الحوار دلالة كثرة وتعدد بقدر ما هو دلالة وحدة وتماسك، ولذلك اقتضت دلالة الحوار- لغوياً - وجود متكلم ومخاطب، فلا بد فيه من تبادل الكلام ومراجعته، والمرء لا يحاور نفسه، وإنما يحاور غيره ويتحاور معه. ومحاورة الغير والتحاور معه دال اختلاف معه لا تطابق، وتغاير لا تماه. ويزداد إدراكنا للكثرة والتعدد والاختلاف والتغاير بالكلام ذاته، فهو منظومة عدد وتعدد. وليست هناك فكرة من دون سياق من الأفكار يحيلها عليه ويدرجها في عداده، وهو سياق لا يستطيع أحد أن يتصور امتلاك فرد له، بل لا يستطيع أحد أن يحيله على مجموع في مكان وزمان واحد. وكما أنه لا يمكن لأحد أن يدعي امتلاك اللغة من دون الناس، فإنه لا يمكن لأحد أن يدعي من الأفكار والتصورات ما لا يختلف معه فيه غيره. لكن دلالة الحوار على الكثرة والتعدد لا تنفصل عن دلالته على الوحدة والتماسك، فاللغة التي رأينا فيها وبها معاني الكثرة وصور التعدد هي وحدة متماسكة، أو كما يصفها اللسانيون بأنها"نظام"، وما تتضمنه دلالة النظام من التأليف، والجمع، والضم، والترتيب، والاتساق، تتضمنه اللغة التي تغدو بهذه الصفة عامل توحيد وتجنيس لمن ينطق بها بقدر ما هي عامل تنظيم تجتمع به المفردات بترتيب معين للدلالة، وكما أنه لا حوار بين متفقين، فلا حوار بلا لغة. ومعنى ذلك أن الوحدة بلا اختلاف أو كثرة صفة لا يمكن تصورها، لأنها لازم مجموع يشتمل - من جهة ما- على أمر مشترك بين أجزائه، ولهذا كانت الوحدة ? فلسفياً - من لوازم الماهيات لا من مقوماتها. وبالدرجة نفسها يمكن القول: إننا لا يمكن أن نتصور اختلافاً إلا من خلال وحدة ما، لأن الاختلاف أجزاء لا اعتبار لجزئيتها إلا بجامع، وتعدد لا قيمة لعدده إلا بالتضايف. هذا الاختلاف، من حيث هو شرط للحوار، من ثم جزء من دلالته، يقود إلى دلالة الحوار - في مستوى المجتمعات والأفراد - على ذات وآخر، وهما قرينان لا دلالة لأحدهما في غياب الآخر، ومن ثم لا وجود له إلا به. لكن هذا الوجود الثنائي ينطوي على التوتر وعلى التفاعل، وهما الأساس الذي يصنع الحوار ويقتضيه، فآخرية الآخر هي اتجاه كل ذات إلى دفع آخرها وتباعدها عنه، في حين يغدو إقصاء كل ذات لآخرها وإلغاء وجوده إقصاءً لذاتها وإلغاءً لوجودها، فهي - من قبْل - لم تبدأ من الصفر بل اندرجت في آخر، وهي- بعدُ - صيرورة وحدوث لا تخلص لذاتية بلا آخر إلا حين تكف عن أن تكون ذاتاً. والنتيجة هي أن الحوار، على مستوى المجتمعات والأفراد، قيمة وعي واستنارة، وقيمة معرفة، بقدر ما هو ضرورة عيش ومقتضى كينونة ووجود. إنه القدرة على مجاوزة الذات للاستماع والاطلاع على ما لدى الآخر، وهذا مسلك لا يقوم من دون رحابة الذات وسعة الأفق والثقة في النفس، وهي خصائص مضادة لذات لا تملك ذاتيتها وقدرتها على الفهم والتفاهم. لذلك لا تنمو المعرفة الإنسانية ولا يترقى الوعي إلا بالحوار، تماماً مثلما لا تنعقد عقود المجتمعات التي تؤلف أفرادها وفئاتها على اختلافهم وتنوعهم، ومثلما لا تقوم العلاقات المتفاعلة بين الدول والأمم والحضارات المتغايرة. بدائل الحوار ?إذاً- هي تبادل الإقصاء والتنافي والإلغاء بين المختلِفين، هي الانغلاق الذي يسد منافذ البصر والبصيرة، هي الجمود الذي يعلِّق الوجود الاجتماعي والحضاري خارج التاريخ، وهي الصراع والعنف والاقتتال بمعانيها وأشكالها المادية والرمزية. وبقدر ما تحضر، في عصر العولمة، مقولة الصراع والصدام بين الحضارات والثقافات، تحضر مقولة الحوار، وبقدر ما يشتد صوت الأحادية والتعصب والتطرف، تقوى الحاجة إلى التعدد الذي يثري الواقع والاختلاف الذي يستلزم التسامح والتنوع الذي يتسع به الوجود الإنساني، بوصف الإنسانية مكوناً جوهرياً في هوية كل فرد وكل مجتمع. فهل من الضروري - والأمر كذلك - أن تجرب المجتمعات البشرية الكراهية المتبادلة، والحروب، والرق، والاستعمار، والتمييز العنصري، والمجاعات، والرعب النووي، والإرهاب... قبل أن تدرك أنه لا مفر لها من الشعور بالمصير المشترك لكل بني الإنسان. إننا منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، أمام تدفق لكتابات وكتب من أمثال"نهاية التاريخ"لفوكو ياما، و"صراع الحضارات"لهنتجتون، و"صعود وهبوط الإمبراطوريات"لبول كندي، و"الموجة الثالثة"لتوفلر... إلخ. والهاجس الأساس لها هو الاكتشاف للتحول الذي يأخذ العالم إلى مسار ما يزال يثير مخاوف الاستبداد والأحادية ومستلزماتهما من صراع غير متناه، في حين يتجلى من جهة أخرى، بشارة تقارب إنساني ووعي مشترك وانفتاح على الحوار والتعددية، أو إعادة اكتشاف لهما. وهو المسار الذي ابتعث في العالم العربي والإسلامي كتابات متعددة في"مواجهة الإرهاب"و"ضد التعصب"و"ثقافة التطرف"و"الإسلام والغرب"و"العالم والعرب"و"الثقافة العربية في عصر العولمة"وغيرها. وبالطبع فإن هذا الوعي المتجه إلى الحوار لن يأخذ مداه العميق في ترسيخ علاقات سلمية وتأسيس مفاهيم معرفية بالذات والعالم، ما لم يجاوز الحديث العابر الذي تقتضيه مناسبة ما أو حدث عابر.