الفتى الحالم الذي غادر بيروت عصر ذات يوم من 1883 عام ولادة جبران ليلتحق بمعهد الطب في القاهرة، هل كان يخطط من يومها لتأسيس "هلاله"؟ وهل يوم اسسه 1892 كان يحلم بأن يصبح بدراً والبدر الى بدور والبدور الى سنوات بلغت المئة هذا العام؟ وهل كان من الطموح بحيث وصل حلمه الى ان تصبح اوتوبيوغرافيا * في متناول قراء الانكليزية التي نهل منها وهو على مقاعد الجامعة الاميركية في بيروت حين كان اسمها الكلية السورية الانجيلية؟ صفحات مذكراته تعج بالذكريات من طفولة وشباب، وتشير الى طفل ففتى وعى منذ سنواته الاولى اي بحر من الثقافة ينتظره. ولكنه لم يع يومها اية مكتبة ثرة سيترك للأدب العربي. ومن مجلة شهرية شاءها "أدبية، تاريخية، صحية، إجتماعية، جامعة" كما ورد على غلاف عدد "الهلال" الاول ولم تتعثر شهراً واحداً في مسيرتها، ها هي اليوم تحولت داراً مصرية من الاوسع والاغزر انتاجاً في العالم العربي. ومن سرد مقمّش لأحداث التاريخ، هو الذي رغم انشغالاته الهائلة ألزم نفسه حكماً بإنجاز كتاب منها على الاقل كل عام، ترك لنا ما بات يعده نمط "الرواية التاريخية" التي كان هو رائدها وأول من نشرها متسلسلة على حلقات، حتى لكأن "الهلال" كان البيدر الذي استقبل حبوب القمح ليطلعها سنابل. الهدف وطني دأبه كان في رواياته الاحدى والعشرين كما يشير توماس فيليب مترجم "السرة الذاتية"، "لا ان ينتج كماً ادبياً بل توجيهاً وطنياً من خلال تعريف القارئ الى تاريخ العرب بالصورة الابسط والاسهل فينقله الى ماضيه بالاسلوب السلس البعيد عن جفاف السرد التاريخي. وبذا بقيت روايات جرجي زيدان مادة عجينية استقى منها المؤرخون لاحقاً للدخول الى تفاصيل كثيرة من التاريخ الاسلامي والعربي". واحسن المترجم اختصار دأب زيدان بتصويره إياه: "جاء في مرحلة يقظة العرب، عند اواخر القرن التاسع عشر، فكان احد ابرز المساهمين والمشاركين فيه، وكان رائداً في جعل المثقف العربي يواجه مسألتين شغلتا العرب تلك الفترة: التأقلم مع الحياة العصرية الجديدة التي بدأت اوروبا تدخلها الى العالم العربي، والابقاء على الهوية العربية واستقلالها في إرثها الحضاري". اهمية "سيرة جرجي زيدان" تكمن في اضاءتها على بدايات دخول العصرنة الغربية الى بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما رافقها من ملامح غريبة دخلت على شؤون التربية والمجتمع والملابس والاثاث والعادات، وجميعها جعلت بيروت، في تلك الحقبة، تنتقل من مجرد قرية الى مدينة حيوية. السيرة تبدأ هكذا: "حين كنت صبياً اخبرني والدي عن اصل عائلتنا فقال ان جدي كان يدعى زيدان يوسف مطر وكان في عين عنوب وكيلاً للسيدة حبوس والدة الامير مصطفى ارسلان. وحين هاجم ابراهيم باشا سورية وعكا وأراد ان يحتل جبل لبنان بمساعدة الامير بشير الشهابي، رفض جدي الهرب مع السيدة حبوس فحقدت عليه، حتى اذا عادت بعد حملة ابراهيم باشا انتزعت منه كل ممتلكاته. ومات من شدة حزنه تاركاً ابنتين وولدين اكبرهما والدي الذي قام بأود العائلة، بعدما قررت جدتي مغادرة عين عنوب ونزحت الى بيروت، التي كانت قرية صغيرة لا موارد عيش فيها سوى بيع حاجات الحياة اليومية من مأكل وملبس وما شابه، او الانخراط في صفوف الحكومة او الخدمة العسكرية، ابي كان امياً من دون مواهب ولا خبرة، ومن دون طموحات سوى اعالة امه واخيه وشقيقتيه من بيع الارغفة التي كانت امه تخبزها في البيت. ومن احاديثه مع ابيه لاحقاً، تبين لجرجي زيدان انه ولد في بيروت اواخر عام 1861، ومن دون تحديد تاريخ "لأن امي وابي كانا اميين لا يحسنان الكتابة. وبعدما كبرت وسألت ابي قال لي انني ولدت ليلة اطلقت البارجات في بحر بيروت قذيفتين، وكانت امي في المخاض فسأل الجيران فقيل ان تينك كانتا حداداً على وفاة ملك انكلترا. وحين بحثت وجدت ان ذلك كان في الرابع عشر من كانون الاول ديسمبر. وكانت ولادتي في شقة يملكها الياس الشويري في حي بات لاحقاً مقر اليسوعيين بنوا داخله مدرسة لارساليتهم. لكننا انتقلنا منه لضيقه الى منزل ثان فثالث، حتى بتنا بعد 22 سنة وقد انتقلنا الى 16 منزلاً مختلفاً، وجميعها في الحي الشرقي والشمالي من بيروت. وفي حياة ضاغطة من العمل، فتح ابي مطعماً كان يغدو اليه ولا يعود منه الا عند منتصف الليل، بينما امي منهمكة في شؤون البيت واعالتنا، لا وقت لديها لزيارات او تلبية دعوات اجتماعية ولا حتى دينية". أسلوب سلس وفي اسلوب عذب سلسل يتراوح بين السرد والتذكار والحنين، يسترسل جرجي زيدان في ذكر بيته الاول وايامه الاولى ومدرسته الاولى: "بسب امية ابي دفعني في سن مبكرة جداً الى تعلم القراءة، بعدما ازداد الشغل في المطعم وبات مدخوله يحتاج الى مراقبة دائنيه ومدينيه. واوكل امر تعليمي الى المعلم الياس شقيق الخوري موسى كاهن الرعية وصاحب "الفلق" الذي كان ينتظر الكسالى. وكان التعليم آنئذ محصوراً برجال الدين او من يدور في فلكهم. لكنني لم اتعلم عنده سوى سنتين لأن والدي احتاجني وكنت لا ازال في الحادي عشرة، كي اساعده في كتابة اسماء الزبائن وطلباتهم وفواتيرهم، وذلك نيابة عن النادل الذي كان يشتغل في المطعم وغادر فجأة عائداً الى قريته بيت شباب. واذكر ان والدي قال لي: تعال يا جرجي ساعدني في المطعم سبعة ايام او ثمانية ريثما اجد نادلاً آخر. لكن تلك الايام السبعة امتدت الى سبع سنوات انتقلت فيها من شغل المطعم الى الاسكافية الى شؤون تجارية اخرى كي اعتاش. وذات يوم دخل مطعمنا الاستاذ سعود الطويل من الشياح واخبرني انه فتح مدرسة ليلية لتعليم الانكليزية فاستهواني الامر والتحقت بها. وغالباً ما كنت اعود من المطعم بعد نهار طويل وبعض الليل فأشعل المصباح قرب سريري وأروح اقرأ وأتعلم حتى ينبلج الصباح". ويكبر الفتى ويتعرف الى خليل شاوول صديقه الذي يعرفه الى قصائد المتنبي فيتحول جرجي زيدان الى حب الشعر والادب ويشترك في "المقتطف" فيرسل اليها اولى مقالاته وبذا يتعرف الى اسكندر البارودي طالب كلية الطب في الكلية السورية الانجيلية الجامعة الاميركية لاحقاً فيقوده ذلك الى الالتحاق بالكلية والتعرف الى الاستاذ اللامع فيها يعقوب صروف. غير ان دراسة الطب توقفت بعد الاضراب الذي اعلنه الطلاب فكان رد الادارة حازماً بعدم الاستجابة مما تسبب في تفرق الطلاب وادى بجرجي زيدان الى الالتحاق بكلية الطب في القصر العيني القاهرة، لكنه سرعان ما اشاح عن الطب ليتولى رئاسة تحرير "الزمان" فإدارة تحرير "المقتطف" عمل لفترة مترجماً في الحملة البريطانية على السودان الى ان دخل مغامرته الكبرى عام 1891 عام التحول في حياته فأنشأ مطبعة طبع فيها اولى رواياته، ولم يمر عام الا وكان اصدر العدد الاولى من حلمه الكبير: مجلة "الهلال" 1892 ليبقى طويلاً بعدها لا مؤسسها فقط بل محررها ومديرها والمحاسب والمشرف على مبيعاتها ومراقب التوزيع. وراحت "الهلال" تنطلق بهمة صاحبها وسهره المضني ليالي مرهقة للكتابة والتحرير والانشاء خصوصاً رواياته التاريخية وما تتطلبه من بحث وتنقيب وتمحيص وتقميش فكان مؤسسة ناهضة في رجل. يضفي على "مذكرات جرجي زيدان" بالانكيزية ما كتبه مترجمها في مقدمته الاكاديمية، محللاً شخصية الرجل وخلفية ثقافته متتبعاً مراحله منذ اولاها الشخصية حتى اخيرتها الابداعية، وما كان له من تأثير مباشر في محيطه، وغير مباشر لاحقاً في من جاؤوا بعده واختطوا لهم نهج الكتابة الروائية التاريخية لتقديم التاريخ الاسلامي وتاريخ الادب العربي بالطريقة المشوقة التي تجعل القارئ يرى ماضيه آتياً من فجر المستقبل. يتوقف زيدان في كتابة مذكراته عند حقبة شبابه الاول بدءاً من اسرته فولادته لكن سيرته تلك بقلمه تقدم صورة مفصلة دقيقة عن بيروت ذاك الزمان ببيئتها واجوائها وعاداتها واحيائها وتقاليدها الاجتماعية وبدايات دخولها العصر الغربي. وكانت كتابة السيرة الذاتية تلبية لوعد قطعه الكاتب لابنه اميل بأن يروي له مذكراته، فبدأ بكتابتها عام 1908 حين التحق الابن، كما الاب سابقاً، بالجامعة الاميركية في بيروت، لكن انشغالات الوالد حالت دون اكمال ذاك السرد السلس فتوقفت احداثه عند العام 1883، تاريخ انتقال الوالد من بيروت الى القاهرة. وفي الرسائل الاربع الملحقة بالترجمة الانكليزية للسيرة وهي من اصل 125 كتبها بين 1908 و1912 من القاهرة الى ابنه اميل في الجامعة الاميركية - بيروت، ملامح واضحة عن حنين جرجي زيدان الى بيروت، الى حي طفولته وذكريات شبابه، ايام كانت بيروت طالعة من جرح الحرب الاهلية 1806 وداخلة في مطالع عهد النهضة الذي شهد التلاقح الغربي - الشرقي في لبنان لتكون معه بيروت، خلال عقود طويلة تالية، تلك اللؤلؤة الفريدة على خصر المتوسط. * صدرت بالانكليزية في واشنطن تحت عنوان: "اوتوبيوغرافيا جرجي زيدان - مع اربع رسائل الى ابنه" عن منشورات "ثري كونتيننتس برس" القارات الثلاث في 108 صفحات قطعاً وسطاً بترجمة حرفية الى الانكليزية وتقديم وتحقيق من البروفسور توماس فيليب المستعرب الذي يكتب ويحاضر في المانيا والولايات المتحدة. وعن المترجم انه عاد في ترجمته الى النص الاصلي المكتوب بخط المؤلف والموجود في جناح المخطوطات لدى الجامعة الاميركية - بيروت. وهذه السيرة الذاتية كانت صدرت في بيروت بقسمها الاول عام 1966 تحت عنوان "مذكرات جرجي زيدان" بتحقيق صلاح الدين المنجد، وصدر قسمها الآخر عام 1967 بعنوان "المدرسة الكلية" بتحقيق نبيه امين فارس ضمن المجلد 20 من مجلة "الابحاث" ص 222 - 255. ننقل هنا رسالتين من الرسائل الاربع المثبتة في الكتاب، من جرجي زيدان الى ابنه اميل: عزيزي اميل: اليوم بالذات عاد عمك الى العمل في المطبعة بعد ابلاله من وعكته الصحية، وعدت انا الى الانكباب على كتابي "تاريخ آداب اللغة العربية"، ويبدو ان هذا الجزء الثاني سيكون اكبر من سابقه لأنه يتناول العصر العباسي 122 و606 ه وهو اهم حقبة في تاريخنا، ولا اريد ان اختصر شيئاً من الاحداث، ولا ان ادع شيئاً للجزء الثالث. لذا سيخرج هذا الجزء ضخماً كثيفاً. اهم ما يشغل الناس هنا هذه الايام انباء الحرب اجتياح الايطاليين بنغازي وطرابلس الغرب 1911 - 1912 واستعمار تينك المقاطعتين العثمانيتين عهدئذ. والناس يأملون ان ينتصر العثمانيون، مع ان هذا امل بعيد التحقق. لكن الله على كل شيء قدير. والعثمانيون يبدون حزماً وشجاعة في الحرب مما لا يمكن معه انتظار الافضل في الظروف الحالية. وتسري في بنغازي حالياً منشورات سرية ضد الطليان، بينما رحماني ونيازي ونشأت وبعض الضباط العثمانيين الآخرين يعملون على توحيد العرب والتفافهم حول سيدي محمد السنوسي الموجود حالياً في بنغازي. نصرهم الله على اعدائهم الطليان. واذا انتهت الحرب بانكسار العثمانيين سأكون محطماً من العذاب والخيبة، لأنني لا استطيع ان اقبل انتصار المحتل والغاصب. ليتك ترى كيف اخوك شكري متحمس لانتصار العثمانيين حتى انه يتابع انباء الحرب على حساب تخلفه عن دروسه. وهو يقول بأن الاوروبيين يستخفون بالعرب فيما عليهم ان يعرفوا حقيقة تاريخ العرب واسهاماتهم في الحضارة. وانني فخور جداً وسعيد جداً بحماس أخيك للعثمانيين، باعتبار ان هذا ما يمليه عليه واجبه الذي أنشأتكم انا عليه، وأملي كبير ان ينصر الله العثمانيين في هذه الحرب وان تستعيد حكومتهم مكانتها بين سائر الحكومات .... أقبلك وأدعو لك بالخير القاهرة - 10 نوفمبر 1911 عزيزي اميل، تلقيت الآن رسالتك وفرحت لكونك في صحة جيدة ولكونك انتخبت رئيساً للجمعية. ان هذا من المفيد جداً لك، خاصة في المستقبل لأن دستور الجمعية كقانون الحكومة وهو سيفيدك بالتمرس على الشؤون السياسية والتجارية. وسرني ان اعلم منك ان رئيس الكلية طلب منك المواصلة في التدريس وانك رفضت الطلب. واظنك شرحت له ان خدمتك الكلية رئيساً للجمعية افضل من بقائك في التدريس مع الرئاسة، ذلك ان خدمة الكلية السورية الانجيلية هي خدمة الوطن كله وخدمة للحرية والدستور لأنها تهيئ الشعب عندنا لاقتبال الحرية من خلال الدستور... القاهرة - 28 مارس 1912