"الضرب بالخيزران أهون من الضرب بالسلك"، هذه هي القناعة التي توصلت إليها الطفلة شهد القرني، التي قالت بعد اختبار أنواع عدة من وسائل الضرب:"على رغم أن الخيزرانة التي تستخدمها والدتي في ضربي عندما لا أطيعها أو أزعجها، تسبب لي ألماً شديداً، لكنها أخف وطأة من الضرب بالسلك". وتوافقها الطفلة عبير محمد بالقول:"الخيزرانة أهون علينا من الأشياء التي يستخدمها أبي في ضربنا، لأنه يقذفنا بأي شيء تصل إليه يداه". وأضافت:"قذف والدي شقيقتي الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها أربعة أعوام بكوب زجاجي، فسبب لها جرحاً عميقاً، نقلت على إثره إلى المستشفى". وتشير الطفلة غدير المطيري إلى أن والدها يستخدم الخيزرانة للتهديد فقط"لا يضربنا بها، لأن الأمور تسير كما يريد، بمجرد التلويح بها". وأعربت أم محمد عن استيائها من تصرف زوجها، عندما ضرب ابنتهما لإخفاقها في بعض المواد الدراسية، مؤكدة أن الدماء سالت من يدها بسبب ضربته العنيفة بالخيزرانة. وأشارت إلى أن هناك أساليب تربوية حديثة وناجحة، لابد من استخدامها والابتعاد عن العنف ضد فلذات أكبادنا، لأنهم أغلى شيء على قلوبنا، بحسب قولها. وعلى رغم أن غرسة القرني تعمل معلمة، وتعرف أن استخدام الخيزرانة أمر سيء، لكن للضرورة أحكاماً كما تقول:"لا استطيع ردع أبنائي عند عراكهم في غياب أبيهم، فلا أتردد في استخدام الخيزرانة، لخشيتي عليهم من إيذاء بعضهما بعضا، وتكفي ضربة واحدة لكل منهم بالخيزرانة كي ينطلق في سباق مع الريح إلى اتجاهات مختلفة". من جهته، يشدد أستاذ علم الاجتماع المشارك في جامعة الملك سعود في الرياض الدكتور عبدالله محمد الفوزان، على ضرورة عدم استخدام العصا أو الخيزرانة، لأنه حتى لو أثمر بخضوع الطفل للمربي، إلا أنه لا يعكس اقتناعاً بالأوامر والنواهي. ويؤكد أن استخدام العصا أو الخيزرانة في تربية الطفل يترك جراحاً وآلاماً يختزنها الطفل في اللاشعور، وتؤثر سلباً في شخصيته، ويظهر ذلك في شخصية طفل ضعيفة وخانعة وغير واثقة، منطوية على نفسها، أو شخصية عدوانية تميل إلى العنف في حل مشكلاتها مع الآخرين، ويقول:"متى كان العصا يسبق اللسان في العملية التربوية، فذلك دليل فشل المربي والعملية التربوية برمتها". ويوضح الفوزان أن العملية التربوية السليمة تقوم على الحوار والإقناع مع الطفل، وليس التخويف والترهيب، أما استخدام العصا والخيزرانة في تربية الطفل فهو الحل الأسهل لإخضاع الطفل لإرادة المربي، ولكنه ليس الحل الأمثل. ويضيف أن الشخصية العنيفة هي إفراز طبيعي لتربية عنيفة، لأن العنف لا يولد إلا العنف، والمربي الفاشل هو من يحمل العصا أو الخيزرانة، مشيراً إلى أن الدراسات التربوية والنفسية أثبتت أن التبول اللاإرادي، وضعف المخزون اللغوي، واهتزاز الثقة بالنفس، ونمو نزعة الانتقام، والميل إلى التمرد والعناد والعنف لدى الطفل، كلها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتربية القائمة على التخويف والقمع، وتشكل إفرازات منطقية لهذا النوع من التربية. ويطالب الفوزان المربين باستخدام أسلوب الحوار والإقناع بين المربي والطفل، وضبط النفس والانفعالات الغاضبة، والابتعاد عن التخويف والترهيب، وتفهم طبيعة مرحلة الطفولة، وما يعتريها من أنانية ولا مبالاة، تصدر عن الطفل بسبب ضعف خبرته في الحياة، وليست نابعة بالضرورة عن إرادة واعية لإيذاء المربي. ويقترح أن تكون وسائل العقاب، الحرمان من بعض الامتيازات المادية أو المعنوية، واللجوء إلى تعبيرات الوجه السالبة، شرط أن يصاحبها حوار مع الطفل لتوضيح الأسباب التي دعته إلى هذه العقوبة. ويضيف:"أثبتت التجارب أن الأطفال الواثقين بأنفسهم والمستقرين عاطفياً ونفسياً، والناجحين في علاقاتهم الشخصية، والمتميزين في أدائهم الدراسي، والقادرين على التعبير عن مكنوناتهم، هم أولئك الذين تربوا في محيط تربوي، يقوم على المودة والاحترام والحوار والإقناع، بعيداً من أدوات القمع والتخويف. ... الآباء أكثر من يشترونها يؤكد مدير محال متخصصة في بيع الأدوات الاستهلاكية عبد المحسن الحقباني أن مبيعات"الخيزرانة"في ازدياد"أبيع يومياً بين 15 و 20 خيزرانة". وأضاف، أن الآباء أكثر الزبائن إقبالاً على شراء"الخيزرانة"للترهيب والتوجيه والتربية، يليهم رعاة الأغنام والمكفوفون، فالشباب لاستخدامها في العرضات، كما يقبل عليها الأطفال لألوانها الزاهية وزخرفتها المتنوعة، ويستعين بها المعلمون في شرح الدروس عند عدم توافر المسطرة. وعلى رغم رفض الحقباني استخدام الخيزرانة، إلا انه يبيعها لشدة الطلب عليها، وبسبب استخداماتها الإنسانية الضرورية للمكفوفين والعجزة، ويجدها البعض هدية جيدة للوالدين لمساندتهما، خصوصاً إذا كانت عريضة ومزينة بالزخارف الهندية. وتحدث الحقباني عن موقف طريف حدث مع عائلة اشترت خيزرانة،"ألحت طفلة على والدها لشراء خيزرانة مزخرفة، وعند خروجها من المحل اصطدمت العصا بعين شقيقتها، ما جعل والدها يعيدها فوراً".