع ابراهيم باشا.
وكان محمد علي ادخل - هذه المنطقة - في املاك ولده ابراهيم باشا. وأقيمت فيها ثكنات للجنود، وعقب عودته من فتوح الشام، أمر بتمهيد هذه الأرض، ثم شيد سراي "القصر العالي" بحدائقه الشاسعة، وفيه اقام اسماعيل باشا، ووُلد الخديو توفيق. كما شهد احتفالات "أفراح الانجال" الاسطورية. وبعد هدم السراي عام 1906 قسمت أراضيها، ومنحت من قبل الخديو اسماعيل مجاناً لمن يتعهد ببناء بيت قيمته 1200 جنيه استرليني على الاقل في غضون 18 شهراً على الأكثر.
وبدأ ظهور القصور والفيلات الفاخرة وسط حدائق غناء مترامية الاطراف، على شوارع ذات تصميم مستدير على الطراز الانكليزي، ووصفت بأنها "سلة ازهار انبثقت منها القصور الفخمة والدور البديعة".
واستلزم تطوير المنطقة في الشاطئ الشرقي للنيل انشاء ميدان يتوسطها، أراد له الخديو اسماعيل ان يكون مشابهاً لميدان "الإتوال" النجمة في باريس. وان تنظم جميع ميادين القاهرة على شاكلته، بحيث يصبح المركز الذي تتفرغ منه شوارع رئيسية عدة.
وبالفعل اصبحت تصب فيه وتتفرع منه شوارع عدة أهمها: رمسيس الملكة نازلي سابقاً وقصر النيل وطلعت حرب سليمان باشا سابقاً وقصر العيني والشيخ ريحان ومربيت باشا، وهو ما جعله اول ميدان تمتد اليه المرافق المتطورة، فكانت تصله المياه الجارية ويُضاء بمصابيح الغاز، فيه صرف صحي، وكلها امور كانت جديدة على القاهرة وأهلها في القرن التاسع عشر.
واستلزم اتصال الحركة والنقل بين غربي النيل - بعد تحويل مجراه - وبين منطقة الميدان، انشاء كوبريين في العام 1872. أحدهما كوبري "قصر النيل" الشهير الذي بنته شركة "فيف ليل" الفرنسية تكلفة مقدارها 108 آلاف جنيه، وسمي بهذا الاسم نسبة الى القصر الذي شيده محمد علي لكرمته زينت هانم، والذي عرف ب "قصر النيل" وقد هدمه الخيو سعيد وأقام عليه ثكنات قصر النيل، التي استمرت قائمة حتى العام 1947. والكوبري الثاني هو كوبري - الانكليز - "الجلاء" اسمه آلان الذي اقامته شركة انكليزية بتكلفة 40 ألف جنيه.
ميدان الفراعنة
على رغم ان الميدان ليس فرعونياً في شيء، إلا من طريقة المصريات المارات في وضع "الكحل" حول عيونهن الواسعة، فإنه يضم احد اعظم المتحاف في العالم وهو "المتحف المصري" الذي يتوسط الصخب، ويحج اليه الملايين سنوياً من كل بقاع الأرض، وقد بلغ متوسط زائريه في يوم واحد في العام 1996 خمسة آلاف زائر.
ويرجع الفضل في انشاء المتحف الى عالم الآثار الفرنسي الشهير "اوغوست مارييت" 1821-1881 الذي اقام متحفاً للآثار المصرية القديمة للمرة الأولى عام 1857 في "بولاق" مستغلاً بعض المباني القديمة مخازن الخاصة بشركة الملاحقة آنذاك وقد أمر الخديو اسماعيل بتوسيع هذه المخازن التي سماها "دار العاديات" وافتتحها رسمياً عام 1863، وشدد على ضرورة الحفاظ على الآثار فيها، ومنح خروجها من البلاد استمراراً للتقليد الذي سنه محمد علي.
ويبدو ان مارييت كان أكثر احساساً بالمسؤولية تجاه ثروات مصر من بعض حكامها أنفسهم وقتئذ، ففي عهد عباس باشا الاول وسعيد باشا كانت الحكومة تهدي من هذه الآثار بغير حساب الى الامراء والعظماء الاجانب، وذكر جيمس بيكي في موسوعته "الآثار المصرية" ان مارييت قد نجح في حمل حكام البلاد على اتخاذ الخطوات الاولى لإقامة هذا المتحف.
وفي العام 1878 تعرض متحف بولاق وكنوزه للغرق على اثر فيضان النيل، وعلى الرغم من ذلك فقد مضت سنوات عدة قبل ان يتم نقله الى مدينة "الجيزة"، ثم الى مبناه الحالي بميدان التحرير الذي شيد عام 1902 في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، وصممه المهندس الفرنسي مارسيل دورنيون. وقد أشرف على نقله غاستون ماسبيرو مدير مصلحة الآثار المصرية وقتئذ، وهي المصلحة التي ظلت مقصورة على الاجانب، خصوصاً الفرنسيين حتى قيام ثورة تموز يوليو 1952. ويضم المتحف اليوم حوالي 120 ألف قطعة أثرية تتوزع على طوابق ثلاثة فيها اكثر من مئة غرفة تحوي بقايا أقدم حضارة مدنية.
خصص الطابق الارضي للمعروضات الثقيلة التي رتبت حسب ترتيب الاسرات التاريخي، ومن اهم القطع الاثرية فيه نذكر على سبيل المثال: لوحة نارمر موحد مصر "الاسرة الاولى 3200 ق. م" وتمثال زوسر - الاسرة الثالثة - 2800 ق. م. والتمثال الفريد للملك خفرع - الاسرة الرابعة - 2600 ق. م، والذي يعتبره الفنانون والأثريون معجزة في فن النحت، اذ انه نحت من حجر "الديورتا الاخضر" بدقة متناهية وذوق رفيع. كما يوجد في الطابق الارضي ايضاً تماثيل الملوك: حتشبسوت وتحتمس الثالث واخناتون وغيرهم. وفي الطابق الثاني ويسمى "الاتريوم" بعض التماثيل ومئات من المعروضات الفرعونية و "موميات" رمسيس الثاني وسيتي الاول وأحمس وتحتمس الثالث اعظم ملوك مصر ضمن عشرات من الموميات الاخرى التي فجرت معركة ثقافية كبرى عندما دعا الرئيس السادات الى دفنها بدعوى ان استمرار بقائها "خروج على الاسلام"، وهي المعركة التي انتهت لمصلحة بقاء الموميات في مكانها رمزاً لعبقرية الفراعنة في اعمال التحنيط أغلق صالة الموميات عام 1980 وأعيد افتتاحها منذ اشهر قليلة.
ويحتوي الطابق العلوي أهم كنوز المتحف. يكفي ان نذكر منها كنوز وآثار الملك توت - عنخ - آمون بمقصوراته الذهبية وعرشه وقناعه الشهير وتابوته الذهبي 110 كيلوغرامات من الذهب، وقاعة الحلي والجواهر.
وقد دفن في مدخل المتحف جثمان "مارييت" باشا تقديراً لدوره ولما قدمه للآثار المصرية، واطلق اسمه على الساحة الكبيرة خلف المتحف، كما اطلق اسم "ماسبيرو" على المنطقة المقابلة للمتحف والميدان، التي ينتصب عليها مبنى التلفزيون المصري.
واذا كان المتحف يرمز الى نزوع المصريين للحفاظ على آثار أجدادهم، فإن حماية أمن المتحف وسلامة متقنياته وزواره، اصبحت من هموم الدولة اليوم. ليس فقط ضد اعمال جماعات العنف التي فجرت قنابل عدة امامه لقطع الطريق على تدفق السياحة الى مصر، وانما ايضاً ضد المحاولات المتكررة لسرقة محتوياته الثمينة على رغم تقنيات الامن الحديثة، وضد ارتفاع نسب التلوث والضوضاء على حدودها المسموح بها عالمياً، وهو ما يهدد الآثار بالفعل مما دفع المسؤولين الى اتخاذ قرار رسمي بنقل مقتنياته الى مكان آخر على طريق مصر - الفيوم الصحراوي.
التحرير والسيادة
باستثناء مبنى التحف المصري، لم يكن في الميدان - اوائل هذا القرن - إلا ثكنات "قصر النيل" التي احتلت نصف الميدان الغربي تقريباً، وبعض السرايات والقصور المتناثرة اهمها سراي الاسماعيلية شيد على جزء منها مبنى مجمع المصالح الحكومية وسراي الأمير كمال الدين حسين وزارة الخارجية اليوم ابن السلطان حسين كامل، والى الغرب منه، كان قصر السيدة: "قوت القلوب الدمرداشية" الذي هدم لتوسعة "ميدان" كوبري قصر النيل ميدان الأمير الهامي ابن عباس حلمي الأول، وجامع "العبيط" اقيم مكانه جامع عمر مكرم الذي كان داخل السور الغربي لسراي الاسماعيلية، كما يذكر علي مبارك في خططه، ثم قصر خيري باشا مقر الجامعة الاميركية اليوم احد وزراء المعارف في القرن التاسع عشر.
ويبدو ان ثكنات قصر النيل كان لها شأو خاص في الميدان اذ جسدت الاحتلال بأبلغ معانيه حتى النصف الأول من القرن العشرين. ففي العام 1861 استخدم جزء من تلك الثكنات - التي أنشأها الخديو سعيد - ليكون مدرسة للمعية، ثم نقلت اليها المدرسة الحربية عام 1863، كما نقلت اليها نظارة الجهادية وزارة الحربية عام 1865، ورئاسة هيئة الاركان العامة، وظلت جميع المنشآت العسكرية فيها حتى العام 1882، ومرت فيها معظم أحداث الثورة العرابية.
واتخذت ثكنات لقوات جيش الاحتلال البريطاني 1882-1947 الى ان هدمت في أواخر الاربعينات. ويفسر ذلك - في جزء منه - الاسم الجديد للميدان الذي أطلقه رجال ثورة تموز يوليو عام 1953 وهو "التحرير" من جهة، كما يبرز الاسباب التي جعلت غالبية التظاهرات الطلابية والشعبية تقصده لتعلن عن رفضها او احتجاجها او مطالبها، وأهمها تظاهرة 9 آذار مارس عام 1919، وهي التظاهرة الشعبية الاولى التي شهدها ميدان "الاسماعيلية" وقتئذ احتجاجاً على نفي اعضاء الوفد المصري بقيادة سعد زغلول. وتظاهرة 21 شباط فبراير 1946، لأول وآخر جبهة وطنية فاعلة كان اسمها "اللجنة الوطنية للعمال والطلبة" التي سقط فيها اكثر من 20 شهيداً برصاص قوات الاحتلال البريطاني. وفي 25 كانون الأول ديسمبر 1951 انطلق من الميدان هتاف عدائي الاول من نوعه الذي يدعو الى سقوط الملك فاروق، وهي سابقة - كما يقول الرافعي - في التاريخ المصري الحديث، كانت تنذر بخلعه الوشيك.
ومنذ اوائل الخمسينات اتسعت رقعة الميدان وتعددت أغراضه وزادت اهميته، ربما اكثر مما كان يحلم الخديو اسماعيل نفسه. اذ اصبح صورة حية لمصر والمصريين، ولم يعد مجرد ممر للعبور او ملتقى لشوارع عدة رئيسية وانما بمثابة "القلب" الذي تسمع فيه ومنه النبض المصري داخلياً وخارجياً.
وليست مصادفة ان يجري فيه العرض العسكري الاول للجيش المصري بعد قيام ثورة تموز يوليو وان يوجد فيه مبنى محافظة القاهرة الذي اصبح في العام 1966 مقراً للاتحاد الاشتراكي العربي الحزب الواحد وقتها ثم الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم، ووزارة الخارجية في مبناها القديم المبنى الجديد لا يبعد 200 متر عن الميدان، ومجمع التحرير الرمز الضخم للبيروقراطية المصرية حسب تعبير جمال حمدان الذي يضم كل المصالح والهيئات والوزارات. وعلى بُعد امتار من الميدان تنتشر معظم الوزارات المصرية، ومجلس النواب - شيد عام 1923 - وهو مجلس الشعب الآن. وفي الميدان يرتفع مقر جامعة الدول العربية 1960 الذي يشير الى توجه مصر العربي الذي أكدته ثورة تموز يوليو 1952. وعلى مسافة قريبة أهم السفارات والهيئات والجامعات الاجنبية في القاهرة.
ويتصل الشمال الشرقي لميدان التحرير بالمنطقة التجارية المهمة التي اشتهرت ب "وسط البلد"، وتضم البنوك الكبرى وشركات السياحة والبازارات وأشهر المحلات التجارية والمسارح ودور العرض السينمائي و "اتيلييه" المثقفين وأهم المقاهي والكافيتيريات والمطاعم والمكتبات.
وقد شيدت اكبر فنادق القاهرة الخمس نجوم في قلب الميدان وحوله: النيل هيلتون 1956، كليوباترا 1962، النيل بالاس 1965، الى جانب سميراميس وشبرد وشيراتون والمريديان لاحقاً.
وكانت الفنادق في الماضي تتناثر ما بين حي القلعة والازهر وعابدين وحتى ميدان "الأوبرا"، ولم يكن في القاهرة في اوائل القرن التاسع عشر سوى فندق "موناي"، اقدم فنادق مصر الحديثة، وانشئ في أيام الحملة الفرنسية 1798 وكان يتردد عليه ضباط الحملة وفيه حديقة غناء وموائد للبلياردو. والفندق الثاني "شبرد" الذي أسس عام 1834، وكان يفوق موناي روعة وجمالاً. وظل ملكاً لمؤسسة المستر شبرد حتى العام 1861، وأعيد بناؤه في موقعه نفسه في شارع الجمهورية ابراهيم باشا الى ان احترق في كانون الثاني يناير 1952 اثناء حريق القاهرة، وأعيد بناؤه للمرة الثالثة في موقعه الحالي على كورنيش النيل، ووضع تصميمه الجديد المهندس ايلي شاغوري. اما الفندق الثالث فهو "جاردينو" وهو اسم مهندس ايطالي كان يعمل في خدمة محمد علي. وبعدها انتشعت حركة السياحة فشيد في العام 1845، فندق "كولومب" وفندق "وليامس" وبلغت الاجور فيهما 98 قرشاً مع الوجبات في اليوم الواحد.
أما أشهر فنادق القاهرة قبل تموز يوليو 1952 فهو فندق "كونتيننتال" الذي أنشأه عام 1899 رجل يوغوسلافي يدعى جورج لنجوفيتش، وهو المؤسس لأول شركة للفنادق في مصر وقد ظلت قائمة حتى العام 1921. واشتهر هذا الفندق خلال الحربين العالميتين، وفي اثناء الثورة المصرية 1919، وتردد فيه، كثيراً، صوت الزعيم سعد زغلول، ومن أبرز رواده احمد زيور باشا رئيس وزراء مصر، كما كان "بهو" الفندق ملتقى لرجال السياسة وكبار الأعيان.
وتميز ميدان التحرير بتوسطه لمجموعة من الحدائق التي يمتد تاريخها الى القرن التاسع عشر وحتى النصف الاول من القرن العشرين، من اهمها حديقة الفردوس التي اشتهرت ب "حديقة الاندلس". وضع تصميمها المهندس محمد ذو الفقار، اما اسم "الفردوس" فقد أطلقه عليها العلامة أحمد زكي باشا، وهي على يسار مدخل كوبري قصر النيل من الناحية الغربية، وفي مواجهة تمثال الزعيم سعد زغلول. وتعد من اجمل حدائق القاهرة شدت عليها فيروز بأجمل اغانيها "بحبك يا لبنان" و "مصر عادت شمسك الذهب" من ألحان الرحابنة في نهاية السبعينات، تميزها فسقية كبيرة من الرخام الابيض، مثمنة الشكل في وسطها اربعة أعمدة متلاصقة، كتب على تيجانها الآية الكريمة: "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نُزُلا خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلا"، وتحيط بهذه الفسقية، المدرجات السندسية، وصفوف من الاشجار التي تشكل سياجاً اخضر حولها.
اما حديقتا "النهر" و "الزهرية" فقد انشئتا في اوائل العشرينات من هذا القرن، والاولى عبارة عن شريط اخضر عرضه 50 متراً يمتد من بعد حديقة الاندلس الى كوبري ابو العلا، ويطلق عليها "الحديقة النهرية" وطريق النزهة، وفيها مطعم ومسرح صيفي مسرح الجيب الذي مثلت عليه اعمال توفيق الحكيم ونجيب سرور ونعمان عاشور المسرحية. والى اليسار منها، تمتد حديقة "الزهرية" من فندق البرج الى نادي الجزيرة، وجنوباً الى برج القاهرة والنادي الاهلي، وتضم مجموعات من الزهور النادرة وبعض الاشجار في تشكيلات رائعة.
كما توجد حديقة "الحرية" التي كانت تعرف ب "حديقة النيل" فيما بين كوبري قصر النيل وكوبري الجلاء، وتمتد الى جنوب الجزيرة اقتطع منها جزء لنادي القاهرة الرياضي وأقيم فيها متحف مختار الذي يضم وثائق ومعلقات وروائع ابدعها محمود مختار، ويعد هذا المتحف، الاول للفنون تشيده وزارة الثقافة والارشاد القومي، وافتتح في العيد العاشر للثورة 1962، وأهم مقتنياته، كاتمة الاسرار، ايزيس عروس النيل، الفلاحة، رياح الخماسين، عند لقاء رجل، بائعة الجبن، شيخ البلد، العودة من النهر.
وكانت توجد في الحديقة مدينة "ملاهي" حتى بداية الثمانينات، وهي تواجه دار الاوبرا الجديدة حالياً او المركز التعليمي للفنون الذي صممته وأهدته اليابان الى مصر وافتتح في عهد الرئيس حسني مبارك.
وكانت دار الاوبرا القديمة تقع بالقرب من حديقة الازبكية في ميدان ابراهيم باشا الذي اشتهر بميدان الاوبرا، وافتتحت في العام 1869، وبلغت تكاليفها وقتئذ 1.600.000 من الجنيهات، ومثلت عليها في 29 تشرين الثاني نوفمبر 1869 اوبرا "ريجوليتو"، وكان في مقدم المدعوين من الملوك والملكات الامبراطورة "أوجيني" عقيلة نابليون الثالث، وقد عهد الخديو اسماعيل الى الموسيقي الايطالي "فردي" ان يؤلف اوبرا مصرية لتمثل فيها، فألف "مارييت" باشا موضوع اوبرا "عايدة" ولحنها فردي وظهرت الى النور مساء 14 كانون الاول ديسمبر 1871.
ميدان السيادة والتحدي
ولا تظهر روعة ميدان "التحرير" سواء في تصميمه او مساراته ومبانيه وحدائقه إلا من أعلى قمة فيه وهو "برج القاهرة" رمز السيادة والتحدي الذي شيد عام 1961 في الجزيرة وهو عبارة عن بناء اسطواني الشكل يرتفع 180 متراً، تشاهد من فوقه على المدى معالم القاهرة الحديثة، والنيل واهرامات الجيزة وسقارة وحتى جبل المقطم. ويعتبر برج القاهرة اطول برج شيد من الاسمنت في العالم، وقد بناه وصممه مهندسون مصريون، كما ان جم يع مواده مصرية.
وعلى رغم كل الاحتياطات الامنية في الميدان لأهميته الكبرى، فقد شهد انفجار اول قنبلة ارهابية عام 1974 في مجمع المصالح الحكومية مجمع التحرير الذي يرتاده يومياً ما بين اربعة الى ستة آلاف مواطن. كما شهد في اوائل التسعينات انفجار قنبلتين في شهر واحد، الاولى امام المتحف المصري، والثانية في مقهى "وادي النيل" عام 1993، التي لا تبعد خطوات عن كافيتيريا "علي بابا" المكان المفضل لأديبنا الكبير نجيب محفوظ قبل ذهابه الى جريدة الاهرام كل صباح. وعلى بُعد امتار من الميدان اغتيل رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب السابق امام فندق سميراميس عام 1991. وبقربه ايضاً جرت محاولة فاشلة لاغتيال وزير الداخلية الحالي اللواء حسن الألفي عام 1993.
وتحت ارض الميدان تمتد شبكة ضخمة من انفاق مترو القاهرة الذي افتتح قبل سنوات قليلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.