قاد التجمع اليمني للاصلاح في صنعاء ثورة هادئة ضد الهاشميين والمذهب الزيدي انتهت بتقليص نفوذ السادة الهاشميين في المجتمع بعدما خسروا نفوذهم السياسي إثر ثورة 1962 على الامامية وتراجع المذهب الزيدي الذي هيمن على الحياة الفقهية والسياسية ليحل محله اسلام غير مذهبي يطلق عليه أحياناً الاسلام الجمهوري. والأمر نفسه يجري حالياً في حضرموت حيث يقوم الاصلاح بالدور نفسه، والهدف هذه المرة "السادة" العلوية ومنهج التقليد للمذهب الشافعي السائد في حضرموت الذي جعل لعلمائها ايضاً مكانة بين الشافعية في كل اليمن. لكن قادة الاصلاح هنا هم من ابناء حضرموت ومن علمائها البارزين، ومن سوء حظ السادة العلوية انهم يتعرضون لهذه الحملة الجديدة وهم في أضعف أطوارهم بعد نفوذ تمتعوا به طويلا في هذه المنطقة واستمر ثمانية قرون لم يؤسسوا خلالها دولة لهم وانما طوروا فلسفة ابعدتهم عن صراع السلطة وأبقتهم قريبين من موقع القرار السياسي والاقتصادي. ويذهب بعضهم الى القول إن آمال السادة العلوية انتعشت خلال الحرب الأخيرة، وان مشروع الانفصال سيعترف أخيراً بدورهم المميز في حضرموت خصوصاً وجنوب اليمن عموماً، ويلمح زعيم الاصلاح في حضرموت الشيخ عبدالرحمن بكير الى ذلك من دون ان يصرح، فيقول: "ان الطائفية هي التي ستفتقد هؤلاء الانفصاليين وليست الشيوعية التي انتهت واندحرت منذ الوحدة". ومن هم هؤلاء بالتحديد؟ ويجيب القاضي السابق الذي تجاوز السبعين ولا يزال في كامل حيويته متحاشياً إجابة مباشرة: "إنهم قوم على مذهب معين ويخدمون فكراً معيناً ظاهراً ومستتراً، وليس عندهم في الضرورة فكر سياسي ولا طموح الى أن يحكموا". في قمة القيادة وعزز من شكوك هؤلاء وجود عدد كبير من السادة العلوية في قمة القيادة الجنوبية التي أعلنت الانفصال بينهم الرئيس علي سالم البيض ونائبه عبدالرحمن الجفري اللذان هما، على رغم خلافاتهما السياسية القديمة، ابناء عمومة ينتسبان الى أبرز علماء السادة العلوية محمد بن علي الشهير بالفقيه المقدم. ومن المفارقات ان من أبناء عمومتهم سيد يدعى حسن الترابي، وبالطبع لا علاقة له بالدكتور حسن الترابي زعيم الجبهة القومية الاسلامية في السودان. وهناك ايضاً رئيس الوزراء حيدر ابو بكر العطاس ووزير النفط الراحل صالح ابو بكر بن حسينون وكلاهما من السادة، لكن ممثلي السادة يرفضون هذه الاجتهادات. وفي لقاء وجهائهم مع الشيخ عبدالمجيد الزنداني عضو مجلس الرئاسة اليمني، اثناء زيارته لتريم وسط وادي حضرموت أوائل الشهر الماضي، أكد المتحدثون رفضهم الانفصال، وهاجموا قيادات الاشتراكي من "السادة" معتبرين أنهم فرضوا على أبناء حضرموت. لكنهم أكدوا في الوقت نفسه رفضهم محاولات الدولة فرض مناهجها، أو الاصلاح فرض فكره على أبناء المنطقة. ولوحظ ان الزنداني تعمد عدم زيارة الشيخ عبدالله بن محفوظ الحداد أبرز علماء السادة العلوية، وفُسر ذلك بأنه نوع من معاقبة الحداد على مواقفه غير الواضحة من الانفصال على رغم انه أكد لپ"الوسط" ان البيان الذي نسب الى جمعية علماء حضرموت التي يرأسها وأيد فيه الانفصال "مزور". صراع فكري لكن الأوضاع ليست سيئة الى هذه الدرجة بالنسبة الى السادة العلوية اذ شهدوا أياماً أصعب، فصراعهم الحالي مع الاصلاح سيكون فكرياً وستقتصر ساحته على المدارس والمعاهد العلمية ومنهجهم التقليدي العلمي ضد منهج الاصلاح التجديدي اللامذهبي. وهو نوع من الصراع قد يكون ايجابياً لتشجيع الحركة العلمية في حضرموت التي عانت من تهميش النشاط العلمي الديني اثناء عهد الاشتراكية، ومن تشجيع الثقافة الجديدة "العلمانية" اثناء عهد الانكليز، كما يقول السيد عبدالله باهارون، وهو من العلماء الشباب الحضارمة الذي يحاول ان يوفق بين تيار السادة التقليدي والتيار الديني الحديث. ويقول: "اسوأ عهود العلويين كانت في عهد الاشتراكيين الذين شجعوا الصراع في حضرموت بين الطبقات وفق نظريتهم الشهيرة في الجدلية، فأضعفوا التركيبة الاجتماعية ولم يصلحوا أوضاع الضعفاء والمسحوقين، بينما أهانوا العلماء والوجهاء". وخلال حكم الاشتراكيين هاجر ألوف من أبناء حضرموت، خصوصاً المقتدرين - وكثيرون من هؤلاء من السادة - الى الخليج والسعودية خصوصاً مكةالمكرمة والمدينة المنورةوجدة، كما استؤنفت الهجرة الى اندونيسيا وماليزيا وسنغافورة حيث توجد جالية من السادة. وبينما قامت مواجهة الاشتراكي لپ"الطبقية البرجوازية" على العنف واغلاق المدراس وتأميم الأوقاف والممتلكات قامت سياسة البريطانيين على تشجيع الحداثة والمزودين ثقافة غربية حديثة الذين اسندت اليهم الوظائف الرسمية المهمة. ولعل هذه السياسة اضعفت نفوذ العلماء من السادة، لكنها ايضاً وفرت الفرصة لسادة آخرين كي يبرزوا في وظائف حكومية كثيراً ما عزفوا عنها مكتفين بنفوذهم التقليدي القائم على وضعهم الديني ونسبهم الشريف في مجتمع بسيط التركيب، ما أدى الى وصول عدد منهم الى مواقع وزارية بجوار السلاطين والمشايخ. ويتهم السادة البريطانيين بتشجيع حركة دينية مناوئة لهم هي "حركة الارشاد" التي ظهرت في اندونيسيا، وهي قريبة من التيار الديني الحديث الذي يرفض المبتدعات الجديدة في اعطاء طائفة مزايا دينية بسبب النسب. لكنهم يرون ان البريطانيين والهولنديين في اندونيسيا شجعوا هذه التيارات لأن المسلمين المعارضين للاستعمار كانوا يجتمعون حول رموز من علماء السادة يقودونهم ضد المستعمر، ولا يترددون في اتهام الاصلاح برعاية علماء "حركة الارشاد" السابقة. شجرة العائلة وليس من المبالغة وصف السادة بالطائفة المميزة، فهم مولعون بتسجيل نسبهم في "شجرة للعائلة" يسمونها "مشجرة" يتوارثونها ويفخرون بتعليقها في منازلهم، وهناك من كبارهم من يوكل إليهم تسجيل أفراد الاسرة فيسجل المواليد الذكور تباعاً. ويقال ان في سنغافورة مركزاً دولياً يتولى هذه المهمة. كما ان لذلك جانباً مهماً هو صرف المستحقات المالية العائدة من استثمارات عقارية تمتد من الشرق الأقصى او ما يطلقون عليه بلاد جاوا الى حضرموت حيث يمتلك السادة اقطاعيات واسعة يعمل فيها ألوف المزارعين الصغار. ويفتخر محافظ حضرموت الحالي صالح عباد الخولاني بأنه أعاد أكثر من 95 في المئة من الأموال المؤممة في حضرموت التي يعود جزء كبير منها الى السادة. ولا يعني ذلك ان جميع السادة اغنياء، فمع مرور الوقت وازدياد عدد أفراد العائلة، تقل ثروة الفرد، كما تختلف المخصصات من اسرة الى أخرى. فآل الكاف، على سبيل المثال، يعدون من أثرى السادة، وتأتي اسرة العيدروس في المرتبة الثانية. كما ان السادة ليسوا جميعاً علماء دين، بل هم يعانون حالياً من قلة العلماء بينهم مقارنة بالماضي. وإضافة الى التجار والاداريين برز منهم ايضاً المبدعون في الفن، كالسيد حسين المحضار أشهر الشعراء والموسيقيين في حضرموت الآن ويقيم في الامارات العربية. جامعة مفتوحة ويدرك السادة ان دور العلم الشرعي التي أسسها أجدادهم تقوي نفوذهم في المجتمع، إضافة الى امكاناتهم المالية. الامر الذي يدفعهم الى تنشيط التعليم في الأربطة وهي فكرة تعليمية متطورة على رغم انها قديمة ايضاً، وتشبه جامعة مفتوحة لا يلتزم المتعلم فيها جدولاً زمنياً وانما يحدد الوقت الذي يحتاج اليه للحصول على الاجازة من الشيخ تبعاً لقدراته الذهنية. والرباط معهد داخلي يلتزم ساكنه سلوكاً اخلاقياً معيناً ليس على الطريقة الصوفية بل من خلال منهج تربوي يعتمد على الكثير من فكر علماء الصوفية. وعلى رغم صعوبة الوضع الاقتصادي في حضرموت فإن الاربطة لا تزال تجذب طلبة من شرق آسيا وغيرها. ويرى عبدالله باهارون الذي تلقى بعض تعليمه في رباط الشحر، أن "الاربطة تجربة غنية في حياة المسلم العامل. تستحق السفر اليها والتعلم فيها. فهنا تجد العلم الشرعي القائم على الكتاب والسنة". وللأربطة استثمارات كبيرة خارج حضرموت خصصها لها مؤسسوها وظلت أموالها مجمدة هناك بعد التأميمات ومضايقات الحزب الاشتراكي لها، فتحول معظمها الى مدارس عادية أو معاهد فنية، لكنها عادت الى سيرتها الأولى بعد الوحدة. وجرت اتصالات بين نظار هذه الأوقاف ومن بقي في حضرموت من العلماء والمسؤولين عنها لاعادة تمويلها. ويتوقع كثيرون ان يمول السادة معاهدهم كي تستطيع الصمود امام هجمة المعاهد العلمية الآتية من صنعاء والتي رفض الاشتراكي السماح لها بالعمل في الجنوب بحرية. ونجحت هذه المعاهد في إحداث ثورة ضد المفاهيم القديمة في صنعاء وتريد ان تفعل الشيء نفسه في حضرموت.