ربما لن يعود الرسامون لرسم غصن زيتون في فم حمامة مرة أخرى، وربما يشطب الأدباء قول الشاعر"أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة"، وعلى رغم أن الحمام والنعام كانا على مدى قرون رمزين للسلام والجبن، إلا أنهما تحولا في لحظة إلى وحشين كاسرين يخشى الناس الاقتراب منهما. ولم يكن أحمد ذو ال12 ربيعاً يدرك لماذا أصبحت والدته تثور في وجهه وتمنعه من اللهو مع الحمام، الذي لا يبرح شرفة منزلهم، حتى التقاط البيض من العش أصبح محظوراً عليه، ولم يفهم ماذا يقصد والده عندما كان يقول له ربما تكون مصابة ب"أنفلونزا الطيور"، وكان يرد ولكنكم تصابون بالأنفلونزا ونقترب منكم، فماذا ارتكب الحمام؟ وقال أحمد ل"الحياة":"اكتشفت لاحقاً أن الأمر ليس مزاحاً، فحتى التلفزيون والصحف والمعلمين يحذرون من الاقتراب منها"، مضيفاً"تساءلت كيف لهذه الحمامة الضعيفة أن تنقل الموت". ويشير إلى انه وبعد نحو عامين انضم لقائمة المحذرين من الحمام، ويضيف"أصبحت أخشى حتى من ريشه المتطاير، خصوصاً بعد اكتشاف المرض في المملكة قبل فترة". ومخترعات أحمد لمنع صديقه السابق الذي انقلب إلى عدو لدود من الاقتراب من شرفة منزله باءت بالفشل، فالمادة البترولية التي كان يسكبها سرعان ما تجف ويأتي الحمام، وتغطية الشرفة بالملاءات أثبتت فشلها بجدارة، ولم يتبق له إلا طرده بالعصا كلما سنحت له الفرصة. وليس أحمد وحده مَنْ أصبح يخشى الحمام، فمحمد العلي الذي أخرج الطيور التي كانت في منزله يخشى أيضاً من كل ما هو طائر. وأصحاب محال بيعه كذلك يخشونه، ومع ذلك فهم مضطرون للاستمرار في بيعه، ويقول ناصر محمد بائع في محل طيور:"كانت جولات البلدية والزراعة تعتبر مصدر إزعاج لنا، أما الآن فأصبحنا نتمنى رؤيتهم كل يوم". وليس أحمد ومحمد وناصر سوى نموذج مصغر لبقية فئات المجتمع، التي أصبح الكثير منها ما إن يرى حمامة أو طائراً بقربه حتى يستبد به الخوف ويستبدل البيت الذي يقول:" أقول وقد ناحت بقربي حمامة تعالي أقاسمك الهموم تعالي"، محولاً كلمة"تعالي"إلى ابتعدي. ورغم الهلع الذي أصاب الكثيرين إلا أن مصدراً في وزارة الزراعة لم يُخفِ مخاطر الاقتراب من الطيور، خصوصاً التي يبدو عليها آثار الإعياء، ورغم قوله:"إن الوضع مطمئن"، إلا انه كان يقصد عدم ورود إصابات بين الطيور التي حذر من الاقتراب منها.