أمسى (العم معيض) في أمان الله، بعدما قام بمهمة تربوية تأديبية عادية، ليستيقظ صباح اليوم التالي وقد تحول فجأة مع أطفاله لأسطورة شعبية، فلم يكن في حسبان (العم معيض) أن (مسطات) بسيطة ستضعهم في قلب الفلاشات، وستنقلهم بسرعة البرق من الظل لعالم الأضواء، وسيدخلون الشهرة من أوسع أبوابها، هكذا بدون مقدمات وجدوا انفسهم حدث الساعة وحديث المجالس، بعدما وضع لهم (هاشتاق) تفاعل معه المغردون بطريقة غير مسبوقة، فتداولوا الصور والمقطع، وانهالت عليهم الهدايا من كل مكان، حراك اجتماعي صاخب، حصل ببركة التقنية الحديثة لأجهزة التواصل الاجتماعي، التي فضحت البيوت وانتهكت أسرارها، فكاميرا الإعلام الجديد اخترقت منزل (العم معيض)، واقتحمت خصوصيته بدون أن تستأذنه، ونقلت لنا حدثا أسريا عفويا تربويا، يحصل في أغلب البيوت السعودية، فشاهدنا (العم معيض) ممسكا بخيزرانته، ومنقضا على مجموعة من أطفاله، حولوا مجلسه لملعب كرة قدم، رأوه فشخصت ابصارهم وتجمد الدم في عروقهم، ليعطي كل واحد نصيبه المستحق، ولم يعلم عن كاميرا رصدت الحدث التأديبي، لينتشر بعدها مقطع الجلد، ويتلقفه جمهور الجلد باحتفالية كبيرة، فلم تؤلمهم لسعات الخيزران في ظهور الأطفال، ولم يتأثروا بتوسلاتهم وصراخهم، إنما اُعجبوا كثيرا بموهبة (العم معيض) في خفة حركته وسرعته في الكر والفر، ومرونته وهو يتمايل مع توزيع الجلدات، وكأنه يتمايل مع أنغام (لا لا يا الخيزرانة في الهوى ميلوكي)، حتى سيطر على الوضع بثوان معدودة!! كان مقطع الجلد ينتشر بسرعة، وكلما ازداد انتشاره اتسع الجدل وتباينت ردة الفعل حول مشهد الجلد، فالمخضرمون من جيل الثمانينيات والتسعينيات، الذين عاشوا طفولة معذبة وكانوا يُجّلدون (في الجاية والرايحة)، وفي أي مكان وزمان، والكل يملك ترخيصا مفتوحا ومصرحا له بترهيبهم، وخاصة المعلم الذي منح ترخيص فئة (VIP)، حيث يستطيع أن ينتزع طبقة جلدهم العليا بدون أي مساءلة، فله حق التصرف باللحم على ألا يمس العظم، هؤلاء بخبراتهم السابقة وقياساً بتجربتهم القاسية، يرون أن (مسط العم معيض) لا يعدو كونه مجرد دغدغة، وأمراً عاديا لا يستحق هذا الصخب، وأما الجيل الحالي فيضعون ما حصل في خانة العنف الأسري، ويصفونه بالإيذاء الجسدي والنفسي، ويطالبون بتدخل حقوق الانسان وحماية الاطفال، واعتقد أن الفريقين رغم تباينهما، إلا أنهما متفقان على استخدام العصا، ولكن يختلفان في آلية الجلد وكميته!! الاحتفالية التي قوبلت بها خيزران (العم معيض)، من المفترض ألا تكون محل استغراب، طالما أنها نابعة من ثقافة الجلد المترسخة في اللا وعي عند الجلادين ومن الصعب تجاهلها، فقوم الجلد رأوا أنفسهم من خلال (العم معيض) وخيزرانته، وتمثلوا مضمون المقطع، وهذا طبيعي فثقافة الجلد متعمقة في ادبيات موروثنا الاجتماعي، فقد تشكل في وعينا الداخلي، أن الضرب بمختلف أشكاله ضرورة تربوية، فكنت أظن لفترة طويلة أن ما كان يردده الجلادون من أن (العصا لمن عصى) من الأحاديث الصحية، وأنها تربية وكفّارة في نفس الوقت، وعندما كبُر وعّينا وجدنا انفسنا أمام مأساة ثقافة الجلد، التي جذّرت فينا العنف والتسلط، وانعكس هذا على تصرفاتنا مع ابنائنا دون ان نشعر!! هذه الزوبعة المصطنعة المصاحبة للمقطع، لا شك أنها تنم عن فراغ ثقافي وخواء فكري، وكان أسوأ ما فيها هو الاستغلال البشع من الشركات والمؤسسات التجارية، لوضع اسري ربط ب (هاشتاق تويتري) نشط، فالتنافس في منح الهدايا والعروض والخصومات للجلاد والمجلود، لم يكن نابعا من مسئوليتها الاجتماعية، التي لم نرها في غير هذا المكان إنما اعلانات ترويجية مجانية لأغراض تسويقية، على حساب الأسرة والقيم الانسانية!!